
الهيئة العامة للطيران المدني السوري تنفذ اختبارات على أنظمة للملاحة الحديثة في مطار دمشق الدولي - 24 أيلول 2026 (الهيئة العامة للطيران المدني السوري)

الهيئة العامة للطيران المدني السوري تنفذ اختبارات على أنظمة للملاحة الحديثة في مطار دمشق الدولي - 24 أيلول 2026 (الهيئة العامة للطيران المدني السوري)
عنب بلدي – ركان الخضر
بعد تحذيرات مسبقة، لم تبدِ إسرائيل أي رد فعل على تشغيل أنظمة الملاحة الجوية التي تتيح الرحلات الليلية في مطاري دمشق وحلب، بعد أشهر من منع إجراء الاختبارات اللازمة لتفعيلها وتهديدها باستهداف طائرات المعايرة.
موقع “ميدل إيست آي” البريطاني ذكر، في 25 من أيلول الماضي، نقلًا عن مسؤولين إقليميين، أن أنظمة الملاحة كانت موجودة في سوريا منذ أكثر من ستة أشهر، لكن السلطات السورية لم تتمكن من تشغيلها بسبب الاعتراض الإسرائيلي.
وبحسب “ميدل إيست آي”، كان تفعيل أنظمة الملاحة يتطلب إجراء رحلات معايرة واختبارات ضمن نطاق 50 كيلومترًا حول مطار دمشق، قبل أن يتوصل الفنيون إلى إمكانية تنفيذ رحلات المعايرة ضمن نطاق 25 كيلومترًا.
وأوضح أحد المسؤولين الإقليميين أن السلطات السورية أبلغت الجانب الإسرائيلي بأنها ستجري الاختبارات ضمن النطاق الجديد، إلا أن الحكومة الإسرائيلية لم ترسل ردًا، لكنها لم تنفذ تحذيراتها باستهداف أنظمة الملاحة السورية بعد تشغيلها.
التراجع الإسرائيلي أثار تساؤلات حول أسبابه ودوافعه، وإلى مدى يمكن اعتبار الخطوة الإسرائيلية نهجًا استراتيجيًا جديدًا في التعاطي مع الساحة السورية، في ظل سياسة إسرائيلية تنتهج أسلوبًا يعتمد الحلول الأمنية والعسكرية.
يرى الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، أن ما جرى لا يمثل تراجعًا إسرائيليًا عن خيار استهداف مطار “دمشق” في المستقبل، إذا رأت تل أبيب أن ما يجري فيه يمس أمنها أو يقيّد تفوقها الجوي، مرجحًا أن الخطوة الإسرائيلية تمثل تراجعًا تكتيكيًا عن عرقلة تشغيل منظومات الملاحة المدنية وتهديد طائرات المعايرة اللازمة لتفعيلها.
وقال العبد الله، في حديث إلى عنب بلدي، إن المنظومات التي أُدخلت إلى الخدمة، مثل أنظمة الهبوط والملاحة الجوية، تعزز سلامة الاقتراب والهبوط ليلًا وفي ظروف الضباب وضعف الرؤية، وتسمح بتشغيل أكثر انتظامًا للمطارات السورية، مشيرًا إلى أن وظيفتها المعلنة تمثل تجهيزات مدنية لا منظومات دفاع جوي.
لكن إسرائيل، وفق العبد الله، لا تنظر إلى هذا التطور من زاوية مدنية محضة، إذ يرتبط قلقها بإمكان تراكم بنية مراقبة جوية سورية- تركية، ولا سيما مع الحديث سابقًا عن رادار متطور في مطار “دمشق” يمكن أن يرفع القدرة على رصد الحركة الجوية ويضيّق هامش حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي.
وأضاف العبد الله أن الاعتراض الإسرائيلي على رحلات المعايرة يمثل جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى منع أي تطور تدريجي قد يتحول لاحقًا إلى قيد عملي على التفوق الجوي الإسرائيلي، مبينًا أن تقليص نطاق رحلات المعايرة من نحو 50 إلى 25 كيلومترًا عالج جانبًا من الحساسية العملياتية، ووفّر مخرجًا يسمح لإسرائيل بالتغاضي من دون إعلان موافقة سياسية صريحة.
الباحث في “المركز السوري للدفاع والأمن” (مسداد) معتز السيد قال في حديث إلى عنب بلدي، إن الاعتراض الإسرائيلي لم يكن على تشغيل أنظمة الملاحة بحد ذاته، وإنما على رحلات المعايرة الجوية اللازمة لتشغيلها، والتي رأت إسرائيل أن مساراتها الأولى، ضمن نطاق يصل إلى 50 كيلومترًا، تدخل في مجالها الأمني.
وأوضح السيد أن المفارقة تكمن في أن هذه الأنظمة مدنية ومخصصة لتحسين سلامة الملاحة والهبوط، ولا تحمل استخدامًا عسكريًا بحد ذاتها، مرجحًا أن سبب التحذيرات الإسرائيلية يعود إلى استخدامها أداة ضغط على الحكومة السورية، ولتقييد قدرتها على الاستفادة الكاملة من مجالها الجوي المدني، أكثر من كونه اعتراضًا تقنيًا على أنظمة الملاحة نفسها.
ويتفق السيد مع العبد الله في أن ما جرى لا يرقى إلى تغيير في قواعد الاشتباك، لأن إسرائيل لم تمنح موافقة صريحة، لكنها لم تعترض بعد أن تمكن الجانب السوري من تقليص نطاق رحلات المعايرة من 50 إلى 25 كيلومترًا.
ذكر موقع “ميدل إيست آي” أن الجانب الأمريكي كان يريد من الحكومة السورية معالجة القضية مع الجانب الإسرائيلي عبر محادثات ثنائية.
ورجح المسؤولون الإقليميون أن التغاضي الإسرائيلي جاء لتهدئة التوتر، بعد غضب واشنطن من عملية استهداف مطار “أبو الظهور” شمالي سوريا.
وتطرح المعطيات السابقة تساؤلات حول احتمالية تدخل الحكومة الأمريكية كوسيط لإيجاد تفاهم بين الجانبين، أفضى إلى اتفاق على عدم التصعيد بعد التحذيرات الإسرائيلية المسبقة.
الباحث معتز السيد يعتقد أن المشهد يتمحور حول ترتيب محدود لتجاوز نقطة احتكاك، وليس تغييرًا في المحاذير الإسرائيلية أو في قواعد الاشتباك بين الطرفين، مع عدم استبعاد أن يكون ذلك جزءًا من مساعٍ أوسع، بينها تحرك أمريكي، لخفض التوتر ومنع تحول المجال الجوي السوري إلى مصدر احتكاك إضافي، خاصة أن تشغيل المجال الجوي السوري بكامل قدراته المدنية، يكتسب أهمية أكبر في المرحلة الحالية، مع اضطراب حركة الطيران الإقليمي وإعادة رسم مسارات النقل الجوي في المنطقة.
من جانبه، يعتقد الباحث سمير العبد الله أن استمرار إسرائيل في تعطيل إجراءات مرتبطة بسلامة الطيران المدني كان سيحمّلها تكلفة إعلامية وسياسية وقانونية متزايدة، خصوصًا في ظل سعي واشنطن إلى خفض التوتر بين إسرائيل وتركيا في الساحة السورية.
ولم يستبعد العبد الله دورًا أمريكيًا في التوصل إلى تفاهم يمنع اعتراض إدخال أنظمة الملاحة المعلن عنها، مرجحًا أنها جاءت بصيغة إدارة احتكاك غير معلنة، لا اتفاق سياسي شامل، فالمؤشرات تدل على وجود دور أمريكي في تفعيل قنوات تواصل وخفض التصعيد، إلى جانب الاتصالات السورية– الإسرائيلية القائمة، وهو ما يعني أن الصمت الإسرائيلي لا يمكن اعتباره قبولًا دائمًا، بل يعد بمنزلة تفاهم أمني مؤقت ومشروط، يمكن أن يتراجع إذا اعتبرت تل أبيب أن البنية المدنية بدأت تتحول إلى مكسب عسكري أو نفوذ تركي أوسع.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى