
محاضرة للكاتب خالد غطاس في دار الأوبرا بدمشق - 22 أيلول 2026 (وزارة الثقافة السورية)

محاضرة للكاتب خالد غطاس في دار الأوبرا بدمشق - 22 أيلول 2026 (وزارة الثقافة السورية)
عنب بلدي – أمير حقوق
تتداخل في المشهد الثقافي السوري اليوم أدوار جهات ومؤسسات وتجارب مختلفة، من وزارة الثقافة والمؤسسات التابعة لها، إلى المبادرات المستقلة والفنانين والباحثين والمنظمات المهتمة بالمجال الثقافي.
ومع اختلاف طبيعة هذه الجهات وطرق عملها، تتعدد أيضًا التصورات حول الأولويات وآليات إدارة المجال الثقافي، والعلاقة بين المؤسسات الرسمية والفاعلين المستقلين.
ويأتي ذلك في مرحلة تشهد إعادة بحث في أدوار المؤسسات والعلاقة بينها وبين المجتمع والجهات المستقلة، ما يفتح النقاش حول شكل المشهد الثقافي الذي يتبلور حاليًا، والجهات المشاركة في صياغته، والأسس التي يمكن أن تنظم هذه العلاقة.
يعتبر فاعلون بالحقل الثقافي أن فهم المشهد الثقافي يبدأ من الاعتراف بتعدده الجغرافي والمؤسسي، إذ إن ما يظهر في دمشق لا يمثل بالضرورة مجمل النشاط الثقافي في سوريا، ولا يمكن لجهة واحدة أن تحيط بكل التجارب والفاعلين.
وترى الشريكة المؤسسة ومديرة البرامج في مؤسسة “خزّان” الثقافية، روان تكريتي، أن الساحة الثقافية السورية واسعة ومتنوعة، وأن ما يصل إلى الفاعلين في دمشق لا يعكس بالضرورة ما يحدث في بقية المناطق، في ظل وجود تجارب وفاعلين في محافظات ومناطق مختلفة.
لكن هذا التعدد، بحسب تكريتي، لا يلغي الدور الأساسي لوزارة الثقافة في تحديد الإطار العام للمشهد، إذ لا يقتصر دورها على تنظيم الفعاليات، وإنما يمتد إلى منح الفاعلين الثقافيين نوعًا من الاعتراف والرمزية، والتأثير في شكل الحياة الثقافية من خلال طريقة تعاملها مع المجتمع والفنون.
بدورها، مديرة البرامج في “المركز السوري لبحوث السياسات”، شيرين سعيد، أوضحت أن الثقافة لا تنفصل عن المجتمع، وأن السياسة الثقافية تؤثر في طريقة تشكل الانتماء والتماسك الاجتماعي، وبالتالي فإن شكل المشهد الثقافي يرتبط بما يُتاح من مساحات للتعبير والمشاركة.
لا يرتبط دور وزارة الثقافة بحجم النشاط الذي تنتجه فقط، بل بقدرتها على تحديد الاتجاه العام الذي يتحرك ضمنه القطاع الثقافي، وهو ما يجعل طبيعة علاقتها ببقية الفاعلين جزءًا من السؤال عن شكل المشهد نفسه.
قالت تكريتي، إن الوزارة تظل الجهة الأساسية المسؤولة عن المجال الثقافي العام، خصوصًا أن البنية التنظيمية والمؤسساتية التي كانت قائمة قبل سقوط نظام الأسد لا تزال حاضرة إلى حد كبير، بحسب تعبيرها، ومن هنا، فإن طريقة إدارة الوزارة للمشهد ستؤثر في شكل العلاقة مع القطاع الثقافي المستقل والمجتمع المدني.
وطرحت سعيد من زاوية أخرى أن غياب سياسة ثقافية معلنة لا يعني بالضرورة غياب السياسات، إذ يمكن أن توجد اتجاهات أو ممارسات غير معلنة تؤثر في المجال الثقافي، من دون أن تكون واضحة للفاعلين.
ولذلك، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بمن يدير المؤسسات، بل بمن يحدد الأولويات والاتجاهات التي تتحرك وفقها الثقافة السورية.
لا يتعلق رسم المشهد الثقافي فقط بتحديد الجهات التي تشارك فيه، وإنما أيضًا بالمضمون الذي يفترض أن يحمله، وبكيفية التعامل مع تاريخ سوريا وتنوعها وهوياتها وتجارب مجتمعاتها المختلفة.
وأشارت شيرين سعيد، مديرة البرامج في “المركز السوري لبحوث السياسات”، إلى أن الثقافة تؤدي دورًا في تشكيل الإحساس بالانتماء والتماسك الاجتماعي، وأن ترك هذا المجال من دون إطار واضح “قد يفتح المجال أمام تنافس هويات مختلفة أو هيمنة سردية على أخرى”.
لذلك، فإن بناء المشهد الثقافي يحتاج إلى تصور يستوعب التعدد ويضع المواطنة والحقوق المتساوية ضمن الإطار الجامع، بحسب سعيد.
وتربط ذلك أيضًا بطريقة إنتاج الحكاية السورية، إذ ترى أن الثقافة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد مادة للاستهلاك أو الترفيه، بل يجب أن تتيح للسوريين رواية قصصهم وتجاربهم، بما يعكس تنوع المجتمع وتاريخه.
ومن هذا المنطلق، لا يتعلق بناء المشهد الثقافي بإتاحة حرية النشاط فقط، وإنما بإيجاد توازن يحفظ التعدد، ويمنع اختزال الثقافة في اتجاه واحد، ويحافظ في الوقت نفسه على التاريخ والهوية الثقافية السورية بوصفهما جزءًا من المجال العام.
بناء المشهد الثقافي يحتاج إلى تصور يستوعب التعدد ويضع المواطنة والحقوق المتساوية ضمن الإطار الجامع.
شيرين سعيد
مديرة البرامج في “المركز السوري لبحوث السياسات”
تتجاوز الحاجة الحالية توفير الدعم للفعاليات إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الوزارة والمشهد الثقافي الأوسع، بحيث تكون الأدوار والمسؤوليات وآليات التعاون أكثر وضوحًا.
الشريكة المؤسسة ومديرة البرامج في مؤسسة “خزّان” الثقافية، روان تكريتي، قالت إن الحاجة تكمن في سياسة ثقافية تمتد لعدة سنوات، تحدد الأهداف والموارد وآليات التمويل، وتوضح كيف يمكن للقطاع المستقل والمجتمع المدني المشاركة فيها.
كما ترى أن الوزارة قادرة على لعب دور في بناء الحوكمة الثقافية التشاركية، بدل أن تبقى العلاقة مع المبادرات قائمة على التواصل الظرفي أو المرتبط بكل فعالية على حدة.
وتشمل هذه الحاجة أيضًا الجانب الإداري والتنظيمي، فوجود سياسة واضحة يفترض أن يرافقه وضوح في آليات العمل، واختصاصات المؤسسات، ومعايير التعاون مع الجهات الثقافية، وكيفية الوصول إلى الموارد والمساحات، ومن يملك صلاحية اتخاذ القرار، ويتيح ذلك للفاعلين معرفة موقعهم من المشهد بدل العمل وفق آليات غير واضحة.
المشهد الثقافي بحاجة إلى سياسة تحدد الأهداف والموارد وآليات التمويل، وتوضح كيف يمكن للقطاع المستقل والمجتمع المدني المشاركة فيها.
روان تكريتي
مديرة البرامج في مؤسسة “خزّان” الثقافية
وفي المقابل، ترى مديرة البرامج في “المركز السوري لبحوث السياسات”، شيرين سعيد، أن أي سياسة ثقافية تحتاج إلى الانطلاق من المجتمع نفسه، عبر التشاور مع الفاعلين والجمهور، وتحديد ما تحتاج إليه الثقافة السورية في هذه المرحلة، بما في ذلك طريقة التعامل مع الهوية والتاريخ والتنوع الاجتماعي والثقافي.
ولا يعني بناء سياسة ثقافية، وفق هذه الرؤية، فرض اتجاه واحد على المشهد، كما لا يعني تركه من دون إطار، فالمطلوب هو صياغة مساحة تسمح بالتعدد والاختلاف، مع وجود قواعد واضحة تضمن المساواة في الوصول إلى المجال الثقافي، وتحدد دور الوزارة بوصفها جهة تنظيمية وداعمة، لا جهة تختزل المشهد كله.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى