
انطلاق أعمال إعادة التأهيل الأولية في مطار المزة- 23 أيلول 2026 (الهيئة العامة للطيران المدني السوري)

انطلاق أعمال إعادة التأهيل الأولية في مطار المزة- 23 أيلول 2026 (الهيئة العامة للطيران المدني السوري)
يثير احتمال وجود مقابر جماعية في مطار المزة العسكري، في دمشق، انتقادات بشأن أعمال تأهيل المطار لتحويله إلى منشأة مدنية، وسط انتقادات حقوقية رافضة لهذا المسار.
وطرح بدء الأعمال العديد من التساؤلات حول كيفية التعامل مع موقع يرتبط بملفات المفقودين والانتهاكات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية، ولا سيما مع وجود ادعاءات وشهادات عن نقاط يشتبه بوجود مقابر جماعية أو رفات بشرية فيها.
ويبرز في هذا السياق مدى قدرة الإجراءات المتخذة على حماية هذه المواقع، وضمان عدم المساس بالأدلة المرتبطة بملف المفقودين.
وأعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين، مساء اليوم الخميس 24 من أيلول، أن فرقها ستتعامل مع أربع مواقع في مطار المزة يشتبه بوجود رفات أو مقابر ضمنها.
وأشارت الهيئة، بحسب ما نقلت قناة “الإخبارية” الرسمية، إلى اتفاقها مع الهيئة العامة للطيران المدني السوري على عدم إجراء أي أعمال ضمن هذه المواقع، وتوقيف العمل داخل أي موقع آخر يشتبه بوجود رفات فيه.
تشير إفادات وشهادات تم جمعها خلال تحقيقات سابقة إلى وجود نقاط داخل مطار المزة ترتبط بوجود مقابر جماعية، وسط دعوات إلى التحقق منها وحمايتها قبل استمرار أعمال التأهيل في الموقع.
وعرف المطار خلال سنوات الثورة بأنه من أبرز معاقل المخابرات الجوية، التي كانت مسؤولة عن آلاف حالات الاعتقال، خاصة من المناطق المحيطة كمعضمية الشام وداريا والمزة، كما كان معتقلون من محافظات أخرى ينقلون إليه.
وقال مدير رابطة “معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا”، دياب سرية، لعنب بلدي، إن تحديد النقاط التي يُشتبه بوجود مقابر جماعية فيها داخل مطار المزة استند إلى تحقيق أجرته الرابطة بالتعاون مع “المركز السوري للعدالة والمساءلة” عام 2024، ونشره المركز بعد سقوط النظام.
وأوضح سرية أن التحقيق تضمن شهادات لعاملين سابقين في المخابرات الجوية ومطار المزة، حددوا من خلالها نقاطًا يُشتبه بوجود مقابر جماعية فيها، إلى جانب شهادات مطولة لعناصر وضباط سابقين خدموا في المطار.
هذه المعطيات والشهادات قادت إلى تحديد ثلاث مقابر جماعية رئيسية يُشتبه بوجودها في الموقع، مشيرًا إلى أن الرابطة تواصلت مع الهيئة الوطنية للمفقودين بشأن الملف.
ووصف سرية الوضع بأنه “مزرٍ جدًا”، وقال إن هناك أشخاصًا مدفونون في الموقع، معتبرًا بأن لا يجوز أن يستمر الأمر على هذا النحو، في ظل عدم تحرك أو تفاعل حكومي، بحسب تعبيره.
وقال مدير مبادرة “تعافي” الباحث في العدالة الانتقالية، أحمد حلمي، في حديث إلى عنب بلدي، إن مجرد وجود افتراض بوجود مقابر جماعية أو رفات بشرية في موقع ما يستدعي، من الناحية الحقوقية والقانونية، أن تعلن الهيئة الوطنية للمفقودين ولايتها على المساحات محل الاشتباه، وأن تعمل على حمايتها وتجميد أي أعمال فيها إلى حين التحقق من هذه الادعاءات.
وأوضح حلمي أن التحقق من وجود مقابر جماعية أو رفات بشرية يتم من خلال استخدام أجهزة لمسح التربة والكشف عنها، ورادارات تخترق التربة، ثم أخذ عينات وإجراء عمليات حفر محدودة، ودراسة طبقات التربة في المناطق التي يشتبه بوجود مقابر فيها.
وأضاف أن الحماية يفترض أن تتركز على المساحات التي توجد فيها مؤشرات أو شكوك بوجود مقابر جماعية، وليس بالضرورة كامل الموقع.
كما أن التعامل مع موقع مطار المزة لا يقتصر على المساحات التي يُشتبه بوجود مقابر جماعية فيها، إذ إن المطار، باعتباره موقعًا ومؤسسة، مرتبط بذاكرة السوريين بما شهدته البلاد من قتل وتعذيب وقصف، بما في ذلك القصف الذي طال دمشق وريفها واستخدام الأسلحة الكيميائية، وفقًا لحلمي.
وبحسب حلمي، لا ينبغي العبث بالموقع قبل انتهاء التحقيقات ذات الصلة، موضحًا أن التعامل معه لا يقتصر على الجانب الجنائي، وإنما يرتبط أيضًا بحفظ الذاكرة.
التعامل مع الموقع يجب أن يتم بالتشاور أو بتوجيه من الجهات المعنية بحفظ الذاكرة والعدالة الانتقالية، ومن الفرق المختصة بحفظ الذاكرة وضمانات عدم التكرار، باعتبار أن تخليد ذاكرة هذه الأماكن وإبقائها شاهدة على ما جرى فيها يمثل جزءًا من ضمانات عدم التكرار، بما يتيح للأجيال المقبلة زيارتها والتعرف إلى قصصها وحجم المأساة التي شهدتها.
يثير دخول الآليات وبدء أعمال الحفر مخاوف من تغيير معالم الموقع أو إتلاف أدلة قد تكون ضرورية في عمليات البحث عن المفقودين وتوثيق الانتهاكات المرتبطة به.
ويرى حلمي أن مجرد دخول الهيئة الوطنية للطيران المدني إلى الموقع والبدء بأعمال فيه يمكن أن يؤدي إلى تشويه للموقع، موضحًا أن النقاش لا يتعلق بإعادة تأهيل مطار ذي أهمية كبيرة للبنية التحتية السورية، أو البنية الاجتماعية أو بنية العدالة السورية، وإنما بتحويل الموقع إلى منشأة ثانوية مخصصة للطيران الخاص ورجال الأعمال والدبلوماسيين.
وأضاف أن دخول الآليات إلى الموقع وبدء أعمال إعادة التأهيل قد يؤدي إلى تلويث أو تغيير مسرح الجريمة ومحو أجزاء من ذاكرته، حتى في حال وجود رقابة وبروتوكولات لحمايته، مشيرًا إلى أن هذه الإجراءات تتطلب إمكانيات واجهزة غير متوفرة في الوقت الحالي في سوريا.
ولا ينبغي أن تبدأ الدولة أعمال إعادة تأهيل المطار قبل وضع إجراءات قانونية وفنية واضحة تضمن الحفاظ على الأدلة وعدم تغيير سياقها.
وأضاف الخبير الحقوقي أنه، في حال كان لا بد من تنفيذ الأعمال، فيجب أن ترافقها مراقبة دورية ومستمرة للموقع، لأن العامل الذي يستخدم جرافة أو آلية ثقيلة لن يكون قادرًا بالضرورة على ملاحظة الأدلة.
ولفت إلى أن عمليات البحث عن المفقودين واستخراج الرفات من المقابر الجماعية تخضع لبروتوكولات محددة، ولا تعتمد على الحفر بالآليات الثقيلة في كامل الموقع.
ووفقًا لحلمي، فإن الآليات يمكن استخدامها فقط لإزالة طبقات التربة السطحية التي يثبت مسبقًا أنها خالية من الأدلة والرفات وبسماكة محددة، بينما تُستكمل عمليات الحفر في الطبقات الأخرى يدويًا وباستخدام أدوات حساسة، على غرار الأساليب المستخدمة في عمليات التنقيب الأثري.
وكانت الهيئة العامة للطيران المدني السوري أعلنت، في 23 من أيلول الحالي، انطلاق أعمال إعادة التأهيل الأولية في مطار المزة، تمهيدًا لإعادة تصنيفه من منشأة ذات استخدام عسكري إلى مطار مدني محدود ومتخصص بالطيران الخاص والطيران التنفيذي، ليكون مكملًا لمطار دمشق الدولي.
وقالت الهيئة أن المرحلة الحالية، تتضمن إزالة الركام وتأهيل بعض مكونات البنية التحتية المرتبطة بالملاحة الجوية، بالتوازي مع استكمال المتطلبات الفنية والتشغيلية والتنظيمية اللازمة لإعادة تصنيف المطار وتأهيله للاستخدام المدني.
وبحسب الهيئة، تنفذ الأعمال بالتنسيق مع المؤسسات الوطنية المعنية، وبالتعاون مع الهيئة الوطنية للمفقودين، مع مراعاة المواقع التي يُشتبه بوجود مقابر جماعية أو رفات بشرية فيها، والتعامل معها وفق الأصول والإجراءات المعتمدة، بما يحفظ الأدلة والرفات ويصون حقوق وكرامة الضحايا.
وفق تحقيق “رابطة معتقلي صيدنايا” و”المركز السوري للعدالة والمساءلة”، فإن مطار المزة العسكري يعد جزءًا لا يتجزأ من منظومة الإخفاء القسري التي وسعتها حكومة الأسد بعد عام 2011، إذ يُرجَّح أن أكثر من 28 ألف رجل وامرأة وطفل اعتُقلوا في المطار خلال النزاع.
كانت وفاة المعتقلين في سجن المزة أمرًا معتادًا، إذ ورد أن ما لا يقل عن ألف معتقل ماتوا بسبب التعذيب وظروف المعيشة السيئة في الاعتقال، ويرجح أن المئات إن لم يكن الآلاف قد أُعدموا في المطار.
ويحتمل أن لسبعة مقابر على الأقل صلة بمطار المزة العسكري، وحدد التحقيق الفترات الزمنية التي يرجح أن ثلاثة منها استُخدمت لدفن المعتقلين في المزة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى