
استقبال البواخر التجارية في مرفأ طرطوس - 25 آب 2026 (الهيئة العامة المنافذ والجمارك)

استقبال البواخر التجارية في مرفأ طرطوس - 25 آب 2026 (الهيئة العامة المنافذ والجمارك)
عقب أسابيع من إعلان دمشق وموسكو التوصل إلى مذكرة تفاهم تعيد تنظيم الوجود الروسي على الساحل السوري، عادت التحركات الروسية في ميناء طرطوس وقاعدة حميميم إلى الواجهة، مع وصول قافلة بحرية روسية تضم سفنًا عسكرية ولوجستية إلى ميناء طرطوس، في خطوة تطرح أسئلة حول طبيعة المرحلة الجديدة من الوجود الروسي في سوريا، وحدود التغيير الذي أحدثته مذكرة التفاهم الأخيرة.
وفي 7 من أيلول الحالي، وصلت إلى طرطوس قافلة روسية تضم أربع سفن، بينها سفينة الشحن “سبارتا” (Sparta)، وناقلة الإمداد البحري “أكاديميك باشين” (Akademik Pashin)، وناقلة النفط “جنرال سكوبيليف” (General Skobelev)، إضافة إلى المدمرة “أدميرال ليفشينكو” (Admiral Levchenko).
وأكدت صور الأقمار الصناعية وجود عدد من السفن داخل الميناء، بينما تحدثت مصادر عن وصول إمدادات بينها ذخائر، مع تأكيد وكالة “رويترز” أنها لم تتمكن بصورة مستقلة من التحقق من طبيعة كامل الشحنة أو وجهتها النهائية.
وتأتي القافلة بعد أسابيع من توصل دمشق وموسكو، في 9 من آب الماضي، إلى مذكرة تفاهم بعد نحو 18 شهرًا من المفاوضات، تعيد تنظيم مستقبل الوجود الروسي في حميميم وطرطوس.
وبموجب التفاهم، تستعيد الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، بينما يعاد تنظيم وظيفة المنشآت العسكرية وتحويلها إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل.
الباحث في الشؤون الروسية والشرق أوسطية ديمتري بريجع يرى أن وصول القافلة الروسية إلى ميناء طرطوس لا ينبغي قراءته باعتباره حركة لوجستية عادية، وإنما باعتباره أول اختبار عملي تقريبًا لشكل الوجود الروسي الجديد في سوريا بعد التفاهمات الأخيرة بين دمشق وموسكو.
وقال بريجع، في حديث إلى عنب بلدي، إن أهمية القافلة لا ترتبط فقط بوصول السفن، وإنما بتوقيت العملية، إذ جاءت بعد أسابيع قليلة من الاتفاق الذي أعاد صياغة مستقبل الوجود الروسي في حميميم وطرطوس.
ووفقًا للباحث في الشؤون الروسية، فإن وصول القافلة لا يعني انسحابًا روسيًا من سوريا، وإنما يشير إلى إعادة هندسة الوجود الروسي، إذ تسعى موسكو إلى الحفاظ على الحد الأدنى الضروري من القدرة العملياتية واللوجستية التي تجعل وجودها في الساحل السوري قابلًا للاستمرار، في حين تسعى دمشق إلى إعادة هذا الوجود إلى إطار جديد تكون فيه السيادة السورية أكثر وضوحًا.
وأضاف أن الحديث عن استمرار الإمدادات والذخائر يمثل مؤشرًا على استمرار الوجود العسكري الروسي، لكن يجب التمييز بين استمرار الوجود واستمرار النموذج القديم منه.
لفت بريجع إلى أن تركيبة القافلة نفسها تحمل دلالة، إذ ضمت سفينة قادرة على نقل المعدات والآليات الثقيلة، وسفينة لإمداد القطع البحرية، وناقلة مرتبطة بالإمدادات والوقود، إضافة إلى مدمرة من فئة “أودالوي” وهي فئة من المدمرات الكبيرة السوفييتية والروسية المخصصة بشكل أساسي للحرب المضادة للغواصات (ASW).
ويرى أن هذا النوع من التشكيل يعكس قدرة متكاملة على تنفيذ مهمة لوجستية بحرية عسكرية وتأمينها، لكنه يحذر في الوقت نفسه من المبالغة في قراءة الخطوة باعتبارها عودة للأسطول الروسي بكامل قوته إلى سوريا.
وقال إن ما يثبته وصول القافلة بصورة أكثر تحديدًا هو رغبة موسكو في الاحتفاظ بقدرتها على الوصول إلى طرطوس وإمداد مواقعها وتشغيلها عسكريًا ولوجستيًا عند الحاجة.
وأضاف أن أهمية طرطوس بالنسبة إلى روسيا لا تتعلق بسوريا وحدها، وإنما بقدرتها البحرية في البحر المتوسط وبشبكة تحركاتها باتجاه الشرق الأوسط وإفريقيا.
تنص مذكرة التفاهم، بحسب ما أعلنته الجهات السورية، على تحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، وهو ما يفتح سؤالًا حول ما إذا كان ذلك يمثل تقليصًا حقيقيًا للوجود العسكري الروسي.
وبحسب الباحث، فإن التغيير القانوني والسياسي يعني تقليصًا واضحًا للاستقلالية التي كان يتمتع بها الوجود الروسي سابقًا، لكن المسألة أكثر تعقيدًا من الناحية العسكرية.
وقال إن مركز التدريب العسكري ليس منشأة مدنية، إذ يحتاج إلى مدربين وضباط وفنيين ومهندسين ووسائل اتصال ومعدات وذخائر تدريبية ومستودعات وصيانة وإجراءات حماية.
وبالتالي، فإن تغيير تسمية القاعدة لا يعني بصورة آلية اختفاء البنية العسكرية، بحسب بريجع، الذي يرى أن المعيار الحقيقي الذي يجب مراقبته خلال المرحلة المقبلة يتمثل في عدد العسكريين الروس، ونوع الأسلحة الموجودة، والجهة التي تسيطر على الدخول والخروج، ومن يتحكم بالمجال الجوي، ومن يوافق على دخول السفن، ومن يمتلك القرار العملياتي النهائي.
ويعتبر أنه إذا أصبحت هذه القرارات خاضعة بصورة أساسية للدولة السورية، فسيكون ذلك تحولًا جوهريًا في طبيعة الوجود الروسي، حتى وإن استمر الوجود العسكري.
من جهته، قال الإعلامي والمحلل السياسي الدكتور نصر اليوسف، في حديث إلى عنب بلدي، إن الإدارة السورية الجديدة أجرت مباحثات استمرت نحو 19 أو 20 شهرًا، منذ سقوط النظام السابق حتى 9 من آب الماضي، وتوجت هذه الجهود بتوقيع الاتفاقية مع روسيا في التاريخ نفسه.
وأوضح اليوسف أن الاتفاقية لا تنص على خروج روسيا بشكل كامل من سوريا، ولا على استمرار وجودها بالشكل الذي كان عليه سابقًا، وإنما تقوم على إعادة النظر في طبيعة الوجود الروسي وإعادة صياغته.
وبحسب اليوسف، ستحتفظ روسيا بوجود في سوريا، لكن ليس بصيغة عسكرية قتالية تقليدية، بما يمنع استخدام المواقع لشن أعمال قتالية، سواء ضمن الجغرافيا السورية أو في إطار مواجهة استراتيجية أوسع بين روسيا والغرب.
وأشار إلى الأهمية الاستراتيجية التي كانت تتمتع بها قاعدتا حميميم وطرطوس بالنسبة إلى روسيا، معتبرًا أن موقعهما كان يتيح لموسكو استخدامهما ضمن حساباتها الاستراتيجية في حال اندلاع مواجهة واسعة مع الغرب.
وأوضح أن إعادة صياغة الوجود الروسي شملت تخصيص أجزاء من القاعدتين للاستخدام المدني السوري، بما يساهم في دعم الاقتصاد السوري، بينما ستخضع الأجزاء المتبقية لاستخدام مزدوج سوري-روسي بما يخدم الطرفين، ولكن من دون أن تكون ذات طبيعة عسكرية قتالية.
وأضاف اليوسف أن وصول السفن الروسية، بما فيها سفن ذات طابع عسكري، لا يعني بالضرورة عودة الوجود الروسي إلى ما كان عليه سابقًا.
وفيما يتعلق بالتعاون العسكري، قال اليوسف إن جزءًا كبيرًا من تسليح الجيش السوري تاريخيًا كان سوفيتيًا وروسيًا، مشيرًا إلى أن نسبة كبيرة من هذه الأسلحة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي خلال سنوات الحرب، كما تعرض ما تبقى منها، بحسب قوله، لضربات إسرائيلية بعد سقوط النظام السابق.
وأضاف أن سوريا تواجه حاليًا حاجة إلى ترميم الأسلحة والمعدات التي بقيت لديها وإعادتها إلى الخدمة، وهو ما يتطلب خبرات فنية وقطع غيار وذخائر، معتبرًا أن هذا يجعل التعاون مع روسيا ضرورة بالنسبة إلى الدولة السورية الجديدة، في المرحلة الحالية على الأقل.
ويرى اليوسف أن الدعوات إلى إنهاء التعاون العسكري مع روسيا والاتجاه بشكل كامل نحو الغرب أو تركيا لا تراعي حجم الموارد المطلوبة لإعادة تسليح الجيش السوري، موضحًا أن إعادة بناء وتسليح الجيش تحتاج إلى موارد مالية كبيرة لا تتوفر حاليًا لدى القيادة السورية الجديدة.
وقال إن سوريا ستتعاون مع روسيا، وفق بنود الاتفاق، لإعادة تأهيل ما تبقى من الآليات والمعدات والذخائر، والاستفادة من الخبراء الروس في المجالات التي تحتاج إلى خبرات فنية لا تستطيع سوريا القيام بها بإمكاناتها الذاتية.
يرى بريجع أن استمرار التعاون العسكري لا يعني بالضرورة عودة صفقات التسليح الروسية الواسعة مباشرة، مشيرًا إلى أن روسيا لا تحتاج إلى عشرات الطائرات أو آلاف الجنود حتى تحتفظ بنفوذ عسكري داخل سوريا.
وبحسب قراءته، يمكن أن يستمر النفوذ العسكري من خلال التدريب والصيانة والإمداد وقطع الغيار والدعم الفني والخبرات العسكرية، إلى جانب تشغيل المعدات الروسية التي يمتلكها الجيش السوري.
ويعتبر أن المصطلح الأدق للمرحلة الحالية ليس “الانسحاب الروسي”، وإنما “إعادة تعريف الوظيفة الروسية داخل سوريا”.
ففي المرحلة السابقة، بحسب بريجع، كان الوجود الروسي مرتبطًا بدرجة كبيرة بحماية النظام السابق وإدارة العمليات العسكرية واستخدام سوريا منصة لإسقاط القوة الروسية في شرق المتوسط.
أما اليوم، فتحاول موسكو الانتقال إلى صيغة مختلفة تقوم على الحفاظ على قواعد ونقاط اتصال وقدرات لوجستية وعسكرية، ولكن ضمن تفاهم جديد مع دولة سورية تسعى إلى استعادة أكبر قدر ممكن من سيادتها على المواني والمطارات والمنشآت.
يستبعد اليوسف عودة الوجود الروسي إلى ما كان عليه سابقًا، معتبرًا أن طول فترة المفاوضات كان مرتبطًا، من بين أمور أخرى، بمحاولة الوصول إلى صيغة وسطية تضمن عدم استعداء روسيا، وفي الوقت نفسه إعادة تنظيم وجودها في سوريا.
وقال إن استعداء روسيا قد يدفعها إلى استخدام نفوذها وأذرعها داخل سوريا، مشيرًا إلى وجود مكونات وعناصر في المجتمع السوري يمكن أن تتحرك أو تسبب اضطرابًا في حال حصولها على دعم روسي.
ويرى اليوسف أن الاتفاق نجح في تحييد روسيا عن الصراع الداخلي، مع السماح لها باستخدام بعض المواقع لأغراض مثل التدريب، مشيرًا إلى أن الجيوش تحتاج بصورة مستمرة إلى التدريب.
وأوضح أن بعض المواقع الروسية تتمتع ببعد جغرافي يحميها من الهجمات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، ما يتيح استخدامها لتدريب الطيارين والوحدات البحرية، مع إمكانية استفادة الجانب السوري منها أيضًا.
أما بريجع، فيرى أن التعاون، إذا توسع، قد يسير بصورة تدريجية تبدأ بقطع الغيار والصيانة، ثم تحديث المعدات، وبعد ذلك يمكن أن تظهر عقود تسليح جديدة إذا توفرت الإرادة السياسية والتمويل والظروف الدولية المناسبة.
لكنه يستبعد عودة العلاقة العسكرية إلى النموذج السابق نفسه، مشيرًا إلى أن سوريا الجديدة تتحرك في بيئة مختلفة وتحاول بناء علاقات متوازنة مع روسيا وتركيا والدول العربية والولايات المتحدة وأوروبا.
تزامنت التحركات الروسية مع خطوات سورية لمتابعة تنفيذ مذكرة التفاهم بين دمشق وموسكو.
في 16 من أيلول الحالي، أجرى رئيس هيئة الأركان العامة في وزارة الدفاع، اللواء علي النعسان، برفقة قادة عسكريين، جولة في مطار حميميم، تلتها اجتماعات مع مسؤولين وقادة روس.
وبعد ذلك، أجرى وزير الخارجية والمغتربين، أسعد الشيباني، برفقة رئيس هيئة الأركان وقادة عسكريين، زيارة إلى مطار اللاذقية، واجتمع مع مسؤولين روس في إطار متابعة سير الخطوات التنفيذية لمذكرة التفاهم.
وتأتي هذه الزيارات بالتوازي مع وصول القافلة البحرية الروسية، لتضع تنفيذ المذكرة أمام اختبار ميداني، يتعلق بكيفية التوفيق بين استمرار الإمداد والتعاون العسكري من جهة، واستعادة الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية وإعادة تعريف طبيعة الوجود الروسي من جهة أخرى.
يرى بريجع أن المرحلة الجديدة ستتأثر كذلك بعلاقات دمشق مع تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وبالنسبة إلى تركيا، سيكون الملف حساسًا في ظل رغبة أنقرة في أن يكون لها دور كبير في إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية السورية، وبالتالي لن يكون العامل الحاسم مجرد وجود الروس، وإنما حجم هذا الوجود ونوعية وظائفه ومدى تأثيره داخل الجيش السوري الجديد.
أما الولايات المتحدة، فستراقب، بحسب بريجع، ما إذا كان الحضور الروسي سيبقى محدودًا ولوجستيًا وتدريبيًا، أم سيعود ليشكل منصة عمليات روسية واسعة في شرق المتوسط.
وبالنسبة إلى الأوروبيين، سيكون الاهتمام مرتبطًا بطبيعة الوجود الروسي وحدوده أكثر من مجرد وجود عسكري روسي في طرطوس أو حميميم.
وأشار الباحث إلى أن سوريا تحاول في هذه المرحلة بناء سياسة تقوم على التوازن بين عدة شركاء، وعدم السماح لأي قوة دولية واحدة باحتكار القرار العسكري السوري.
ويخلص بريجع إلى أن المعادلة الجديدة يمكن اختصارها بالفصل بين السيادة السورية والتعاون التفاوضي، أي أن روسيا تستطيع البقاء في سوريا، ولكن ليس بالضرورة بالشروط نفسها التي كانت موجودة في عهد النظام السابق.
وبهذا المعنى، فإن السؤال لم يعد فقط ماذا تستطيع روسيا أن تفعل انطلاقًا من الأراضي السورية، وإنما بماذا تسمح الدولة السورية لروسيا أن تفعله من أراضيها، وما المقابل الذي تحصل عليه دمشق.
وتبقى القافلة الروسية التي وصلت إلى طرطوس مؤشرًا على استمرار موسكو في الحفاظ على قدراتها اللوجستية والعسكرية في الساحل السوري، لكنها لا تكفي وحدها لحسم شكل الوجود الروسي الجديد.
فالاختبار الفعلي سيكون خلال المرحلة المقبلة، مع بدء تنفيذ بنود مذكرة 9 من آب الماضي، وخصوصًا ما يتعلق بإدارة المنشآت المدنية، وطبيعة عمل المراكز المشتركة، وحجم الوجود العسكري الروسي، وصلاحياته، ومستوى التعاون في الصيانة والتدريب وإعادة تأهيل المعدات والتسليح.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى