عودة “سويفت” لا تكفي.. عراقيل تواجه التحويلات الخارجية في سوريا

صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي (رويترز)

camera iconرغم عودة سوريا إلى شبكة "سويفت" لا تزال حركة التحويلات الخارجية دون المستوى المتوقع (رويترز)

tag icon ع ع ع

على الرغم من إعادة تفعيل الاتصال بشبكة “سويفت” الدولية، والإعلان عن عودة سوريا إلى المنظومة المصرفية العالمية منذ 21 من تشرين الثاني 2025، لا تزال عقبات تعترض التحويلات الخارجية، وتنعكس على مختلف القطاعات، ولا سيما الاستثمارية منها.

وبينما بدأت مؤشرات على استئناف بعض التحويلات التجارية بعملات مختلفة، تبقى متطلبات الامتثال والثقة المصرفية وتكلفة العمليات وسرعتها واتساع شبكة المصارف المراسلة عوامل أساسية في تحديد مدى عودة سوريا فعليًا إلى النظام المصرفي العالمي.

وقال الخبير الاقتصادي يحيى السيد عمر، في حديث إلى عنب بلدي، إن عودة المصارف السورية إلى شبكة “سويفت” تمثل خطوة مهمة على المستوى التقني، لكنها لا تختصر الطريق أمام استعادة التعاملات المصرفية الخارجية بصورة طبيعية.

وبحسب السيد عمر، يتيح الاتصال بالشبكة إرسال رسائل التحويل واستقبالها، بينما يبقى تنفيذ العملية مرتبطًا بوجود مصارف مراسلة أجنبية مستعدة لفتح قنوات تعامل مع المصارف السورية.

وهنا تظهر، وفق الخبير الاقتصادي، الفجوة بين العودة الشكلية والعودة الفعلية، إذ قد يصبح المصرف متصلًا بـ”سويفت”، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الشركات السورية ستتمكن فورًا من إجراء التحويلات واستقبال المدفوعات من الخارج بالسرعة والتكلفة نفسيهما المعمول بهما في الأنظمة المصرفية المستقرة.

ويفسر ذلك استمرار صعوبة تنفيذ الحوالات وضعف تفاعل بعض الشركات، على الرغم من الخطوات المتخذة لإعادة ارتباط سوريا بالنظام المالي العالمي، بحسب السيد عمر.

الحاجة إلى مصارف مراسلة

لكي يتحول الاتصال بشبكة “سويفت” إلى حركة أموال فعلية، تحتاج المصارف السورية إلى بناء علاقات مستقرة مع مصارف مراسلة في الخارج.

وأوضح السيد عمر أن وجود مصرف مراسل أجنبي يتعامل فعليًا مع المصرف السوري يمثل عنصرًا أساسيًا في تحويل الاتصال بـ”سويفت” إلى حركة أموال حقيقية.

ولا يعني ذلك بالضرورة عدم وجود مصارف أجنبية يمكنها التعامل مع المصارف السورية، لكن المشكلة، وفق السيد عمر، تكمن في مدى اتساع هذه العلاقات واستقرارها، وقدرتها على خدمة عدد أكبر من العمليات والمصارف والشركات.

ولا يرتبط بطء هذه العملية بعامل واحد، إذ يراجع المصرف الأجنبي المخاطر والالتزامات القانونية قبل الدخول في علاقة مراسلة، بينما يحتاج مصرف سوريا المركزي والمصارف المحلية إلى استكمال الأنظمة والإجراءات التي تجعل هذه العلاقات أكثر سهولة واستقرارًا.

وأضاف السيد عمر أنه كلما كانت القواعد الداخلية واضحة، والبيانات المالية دقيقة، وإجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب قوية، أصبح من الأسهل على المصارف الخارجية تقييم إمكانية التعامل مع الجانب السوري.

الثقة عامل حاسم

ترتبط استعادة التعاملات المصرفية الدولية مع سوريا بمدى ثقة المؤسسات الأجنبية بالمصارف السورية، وهي ثقة لا يمكن استعادتها بقرار واحد، وإنما تحتاج إلى سجل مستمر من الالتزام والشفافية، وفق السيد عمر.

ويقع على عاتق مصرف سوريا المركزي دور رئيس في بناء هذا المسار، عبر تطوير أنظمة الرقابة، ورفع جودة التقارير، وتوحيد الإجراءات، وتسريع معالجة العمليات، وإظهار قدرة المصارف المحلية على الالتزام بالمعايير التي تطلبها المؤسسات المالية الدولية.

وكان حاكم مصرف سوريا المركزي، صفوت رسلان، أوضح في منشور عبر صفحته الرسمية على منصة “فيسبوك”، في 22 من أيلول الحالي، أن “سويفت” نظام آمن لتبادل الرسائل بين المصارف، لكنه لا يحدد بمفرده إمكانية تنفيذ التحويلات.

وأشار رسلان إلى أن التحدي الأساسي يكمن في العلاقات مع المصارف المراسلة، التي توقفت أو جُمدت خلال السنوات الماضية، مؤكدًا أن المصرف المركزي والمصارف السورية تعمل على استعادتها وبنائها من جديد.

وبحسب رسلان، بدأت نتائج إيجابية ملموسة بالظهور، إذ فعّلت أكثر من ستة مصارف التحويلات التجارية بالدولار عبر مصارفها المراسلة، وأصبحت معظم المصارف قادرة على إجراء معاملات باليورو، إلى جانب تفعيل التحويلات بالدينار الأردني، وبدء معالجة مدفوعات بالريال السعودي والدرهم الإماراتي.

وأضاف أن استعادة شبكة واسعة من العلاقات المصرفية الدولية تحتاج إلى وقت وإجراءات امتثال وتقييم متبادل، وقد تستغرق عدة أشهر، مشددًا على أن المسألة لا تتعلق بغياب “سويفت”، بل بإعادة بناء الثقة والعلاقات المصرفية الدولية.

خطوة أولى

قد يُنظر إلى رفع العقوبات وإزالة اسم سوريا من بعض القوائم الدولية على أنهما ركيزتان أساسيتان لتفعيل التحويلات واستعادة الثقة المصرفية، إلا أن العودة الفعلية إلى النظام المصرفي الدولي لا تتوقف عند هاتين الخطوتين.

وأوضح السيد عمر أن رفع العقوبات واستعادة الاتصال بشبكة “سويفت” يمثلان الخطوة الأولى ضمن مسار متعدد المراحل، تليهما إجراءات تنظيمية ومصرفية، إلى جانب بناء علاقات مراسلة تحتاج إلى وقت حتى تصبح مستقرة وقادرة على خدمة حركة التجارة والتحويلات بصورة طبيعية.

وأشار إلى أنه عندما لا تكون شبكة المصارف المراسلة واسعة بما يكفي، قد تمر بعض العمليات عبر بنوك وسيطة أو حسابات مصرفية في دول ثالثة قبل وصول الأموال إلى وجهتها النهائية.

ولا يعني ذلك وجود دولة واحدة ثابتة تمر عبرها جميع التحويلات، إذ يختلف مسار العملية بحسب العملة والمصرف وطبيعة التحويل.

ويرفع هذا المسار الإضافي تكلفة التحويل ويطيل مدته، لأن العملية قد تتطلب دفع رسوم لأكثر من جهة، إلى جانب تكاليف الامتثال والتدقيق وتقييم المخاطر.

وبحسب السيد عمر، يصعب تحديد نسبة ثابتة للزيادة في تكلفة جميع التحويلات، لأن التكلفة تختلف من عملية إلى أخرى، ولا توجد نسبة موحدة يمكن تعميمها على القطاع المصرفي السوري بأكمله.

شبكة علاقات وبنية تحتية

تنعكس التحديات المصرفية على تعامل الشركات أيضًا، فحتى مع رفع بعض القيود رسميًا، قد تظل الشركات الأجنبية حذرة إلى أن تتأكد من أن التعامل مع المصارف السورية أصبح منتظمًا ومستقرًا وقابلًا للاستمرار.

وأوضح السيد عمر أن عودة الشركات لا ترتبط بإزالة العقوبات فقط، وإنما بقدرتها على تحويل الأموال واستقبالها وتمويل تجارتها دون تأخير أو تكاليف استثنائية.

لذلك، تتمثل الخطوة الأهم خلال المرحلة المقبلة في الانتقال من مجرد الاتصال بالشبكة إلى بناء شبكة مستقرة ومتنوعة من المصارف المراسلة، بالتوازي مع تحسين البنية المصرفية والرقابية داخل سوريا.

ويشمل ذلك تحديث أنظمة الدفع، وتطوير إجراءات الامتثال، ورفع كفاءة المصارف، وتوحيد الإجراءات، وتوفير معلومات مالية واضحة يمكن للمؤسسات الأجنبية الاعتماد عليها.

وبهذا المعنى، لا تمثل العودة إلى “سويفت” نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أطول، إذ تقاس العودة الحقيقية إلى النظام المصرفي الدولي بعدد العلاقات المصرفية الفعلية، وسرعة التحويلات وكلفتها، وقدرة الشركات على استخدامها بصورة منتظمة.

وختم السيد عمر حديثه بالقول إنه عندما تصبح هذه العمليات جزءًا طبيعيًا من النشاط التجاري، يمكن عندها الحديث عن عودة فعلية إلى النظام المصرفي الدولي، لا مجرد عودة إلى شبكة اتصال.

التحويلات مع الأردن

في حوار مع قناة “المملكة” الأردنية، قال حاكم مصرف سوريا المركزي، صفوت رسلان، إن تفعيل التحويلات المصرفية عبر “سويفت” في سوريا يتطلب الامتثال للمعايير الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وأشار رسلان إلى عودة خدمة “مونيغرام” بين البنوك الأردنية والمصارف السورية عبر أحد البنوك الأردنية، ووجود حوالات قائمة بين بنوك البلدين.

وأضاف أن تطوير التكنولوجيا المالية يمكن أن يسهم في استعادة الاستقرار، من خلال توسيع الشمول المالي وتوفير قنوات مالية إلكترونية نظامية وموثوقة.

ما “سويفت”؟

تأسست شبكة “سويفت” في بلجيكا عام 1973، وهي شبكة عالمية آمنة تتيح للمصارف والمؤسسات المالية تبادل الرسائل والتعليمات المتعلقة بالمدفوعات والتحويلات.

ولا تنقل “سويفت” الأموال بنفسها، بل ترسل رسائل مالية موحدة وآمنة بين المؤسسات المشتركة فيها، بينما تنفذ التحويلات الفعلية عبر المصارف والمؤسسات المالية، ومنها المصارف المراسلة.

والمصرف المراسل هو بنك أو مؤسسة مالية تقدم خدمات مصرفية نيابة عن بنك آخر، غالبًا ما يكون موجودًا في دولة مختلفة. ويؤدي دور الوسيط بين البنوك المحلية والأجنبية، ما يتيح للبنك المحلي إجراء معاملات دولية والوصول إلى الأسواق الخارجية دون الحاجة إلى وجود مصرفي مباشر فيها.

وتشمل خدمات المصارف المراسلة:

تنفيذ التحويلات المالية الدولية.
إدارة العملات الأجنبية وتسوية المدفوعات.
إصدار الاعتمادات المستندية وتأكيدها.
تحصيل الشيكات والودائع.
تسهيل عمليات التجارة الخارجية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة