اتحاد الكتّاب العرب يسعى إلى توثيق الذاكرة السورية

جناح اتحاد الكتَّاب العرب خلال مشاركته في معرض إدلب للكتاب – 15 أيلول 2026 (اتحاد الكتاب العرب)

camera iconجناح اتحاد الكتَّاب العرب خلال مشاركته في معرض إدلب للكتاب – 15 أيلول 2026 (اتحاد الكتاب العرب)

tag icon ع ع ع

أعلن اتحاد الكتّاب العرب في سوريا إطلاق مبادرة ثقافية بعنوان “أقلام تبني السلام والمستقبل: سوريا التنوع والذاكرة والمحاسبة والتسامح وجبر الضرر”، بهدف تشجيع الكتّاب على تناول المرحلة التي مرت بها سوريا خلال السنوات الماضية، وتوثيق تجارب السوريين المختلفة من خلال الأعمال الأدبية والدراسات والشهادات.

وقال الاتحاد، الأربعاء 30 من أيلول، إن المبادرة تأتي ضمن ما وصفه بجهود “العدالة الانتقالية الثقافية”، وتهدف إلى دعم السلم الأهلي والحفاظ على التنوع السوري، إلى جانب توثيق قصص الضحايا وتجارب السوريين خلال مرحلة الثورة وما تبعها من أحداث.

وتشمل المبادرة موضوعات التنوع السوري والسلم الأهلي، وقصص الضحايا وآليات جبر الضرر، وتفاصيل الحياة اليومية خلال مرحلة الثورة، إضافة إلى القراءات النقدية للماضي وقيم التسامح والمحاسبة “دون الانتقام”.

الثقافة في مواجهة الكراهية

تتيح المبادرة للكتاب تقديم أعمال في مجالات متعددة، بينها السير الذاتية، والتوثيق التاريخي، والشهادات الحية، والشعر، والقصص والروايات والمسرحيات وقصص الأطفال، إلى جانب الدراسات الفكرية والاجتماعية والتاريخية.

وقال رئيس اتحاد الكتاب العرب في سوريا، أحمد جاسم الحسين، لعنب بلدي، إن إطلاق المبادرة يأتي ضمن دور الاتحاد في “أن يكون عاملًا إيجابيًا في بناء المجتمع السوري”، معتبرًا أن ذلك يشمل دور المثقفين في المرحلة الحالية.

ويرى الحسين أن العدالة الانتقالية الثقافية لا تقتصر على المحاسبة والاعتذار، وإنما تشمل أيضًا كيفية تعايش السوريين ضمن مجتمع متنوع من حيث الإثنيات والأعراق والطوائف والتيارات الاجتماعية.

وأضاف أن الثقافة يمكن أن تؤدي دورًا في مواجهة خطاب الكراهية والتحريض والتطرف المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب التعامل مع النقاش العام بعيدًا عن الانفعال والبحث عما يخدم المجتمع السوري.

وقال الحسين، إن اتحاد الكتاب يفترض أن يؤدي دورًا في تخفيف التوتر، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك “لا يعني أن تذهب حقوق الضحايا أو لا تكون هناك محاسبة”.

اختلاف الروايات دون تبرير الانتهاكات

تتضمن المبادرة إتاحة المجال أمام أعمال تتناول تجارب وقراءات مختلفة للمرحلة الماضية، في ظل اختلاف تجارب السوريين بحسب مناطقهم وظروفهم خلال سنوات الحرب.

وقال الحسين، إن تعدد الآراء والاختلاف في قراءة الأحداث “مرحب فيه”، لكنه فرّق بين الاختلاف في تفسير حدث أو مرحلة وبين تبرير الجرائم أو الدعوة إلى قتل المدنيين أو استهداف جماعة على أساس عرقي أو ديني.

وأضاف أن الاتحاد يريد المساهمة في إنتاج “سردية وطنية” تقوم على قيم العدالة والحرية والكرامة، معتبرًا أن التعدد لا يعني منح مساحة لمن يدعو إلى القتل أو يبرر استهداف المدنيين أو إبادة جماعة أو مدينة.

وقال الحسين إن المبادرة ليست مشروعًا توثيقيًا بالمعنى المتخصص، موضحًا أن الاتحاد لا يهدف من خلال الكتب إلى كتابة التاريخ، وإنما إلى نقل الجانب الإنساني من التجارب.

“كل سوري لديه قصة“

يرى الحسين أن السنوات الماضية تركت لدى السوريين رصيدًا واسعًا من التجارب التي يمكن تحويلها إلى أعمال أدبية.

وقال إن كل سوري تقريبًا لديه قصة يمكن أن تتحول إلى كتاب، بالنظر إلى ما شهدته الحياة اليومية من تغييرات خلال مرحلة الثورة والحرب، بما فيها الهجرة واللجوء، والتحولات الفكرية، وتغير العلاقات، وفقدان الأمل واستعادته، والخوف، والاعتقال، والسجون، والعنف، إضافة إلى تجارب النساء والعائلات.

وأضاف أن هذه التجارب يمكن أن تقدم مادة أدبية وإنسانية تتجاوز الأحداث السياسية المباشرة، وتشمل تفاصيل الحياة التي عاشها السوريون خلال المرحلة الماضية.

ويرى رئيس الاتحاد أن الأدب يمتلك قدرة على نقل هذه التجارب بطريقة تختلف عن التوثيق التقليدي، لأنه يستطيع التركيز على اللحظة الإنسانية والألم والتجربة الشخصية.

وقال إن أحد أهداف المبادرة هو تشجيع السوريين على تدوين تجاربهم، معتبرًا أن هذه الكتابات يمكن أن تصبح مادة تتعلم منها الأجيال المقبلة.

مشروع أوسع للسردية السورية

وبحسب الحسين، لا تقتصر المبادرة على إنتاج كتب خلال عام 2027، وإنما تأتي ضمن مشروع ثقافي أوسع يعمل عليه الاتحاد، يتضمن العمل على تاريخ سوريا والسردية الوطنية السورية.

وقال إن الاتحاد لا يريد انتظار “اكتمال الظروف” قبل البدء بهذا العمل، لأن الدول والمجتمعات الخارجة من النزاعات تمر بمراحل متغيرة، ولا تصل بالضرورة إلى ظروف مثالية للبدء بمشاريعها الثقافية.

وأضاف أن الاتحاد يرى أن “المحاولة أفضل من اللامحاولة”، وأن إنتاج سردية وطنية سورية يجب أن يكون جزءًا من الجهود التي تجري في المرحلة الحالية.

وأوضح أن الاتحاد يريد من خلال ذلك تحفيز الكتّاب على الكتابة، مع الالتزام بالجوانب الفنية والأدبية، والسعي إلى تقديم أعمال أقرب إلى الموضوعية والحياد، بحسب تعبيره.

وقال الحسين، إن تثبيت ذاكرة السوريين يمثل أحد أهداف المشروع، بحيث تبقى تجارب الناس وآلامهم وأوجاعهم متاحة للأبناء والأحفاد، بما يساعد على فهم ما حدث وتجنب تكراره.

الكتابة وتوثيق التجربة السورية

يرى الباحث والكاتب الاجتماعي علي الحسن، في حديث لعنب بلدي، أن المرحلة الحالية تحتاج إلى أنشطة عامة وثقافية تشجع الكتاب على توثيق المرحلة السابقة من خلال أشكال مختلفة من الكتابة.

ويشمل ذلك، بحسب رأيه، القصص والروايات ودواوين الشعر والسير الذاتية والدراسات الاجتماعية والتاريخية والفكرية، إلى جانب الشهادات والتوثيقات التي تسجل تفاصيل حياة السوريين خلال السنوات الماضية.

ويرى الحسن أن توثيق المرحلة لا ينبغي أن يقتصر على الأحداث السياسية والعسكرية، وإنما يجب أن يشمل الحياة اليومية للسوريين، بما فيها النزوح والهجرة واللجوء والتعليم والعمل والعلاقات الاجتماعية والتحولات التي طرأت على حياة العائلات والأفراد.

وبحسب الحسن، فإن تعدد الأشكال التي تستخدم في الكتابة يمكن أن يساعد في تقديم صورة أوسع عن المجتمع السوري، إذ تنقل الرواية أو القصة تجربة إنسانية، بينما تقدم الدراسات قراءة للتحولات الاجتماعية والفكرية، وتحفظ السيرة الذاتية مسار حياة فرد، فيما يمكن للشعر أن يعكس الجانب العاطفي والإنساني من التجربة.

ويعتبر الحسن أن تراكم هذه الأعمال يمكن أن يساعد في بناء سردية وطنية تعكس تنوع المجتمع السوري وتعدد تجاربه، بدل اقتصار الذاكرة العامة على رواية واحدة.

التحكيم والنشر

تخضع الأعمال المقدمة للمبادرة للتحكيم، على أن ينشر الاتحاد الأعمال المقبولة إلكترونيًا عبر منصاته، مع منحها رقمًا معياريًا دوليًا (ISBN) ومكافأة مالية مقطوعة للكاتب.

ويحتفظ الكاتب، بحسب شروط المبادرة، بحقه في النشر الورقي بعد مرور عام على نشر العمل إلكترونيًا.

وتفتح هذه الآلية المجال أمام إنتاج مجموعة من الكتب في موضوعات مرتبطة بالذاكرة السورية، إلا أن التعامل مع الشهادات المتعلقة بالانتهاكات يفرض مسائل إضافية، بينها التثبت من المعلومات وحماية خصوصية الضحايا وذويهم.

ولم يوضح الاتحاد، وفق إعلانه، تفاصيل المعايير الخاصة بالتثبت من الشهادات أو آليات حماية الأشخاص الذين تتضمن الأعمال معلومات عنهم، بينما أكد الحسين أن المبادرة ليست مشروعًا توثيقيًا متخصصًا، وإنما تركز على الجانب الأدبي والإنساني من التجارب.

بين الذاكرة والمحاسبة

تطرح المبادرة الكتابة بوصفها أحد المسارات التي يمكن من خلالها حفظ الذاكرة السورية بعد سنوات من الحرب والانقسام.

ويجمع المشروع، بحسب ما أعلنه الاتحاد، بين موضوعات مختلفة تشمل التنوع والسلم الأهلي وقصص الضحايا وجبر الضرر، إلى جانب الأعمال الأدبية والدراسات التي تتناول الحياة اليومية خلال المرحلة الماضية.

وقال الحسين، إن الاتحاد يريد أن يسهم في تثبيت هذه الذاكرة، مع التأكيد على المحاسبة وعدم تحويل الدعوة إلى التسامح إلى وسيلة لتجاوز حقوق الضحايا.

وتأتي مبادرة “أقلام تبني السلام والمستقبل” في إطار توجه الاتحاد إلى إطلاق مشروع ثقافي أوسع حول الذاكرة والسردية الوطنية السورية، مع محاولة تحويل تجارب الأفراد خلال السنوات الماضية إلى أعمال أدبية ودراسات وشهادات يمكن الاحتفاظ بها وإتاحتها للأجيال المقبلة.

ويحدد نجاح المشروع، في جانب منه، وفق الباحث علي الحسن، بمدى قدرته على الوصول إلى كتاب من مختلف المناطق والخلفيات السورية، وتنوع التجارب التي ستقدم، إضافة إلى المعايير التي سيعتمدها الاتحاد في التحكيم والتعامل مع الشهادات الحساسة والروايات المتعارضة حول المرحلة الماضية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة