لا أريد رجل أمن جيدًا
أحمد عسيلي
في 17 من أيلول الحالي، وقف عدد من السوريين أمام مبنى مجلس الشعب في دمشق، حاملين لافتات تحتج على غلاء الأسعار وارتفاع أسعار المحروقات وتدهور الظروف المعيشية، ومعهم كل الحق في ذلك. لم تكن الوقفة كبيرة، لكنها انتهت بتوقيف أربعة من المشاركين فيها، قبل أن يُفرج عنهم لاحقًا، وقد أكدت عدة مصادر وقوع التوقيف والإفراج، من دون الإعلان عن توجيه اتهامات قانونية إليهم.
سأعتمد في تحليل ما جرى من توقيف واعتقال على شهادة أحد المشاركين كما كتبها بنفسه في صفحته على “فيسبوك”. بحسب شهادته، كان عدد من المشاركين يجلسون بعد الوقفة في أحد المقاهي بوسط دمشق، عندما حضر بعض الأشخاص بلباس مدني، وطلبوا من بعض الشباب والسيدات مرافقتهم للقاء مسؤول أمني في أحد المقار، انتظروا هناك بعض الوقت، ثم جاء شخص ناقشهم في قانونية الوقفة، وانتهى الأمر بتوقيعهم على تعهد بعدم تكرارها، ثم عادوا إلى بيوتهم.
في هذه القصة جانب إيجابي ينبغي ألا نتجاهله، نحن السوريين نعرف من أين أتينا، ونعرف طبيعة النظام الذي حكمنا لعقود، وما كان يمكن أن يعنيه توقيف أمني في ذلك الزمن، لذلك فإن النقاش مع المحتجين ثم عودتهم إلى بيوتهم أمر مختلف بالتأكيد عما عرفناه سابقًا.
لكن الاعتراف بهذا الاختلاف لا ينبغي أن يمنعنا من رؤية المشكلة الأخرى.
إذا صحت الشهادة كما رواها صاحبها (وأعتقد أنها صحيحة تمامًا)، فلم يكن هناك استدعاء رسمي مكتوب، ولا موعد محدد سلفًا، ولا سبب موضح للاستدعاء، بل أشخاص يطلبون من مواطنين جالسين في مقهى أن يرافقوهم للقاء مسؤول أمني.
نحن لا نعيش في قرية أو حي، حيث يأتي شخص ليقول لك: “تعال، فلان يريد أن يراك”، نحن نحاول بناء دولة، والدولة تستلزم سلوك دولة: من يستدعي؟ وبأي صفة؟ ولماذا؟ وإلى أين؟ وبأي سند؟ وما حقوق الشخص المستدعى؟
ولدي تحديدًا مع هذا السؤال ذكرى شخصية.
في عام 2012 على ما أذكر، كنت خارجًا ليلًا مع صديق من مقهى “الحجاز” في دمشق، أوقفنا عنصران من الأمن، بلباس مدني أيضًا، واقتادانا إلى مكان قريب، أعتقد أنه كان في “الباركينغ” التابع للمحكمة القريبة من المقهى. كانت هناك حافلة فيها مجموعة من الشبان، وكان واضحًا أن عمليات توقيف تجري في المنطقة، عرفت لاحقًا أن مظاهرة سريعة كانت قد حدثت قريبًا من ذاك المكان في ذلك الوقت.
سألني العنصر بعض الأسئلة عن أصولي ومهنتي ومكان سكني، ثم نظر إلي، ونظر إلى صديقي، وفكر قليلًا، وقرر أن يتركنا نذهب.
إلى اليوم لا أعرف لماذا لم يأخذنا مع هؤلاء الشباب؟
عدت تلك الليلة إلى بيتي، وعاد صديقي إلى بيته، لكن ما بقي في ذاكرتي ليس فقط الخوف، بل عبثية المسألة كلها: عدت إلى بيتي لأن رجلًا قرر أن أعود إليه، وكان يستطيع أن يتخذ قرارًا آخر، فأمضي ليلتي تلك، أو عدة أشهر أو سنوات أو ربما حياتي كلها في زنزانة ما، وكم سمعنا عن اعتقالات عشوائية لأشخاص دون أي سبب محدد.
هنا يمكن لعلم النفس السلوكي أن يساعدنا قليلًا، فنحن عندما ندرس السلوك لا نسأل دائمًا إن كان الإنسان طيبًا أم شريرًا، بل ننظر أيضًا إلى البيئة التي يحدث فيها السلوك، والقواعد التي تنظمه، والنتائج المترتبة عليه.
ومثال ذلك إشارة “قف” في الشارع، الإشارة لا تمسك بقدم السائق ولا تربطها بدواسة الفرامل، ودرجة التزام السائق بها تعتمد بشكل كبير على الدولة والمجتمع الذي يعيش فيه.
وفي المستشفى نفعل الشيء نفسه، نحن لا نحمي المريض بالقول إن الطبيب إنسان جيد ولن يؤذيه، الطبيب يوثق ما فعله، والممرض يقرأ الوصفة وينفذ العلاج ويراقب المريض، والصيدلي يراجع الدواء والجرعة، هناك أكثر من عين وأكثر من خطوة وأكثر من خط دفاع، ليس لأن الطبيب سيئ، بل لأن الإنسان، حتى مع أفضل النيات، يمكن أن يخطئ.
الفعل المؤسساتي هو الذي يحمي الإنسان، وليس حسن النية وحده.
وهذا ما نحتاج إليه أيضًا في المؤسسات التي تمتلك سلطة على حرية الناس، لا يكفي أن يكون المسؤول الأمني محترمًا، وأن يناقش المحتج بهدوء، وأن يسمح له في النهاية بالعودة إلى بيته، المطلوب أن تكون صلاحياته نفسها محددة، وأن تكون الإجراءات موثقة، بحيث لا يصبح مصير المواطن متعلقًا بمزاج شخص أو تقديره أو حسن نيته، كما كان مصيري أنا وصديقي.
هناك خطر نفسي آخر علينا نحن أيضًا، فبعد عقود من الخوف، قد نشعر بالامتنان عندما يعاملنا رجل الأمن جيدًا، نقول: لقد تحدث معنا باحترام وأعادنا إلى بيوتنا، وهذا مفهوم إنسانيًا، لكنه قد يصبح خطيرًا إذا جعلنا ننسى السؤال الأصلي: هل كان الإجراء نفسه سليمًا؟
نحن لا نريد استبدال رجل أمن لطيف برجل أمن قاسٍ فحسب، نريد الانتقال من سلطة الأشخاص إلى سلطة المؤسسة، ومن الامتنان إلى الحق.
لا أريد رجل أمن جيدًا يسمح لي بالعودة إلى بيتي، أريد مؤسسة لا تجعل عودتي إلى بيتي متوقفة على قرار منه.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :



