
الفنانة ريم علي في مشهد من فيلم "طريق العودة" - 23 أيلول 2026 (عنب بلدي/ أمير حقوق)

الفنانة ريم علي في مشهد من فيلم "طريق العودة" - 23 أيلول 2026 (عنب بلدي/ أمير حقوق)
لم تبدأ حكاية “طريق العودة”من المخيم، بل من الطريق الذي قاد السوريين إليه، ففي العرض الأول والخاص للنسخة السينمائية من السباعية الدرامية “طريق العودة”، مساء الأربعاء 23 من أيلول، في دار “الأوبرا” بدمشق، استعاد الفيلم جانبًا من سنوات الثورة والحرب والنزوح، متنقلًا بين القصف الذي دفع المدنيين إلى مغادرة منازلهم، والحياة داخل المخيمات، وصولًا إلى المعتقلات والعنف الذي رافق تلك المرحلة.
وعلى مدى قرابة ساعتين، لم يقدم الفيلم المخيم باعتباره مساحة للخيام وانتظار المساعدات فقط، بل بوصفه مكانًا نشأت داخله حياة كاملة، بتفاصيلها اليومية وخلافاتها ومخاوفها وعلاقاتها ومحاولات سكانها التمسك بالحياة، إلى جانب أصوات ترفض فكرة البقاء في المخيم أصلًا وتتمسك بالعودة.
الفيلم هو النسخة السينمائية من سباعية “طريق العودة”، التي تتألف من سبع حلقات، وكتبها سليمان عبد العزيز وأخرجها فادي وفائي، بإشراف عام مروان الحسين، وتنتجها المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي.
ويشارك في العمل ريم علي، فراس إبراهيم، نوار بلبل، روزينا لاذقاني، محمد حداقي، جوان خضر، صهيب درويش، ريم كوسا وآخرون.
ينطلق الفيلم من واحدة من أكثر التجارب حضورًا في الذاكرة السورية خلال سنوات الثورة: المدنيون الذين دفعتهم أعمال القصف والعنف إلى ترك منازلهم والبحث عن مكان أكثر أمانًا.
ومن هناك تنتقل الحكاية إلى المخيم، حيث تتقاطع قصص شخصيات مختلفة، لكل منها علاقتها الخاصة بالنزوح والفقدان والعودة.
“طريق العودة” لا يتعامل مع المخيم باعتباره خلفية للأحداث، وإنما يجعله جزءًا أساسيًا من الحكاية، فقد بُني “مخيم الأمل” خصيصًا للعمل من الصفر، بهدف محاكاة تفاصيل البيئة التي عاش فيها النازحون، وهو ما انعكس أيضًا على الممثلين الذين تحدثوا عن ثقل نفسي فرضه المكان واستعاد تجارب عاشها كثير من السوريين.
وفي الفيلم، تظهر هذه البيئة من خلال تفاصيل الحياة اليومية: الخيام، المطر، غرق المخيمات، البحث عن العمل، محاولة تأمين متطلبات الحياة، والعلاقات التي نشأت بين سكان المكان.
لكن العمل لا يقدم جميع النازحين باعتبارهم كتلة واحدة، فداخل المخيم أصوات مختلفة، بينها من يرى فيه واقعًا مؤقتًا لا بد من تجاوزه والعودة إلى البلاد والبيت، وأخرى تحاول التأقلم مع واقع جديد فرضته الحرب.
وهذه النقطة هي التي تنقل الفيلم من مجرد استعراض لمعاناة المخيمات إلى محاولة لرصد الإنسان الذي يعيش داخلها، إلى عكس عودة أهالي المخيمات لبيوتهم بعد التحرير.
من أبرز الشخصيات التي تحمل جانب القوة المتمسكة بمطلب الحرية شخصية “أم نضال”، التي تؤديها الفنانة ريم علي.
الشخصية، بحسب ما تحدثت عنه علي، امرأة فقدت أبناءها، وتعيش تجربة التهجير، لكنها لا تسمح للخسارة بأن تنهي قدرتها على الاستمرار.
وتظهر “أم نضال” كامرأة متقدمة في السن نسبيًا، وهو ما شكّل أيضًا خروجًا عن الصورة التقليدية للبطلة الشابة في الدراما.
وتحدثت علي عن الشخصية لعنب بلدي، بوصفها امرأة تبدو في ظاهرها قوية، لكنها تعرف في داخلها حجم الخسارة التي تعرضت لها، ومع ذلك تتمسك بإيمانها بأنها ستعود يومًا إلى بيتها.
وترى علي أن قوة الشخصية لا تأتي من غياب الألم، بل من قدرتها على الاستمرار رغم هذا الألم، معتبرة أن تجسيد امرأة في الخمسينيات أو الستينيات من عمرها، وأم لشهيد، منحها كممثلة مساحة مختلفة، خصوصًا أن النساء في تلك المرحلة من الحرب والتهجير حملن أدوارًا ومسؤوليات كبيرة داخل عائلاتهن ومجتمعاتهن.
وتتقاطع شخصية “أم نضال” مع أحد الخطوط الأساسية للعمل، وهو حضور أمهات الضحايا والشهداء داخل الحكاية، لا باعتبارهن شخصيات ثانوية، وإنما باعتبارهن جزءًا من الذاكرة التي يحاول الفيلم استعادتها.
إلى جانب “أم نضال”، يفتح الفيلم مساحة لشخصيات تحاول أن تصنع حياة داخل المخيم، بدل أن تبقى أسيرة فكرة المأساة.
وتؤدي الفنانة روزينا لاذقاني شخصية شابة صحفية تدعى “ندى”، تنخرط في مساعدة أهالي المخيم وتوثيق معاناتهم، وهي شخصية تلتقي مع خط آخر في العمل يتعلق بأهمية نقل ما يجري داخل المخيم إلى خارجه.
وقالت لاذقاني لعنب بلدي، إن مشاركتها في “طريق العودة” لم ترتبط بالنسبة إليها بالجانب الفني وحده، وإنما بقيمة العمل ورسالته الإنسانية، معتبرة أن قضية المخيمات لا تزال حاضرة في حياة السوريين الذين يعيشون فيها حتى اليوم.
وتلتقي رؤيتها مع حديث المؤسسة عن رغبتها في نقل الحياة داخل المخيمات بتفاصيلها الإنسانية والمعيشية، بينما وصف ممثلون العمل بأنه محاولة لحفظ جزء من ذاكرة السوريين الذين عاشوا النزوح.
وفي هذا السياق، لا يتوقف الفيلم عند صور الفقر والقسوة، بل يمر على محاولات الناس العمل وتأمين حاجاتهم، وعلى علاقاتهم ببعضهم، وعلى قدرتهم على صناعة لحظات بسيطة داخل ظروف استثنائية.
ويظهر هذا الجانب أيضًا من خلال شخصيات أخرى في السباعية، بينها “هبة” التي تؤديها ريم كوسا، وهي طالبة تمريض تساعد الأهالي طبيًا في ظل غياب الأطباء.
لا يحصر “طريق العودة” أثر الحرب في القصف والنزوح، فمع تطور الحكايات، ينتقل الفيلم إلى وجه آخر من التجربة السورية، يتمثل في الاعتقال والتعذيب، مع تركيز على معاناة النساء داخل المعتقلات، ويقدم ضمن مساره الدرامي شخصية نافذة في جيش النظام السابق مرتبطة باستثمار ملف المعتقلين وتحويله إلى وسيلة للابتزاز والمال.
كما ينتقل العمل إلى المواجهة المسلحة بين “الجيش الحر” وقوات النظام السابق، بما يوسع مساحة الحكاية من حياة المدنيين في المخيم إلى الظروف التي دفعتهم أصلًا إلى الوصول إليه.
وهنا يصبح النزوح في الفيلم نتيجة لمسار أطول من الأحداث، وليس حدثًا منفصلًا عنها: قصف، فقدان، اعتقال، قتال، ثم خروج من المكان والاستقرار في المخيم.
هذه المسارات المتعددة تفسر أيضًا حديث الفنان فراس إبراهيم عن صعوبة اختزال سنوات طويلة من التجربة السورية في عمل واحد.
ويؤدي إبراهيم شخصية شيخ المخيم، الذي يحاول جمع الناس والتعامل مع مشكلاتهم اليومية، بعيدًا عن صورة الشيخ التقليدية.
ويرى إبراهيم في حديثه مع عنب بلدي، أن العمل لا يستطيع اختزال تجربة امتدت سنوات، لأن كل شخص عاشها من زاوية مختلفة، ولذلك اختار العمل مجموعة من الشخصيات والقصص التي تتقاطع داخل المكان نفسه.
كما شدد على أهمية أن تدخل الدراما إلى هذه المرحلة من دون أن تتحول مواقف الفنانين الشخصية إلى مواقف الشخصيات التي يؤدونها، مشيرًا إلى ضرورة أن يكون الممثل قادرًا على رؤية الحالة من أكثر من زاوية.
ووصف إبراهيم ظروف التصوير في المخيم بأنها قاسية، متسائلًا عن حجم المعاناة التي عاشها من بقي في هذه الظروف سنوات طويلة، بعدما واجه فريق العمل نفسه البرد والمطر والعيش داخل الخيام خلال فترة التصوير.
أهمية “طريق العودة” لا تتوقف عند موضوعه، بل ترتبط أيضًا بالطريقة التي وصل بها إلى الشاشة، فعدد من المشاركين في العمل عاشوا تجربة النزوح أو عايشوا آثارها بصورة مباشرة، ومن بينهم الفنان المشارك بالفيلم صهيب درويش، الذي تحدث عن تهجيره من الغوطة الشرقية وإقامته في مخيمات إدلب، معتبرًا أن مشاركته في العمل أعادته إلى ذاكرة شخصية عاشها فعلًا.
وفي حواره مع عنب بلدي، رأى درويش أن معاناة السوريين أكبر من أن تختزل في فيلم أو مسلسل واحد، وأن ما عاشه السوريون خلال سنوات الثورة والحرب يحتاج إلى أعمال متعددة تستعيد جوانبه المختلفة.
أما فراس إبراهيم، فربط أهمية العمل بضرورة رواية الحكاية السورية بصورة مختلفة عما قدمته سردية النظام السابق، مع التشديد على أن تكون الدراما قادرة على التعامل مع المرحلة من دون أن تتحول إلى مساحة للحقد.
وبهذا المعنى، لا ينتهي “طريق العودة” عند سؤال العودة إلى البيت، فالطريق الذي يرسمه الفيلم يبدأ من المكان الذي خرج منه السوريون، ويمر بالقصف والفقدان والنزوح والمخيم والمعتقل والقتال، قبل أن يصل إلى السؤال الأوسع: كيف يمكن تحويل كل هذه التجارب المتفرقة إلى ذاكرة محفوظة في الدراما؟
“طريق العودة” بهذا الشكل لا يقدم حكاية مخيم واحد بقدر ما يجمع نماذج من حكايات السوريين الذين خرجوا من بيوتهم، وحاولوا أن يعيشوا في مكان لم يختاروه، فيما ظل اسم العمل نفسه يختصر السؤال الذي رافق كثيرين منهم طوال سنوات: متى تكون العودة ممكنة، وإلى أي مكان تعود الذاكرة قبل أن تعود الأجساد؟
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى