“هيومن رايتس ووتش”: إعادة إعمار سوريا تفتقر إلى إطار حقوقي يحمي المتضررين

camera iconصورة جوية ترصد حجم الدمار في حي جوبر بدمشق – 13 كانون الثاني 2026 (جوبر الآن)

tag icon ع ع ع

قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن الحكومة السورية توقّع صفقات لإعادة الإعمار بمليارات الدولارات، في وقت لا تزال الأطر القانونية الناظمة للعملية تفتقر إلى ضمانات تكفل مشاركة المجتمعات المتضررة وحماية حقوقها في السكن والأراضي والملكية.

وأضافت المنظمة، في تقرير نشرته اليوم الأحد 27 من أيلول، أن الحكومة والمانحين والمستثمرين ينبغي أن يضمنوا أن تخدم مشاريع إعادة الإعمار المجتمعات المحلية، وأن تتضمن العملية آليات واضحة للتشاور والتعويض والطعن في القرارات المرتبطة بالمنازل والأراضي.

وكشفت الحكومة السورية في آذار 2026 عن مخطط وطني للتعافي، أعقبته تعهدات دولية بمليارات الدولارات للمساعدات والتمويل والاستثمار. إلا أن القوانين الناظمة لإعادة الإعمار، بحسب المنظمة، لا تلزم الحكومة أو المطورين بالتشاور مع المجتمعات المتضررة، بما فيها التي ما تزال في حالة نزوح، قبل الموافقة على المشاريع.

وترى “هيومن رايتس ووتش” أن عملية إعادة الإعمار ينبغي أن تتضمن التفاوض على شروط التعويض بدل فرضها، إلى جانب توفير آلية مستقلة تمكّن السكان من الاعتراض على القرارات المتعلقة بمنازلهم وأراضيهم.

وقالت هبة زيادين، المستشارة الأولى لشؤون الشرق الأوسط في المنظمة، إن إعادة إعمار سوريا تتقدم ببطء، لكنها قد تضر بحقوق عدد كبير من السوريين في ظل غياب إطار حقوقي، مشيرة إلى أن الإطار القانوني الجاري استكماله سيحدد مستقبلاً كيفية إعادة بناء المنازل، والمطالبات التي سيُعترف بها، والأصوات التي سيجري الاستماع إليها.

مليارات لإعادة الإعمار

راجعت “هيومن رايتس ووتش” بيانات ووثائق حكومية سورية، بينها تصريحات للرئيس أحمد الشرع بشأن إعادة الإعمار، والإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025، إضافة إلى تقارير صادرة عن البنك الدولي ولجنة الإنقاذ الدولية والمنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وغيرها.

وبحسب التقرير، يعود السوريون إلى مناطق تفتقر في بعض الحالات إلى المنازل والخدمات الأساسية، بينما ما تزال قضايا السكن والأراضي والملكية العائدة إلى عهد النظام السابق دون حل، وتطلق مشاريع إعادة الإعمار من دون مشاركة كافية للسكان المتضررين.

ويأتي ذلك في بلد تقدر فيه تكلفة إعادة الإعمار بمبالغ ضخمة، إذ قدّر البنك الدولي، في تشرين الأول 2025، الأضرار المادية بنحو 108 مليارات دولار، بينما قدر متوسط تكاليف إعادة الإعمار بـ216 مليار دولار، ضمن نطاق إجمالي يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.

وأشار التقرير إلى أن الحكومة السورية تحركت لجذب الاستثمارات، بالتزامن مع استعادة العلاقات الدبلوماسية وتدفق رؤوس الأموال الأجنبية بعد رفع الولايات المتحدة ودول أوروبية العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا.

وتعهدت السعودية باستثمارات بقيمة 6.4 مليارات دولار في قطاعات العقارات والبنية التحتية والاتصالات والطاقة، بينما التزمت قطر بـ4 مليارات دولار، وحصلت “موانئ دبي العالمية” الإماراتية على امتياز لمدة 30 عامًا لتشغيل ميناء طرطوس.

كما وافق البنك الدولي على مشاريع ممولة بالمنح تتجاوز قيمتها مليار دولار، وأنشأ صندوق النقد الدولي برنامج تعاون تقني مع دمشق، في حين تعهد الاتحاد الأوروبي بـ620 مليون يورو، أي نحو 713 مليون دولار، للمساعدات الإنسانية والتعافي الاجتماعي والاقتصادي خلال عامي 2026 و2027.

لكن “هيومن رايتس ووتش” أشارت إلى أن حجم التعهدات والإعلانات يفوق بكثير حجم الاستثمارات المنفذة على الأرض، وأن عمليات الصرف الكبيرة من الدائنين الدوليين ترتبط بوضع أطر للحوكمة والقوانين.

عودة وسط نقص الخدمات

بحسب تقرير للجنة الإنقاذ الدولية صدر في تموز 2026، عاد أكثر من 3.5 ملايين لاجئ ونازح سوري إلى مجتمعاتهم منذ كانون الأول 2024، إلا أن المنظمة أشارت إلى أن عمليات العودة لم تكن جميعها طوعية بالكامل.

وعاد بعض السوريين، وفق التقرير، نتيجة تدهور أوضاع النزوح، وتوقف المساعدات، وهشاشة أوضاعهم القانونية، وارتفاع تكاليف الإيجار في أماكن إقامتهم.

وتقول “هيومن رايتس ووتش” إن سوريا ملزمة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بضمان الحق في السكن الملائم، بما يشمل أمن الحيازة والخدمات الأساسية والموقع الملائم، كما يضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في الانتصاف الفعال.

وتشمل الالتزامات، وفق المنظمة، احترام الحقوق دون تمييز على أساس العرق أو الدين، إلى جانب ضمان حقوق السكان في المياه والصرف الصحي والكهرباء والصحة والتعليم والغذاء والضمان الاجتماعي.

ودعت المنظمة الحكومة السورية إلى التعامل مع إعادة الخدمات العامة في مناطق العودة باعتبارها التزامًا حقوقيًا فوريًا، وليس مرحلة مؤجلة ضمن عملية إعادة الإعمار.

نزاعات الملكية ومشاريع دمشق

أشار التقرير إلى أن السكان المتضررين يستطيعون نظريًا اللجوء إلى المحاكم السورية في القضايا الفردية، إلا أن ضعف الموارد القضائية ومتطلبات إثبات الملكية يشكلان عائقًا أمام كثير من أصحاب النزاعات العقارية.

كما لا توجد، وفق المنظمة، آلية تظلم متخصصة ومستقلة يمكن للسكان من خلالها الاعتراض على قرارات إعادة الإعمار الأوسع.

وفي دمشق، استُخدم المرسوم “66”، الصادر عام 2012، في مشاريع عمرانية أدت إلى تهجير آلاف السكان دون إجراءات قانونية كافية أو تعويض مناسب، بحسب التقرير. وعلّق محافظ دمشق تطبيق المرسوم في تشرين الأول 2025 بانتظار مراجعة قانونية، لكن لم يصدر مرسوم رئاسي يحسم وضعه القانوني.

كما وسّع القانون رقم “10” لعام 2018 نموذج المرسوم “66” إلى أنحاء سوريا، وألزم السكان بإثبات ملكيتهم خلال مهلة محددة، وهو ما تقول المنظمة إنه أثر بشكل غير متناسب على النازحين.

وأشار التقرير إلى مشروعي “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي” في دمشق، اللذين تديرهما شركة “دمشق الشام القابضة”، معتبرًا أن استمرار طرح المشاريع للاستثمار يثير قضايا مرتبطة بحقوق الملكية.

وشُكلت لجنة رئاسية في كانون الأول 2025 لمراجعة إجراءات المرسوم 66، وصدرت بعض قرارات التعويض في أيار 2026، لكن الإطار القانوني الناظم للمشروعين لا يزال معلقًا، بحسب التقرير.

وفي جوبر، حيث دُمر نحو 95% من المباني، قال التقرير إن السكان أُبلغوا بعدم قدرتهم على إعادة البناء بشكل فردي، بينما يقترح مشروع لإعادة الإعمار منح أصحاب المنازل وحدات جديدة تعادل 50% من المساحة الطابقية لمساكنهم السابقة، في حين يحصل سكان العشوائيات على 30% من مساحة أراضيهم، ولا يحصل المستأجرون على تعويض.

دعوات لضمان المشاركة والتعويض

قالت “هيومن رايتس ووتش” إن القانون الدولي يشترط أن يكون للمجتمعات المتضررة دور فعلي في القرارات المتعلقة بمنازلها وأراضيها وأحيائها قبل اتخاذها، بما في ذلك مشاركة النازحين في التخطيط لعودتهم وإعادة إدماجهم.

وأشارت إلى أن “مبادرة الإصلاح العربي”، استنادًا إلى 45 مقابلة أجرتها بين تموز 2024 وأيار 2026، وجدت أن قرارات إعادة الإعمار اتُخذت في بعض الحالات دون مشاركة مجتمعية أو معايير واضحة للتعويض أو آليات تظلم يسهل الوصول إليها.

ودعت المنظمة الحكومة السورية إلى ضمان تطبيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خلال إعادة الإعمار، وإلزام الجهات الحكومية بمشاركة المجتمعات قبل الموافقة على المشاريع أو طرحها على المستثمرين.

كما أوصت بإعطاء الأولوية لرد الممتلكات وعودة النازحين، ووضع معايير واضحة وعادلة للتعويض، ووقف الهدم مؤقتًا في الحالات التي لم تُحسم فيها ترتيبات الملكية والتعويض.

وطالبت المنظمة بإلغاء المرسوم “66” والقانون رقم “10” لعام 2018 أو إخضاعهما لمراجعة مستقلة، وإنشاء آليات تظلم مستقلة، وربط إعادة الإعمار بالعدالة الانتقالية في قضايا السكن والأراضي والملكية، إضافة إلى إعطاء الأولوية لإعادة الخدمات الأساسية في مناطق العودة.

كما دعت المانحين والمستثمرين إلى جعل احترام حقوق الإنسان شرطًا لتمويل مشاريع إعادة الإعمار، وإجراء تقييمات مسبقة لأثر المشاريع على حقوق الإنسان، وضمان التشاور مع المجتمعات المتضررة وتوفير آليات للتظلم.

وطالبت المؤسسات المالية الدولية بإدماج تقييمات حقوق الإنسان وضمانات السكن والأراضي والملكية في برامج التمويل والمساعدة الفنية، بينما دعت الشركات إلى إجراء العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان قبل إبرام اتفاقات إعادة الإعمار، وعدم الدخول في اتفاقات تتعلق بالأراضي والممتلكات قبل وجود آليات لحل مطالبات السكان المتضررين.

وقالت زيادين إن الأطر القانونية المنظمة لإعادة إعمار سوريا لا تزال قيد الصياغة، معتبرة أن ذلك يمثل فرصة لبناء ضمانات تحمي المجتمعات المتضررة، وأن التعافي المستدام مرتبط بكيفية وضع هذه الأطر وتنفيذها.

يأتي تقرير “هيومن رايتس ووتش” في وقت تتواصل فيه جهود إعادة الإعمار وعودة النازحين إلى مناطقهم، بينما لا تزال قضايا السكن والأراضي والملكية ونقص الخدمات الأساسية قائمة في عدد من المناطق.

ودعت المنظمة الحكومة والمانحين والمستثمرين إلى تضمين مشاريع إعادة الإعمار ضمانات تتعلق بالمشاركة والتعويض وحماية الملكية وآليات التظلم، إلى جانب تأمين الخدمات الأساسية للسكان العائدين.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة