تعا تفرج
الانتخابات الألمانية واللاجئ السوري
خطيب بدلة
أنت كذاب.. كيف تقول إن ما حصل في سوريا، خلال 14 سنة، كان حربًا أهلية؟ يا رجل، احترم اسمك، وتاريخك، واحترم عقولنا: لقد كانت ثورة شعبية، نزل خلالها الشعب السوري بكل مكوناته وشرائحه إلى الساحات، مطالبًا بالحرية والعدالة والكرامة.
هذه العبارة نوع، أو نمط، من الخطابة الإنشائية، التي تعثر عليها، حيثما تلفتَّ، في الفضاء المشترك العام السوري.
ما يجعلني أتوقف عندها، الآن، كثرة الصياح، والتشكي، والتظلم، والولاويل التي ترافقت مع الانتخابات البرلمانية الألمانية. أسفرت هذه الانتخابات عن صعود الحزب اليميني (AFD) في بعض المقاطعات، وخسارة الحزب الذي يقوده المستشار ميرتس، لمصلحة حزب اليسار، والسبب الرئيسي للصياح، هو الخوف من الترحيل، باعتبار أن الحزب اليميني جعل من ترحيل الأجانب، وفي مقدمتهم السوريون، شعارًا انتخابيًا رئيسيًا.
تعال نترك الانتخابات الألمانية جانبًا، ونتوقف عند السؤال الأهم، وهو: لماذا يصاب اللاجئون السوريون بالذعر، عندما تذكر كلمة “ترحيل”؟ الجواب: لأن ما حصل، بعدما تسلحت الثورة، وتأسلمت، اعتبارًا من سنة 2012، وحتى وصول الجماعات الجهادية للسلطة، كان حربًا أهلية، وهؤلاء السوريون، لم يهربوا من بطش نظام بشار الأسد فقط، بل هربوا من جحيم الحرب الأهلية، لأن الأمور، يا سيدي، لا تستقيم مع الإفراط في إطلاق الخطابات الإنشائية، بل يجدر بنا أن نخضعها للعقل والمنطق، فلو أنهم لجؤوا إلى هنا، هربًا من نظام الأسد، لهرولوا، إلى سوريا، بعد 8 من كانون الأول 2024، زرافات ووحدانًا، باعتبار أن سبب هروبهم قد زال.
صعود الحزب اليميني في ألمانيا له سببان، أحدهما هو موقف الحزب الصارم من تدفق اللاجئين الأجانب، ودعوته لترحيل القسم الأكبر منهم، والثاني، وهو الأهم، اقتصادي، له علاقة بالحرب على إيران، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة، الذي ترافق مع ارتفاع أسعار مختلف السلع، والبضائع، وقد نتج الارتفاع، أساسًا، عن الحرب الروسية-الأوكرانية، فالحزب اليميني يحتج على الحكومة، بسبب توقفها عن استيراد الغاز الروسي، منذ سنة 2022، وإنفاقها الكثير من الأموال على هذه الحرب.
يقوم التناقض الموجود في شخصية اللاجئ السوري على عاملين، أولهما عاطفي، والثاني اقتصادي، أو معيشي، فهذا اللاجئ يتعاطف مع حكومة الأمر الواقع السورية، من منطلق طائفي، ويتمنى لها الخير، ويدافع عنها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وإذا لزم الأمر، يشترك في مظاهرات تأييد لها، ولكن العامل الاقتصادي، المعيشي، يجعله يتمسك باللجوء، في هذه البلاد العلمانية، الديمقراطية، التي يقوم نظامها على القانون، والحريات، واحترام حقوق الناس الموجودين على أرضها، بغض النظر عن دينهم، ولون بشرتهم.
لدي فكرة أخرى، أراها بالغة الأهمية، يمكنني أن ألخصها بكلمة واحدة، هي: التزوير. ثقافتنا، نحن السوريين، مزورة، أو لنقل: مزيفة، الأمر الذي يجعلنا نشعر بالفخر، والزهو، ويدقنا الحماس، لندبك على أنغام “ارفع راسك فوق أنت سوري حر”، بينما نحن، في الواقع، مشردون، خائفون، مهددون بالترحيل، نقرأ ونشاهد أخبار الفزعات، والمشاجرات، والانفجارات التي تجري، يوميًا، في سوريا، فنخاف، إلى حد الهلع، من فكرة العودة إلى سوريا التي نغني وندبك لها!
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :




