
مشهد من فيلم "الجانب الآخر من الشمس" - 5 تشرين الأول 2026 (شبكة الجزيرة الإعلامية)

مشهد من فيلم "الجانب الآخر من الشمس" - 5 تشرين الأول 2026 (شبكة الجزيرة الإعلامية)
لم يكن اختيار فيلم “الجانب الآخر من الشمس” لتمثيل سوريا في المنافسة على جائزة أفضل فيلم دولي في الدورة الـ99 من جوائز الأوسكار، مجرد محطة جديدة في مساره، بل نقل العمل الوثائقي الذي يتناول تجربة الاعتقال في سجن صيدنايا إلى واجهة السينما السورية في مرحلة مختلفة.
وأعلنت المؤسسة العامة للسينما، في 5 من تشرين الأول، اختيار الفيلم، وهو من إخراج توفيق صابوني، لتمثيل سوريا رسميًا في المنافسة، ليكون أول فيلم تختاره اللجنة السورية الجديدة المعتمدة من أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة الأمريكية بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وأوضحت المؤسسة أن أهلية الفيلم وقبوله للمنافسة يبقيان رهن إجراءات الأكاديمية وقرارها.
لكن الفيلم كان قد قطع شوطًا قبل الوصول إلى هذه المرحلة، إذ عُرض للمرة الأولى عالميًا في مهرجان “برلين السينمائي الدولي”، وحصل لاحقًا على ثلاث جوائز في مهرجان “عمّان السينمائي الدولي”، إلى جانب اختياره للمشاركة في عدد من المهرجانات الدولية.
يأخذ “الجانب الآخر من الشمس” المشاهد إلى سجن صيدنايا، لكن من زاوية مختلفة عن أفلام وشهادات كثيرة تناولت السجن خلال السنوات الماضية، فالمخرج توفيق صابوني كان معتقلًا فيه، ويعود إليه بعد سقوط النظام، برفقة أربعة ناجين آخرين، ليستعيدوا معًا تفاصيل من التجربة التي عاشوها هناك.
الفيلم، الذي تبلغ مدته نحو 88 دقيقة، لا يقوم على المقابلات وحدها، بل يمزج بين الشهادة وإعادة التمثيل.
يعود الرجال الخمسة إلى المكان الذي احتُجزوا فيه، ويعيدون أمام الكاميرا أداء بعض تفاصيل الحياة اليومية داخل السجن، من الحركات والطقوس إلى طرق التعامل مع المكان والآخرين.
وبذلك تتحول الذاكرة من رواية شفهية إلى فعل جسدي يجري داخل الموقع نفسه.
وتكتسب هذه الطريقة أهمية خاصة لأن التصوير جرى داخل السجن بعد سقوط النظام في كانون الأول 2024.
وكان المشروع في بدايته مختلفًا، إذ خطط صابوني لتصوير أجزاء من الفيلم داخل استوديو في بلجيكا، مع إعادة بناء زنازين صيدنايا، لكن سقوط النظام وفتح السجن أتاحا له العودة إلى المكان الحقيقي وتصويره من الداخل.
وهكذا أصبح المكان نفسه جزءًا من ذاكرة الفيلم، لا مجرد خلفية للأحداث، الممرات والزنازين والأبواب والمساحات التي عاش فيها المعتقلون سنواتهم تظهر أمامهم من جديد، بينما يحاولون استعادة تفاصيل ربما يصعب التعبير عنها بالكلمات وحدها.
يرافق صابوني في الفيلم أربعة ناجين آخرين من صيدنايا، هم عبد الكافي الحاج ومحمود القداح ومحمد حمكي، إلى جانب ناجٍ رابع، فيما يظهر المخرج نفسه بوصفه أحد الشخصيات الأساسية في العمل.
وتتحول تجربتهم الفردية إلى حكاية جماعية عن المعتقلين الذين مروا بالسجن، وعن الذين لم يخرجوا منه ولم تتح لهم فرصة رواية ما عاشوه.
ولا يتعامل الفيلم مع الناجين باعتبارهم مجرد شهود على وقائع الماضي، بل يمنحهم مساحة لاستعادة إنسانيتهم خارج صورة “الضحية”، فإلى جانب مشاهد الاعتقال والظروف القاسية داخل السجن، يستعيد الرجال جوانب من حياتهم وعلاقاتهم وأحلامهم التي توقفت أو تغيرت بفعل سنوات الاعتقال.
وهذه النقطة تحديدًا كانت من العناصر التي لفتت النقاد إلى الفيلم.
فقد رأى الاتحاد الدولي لنقاد السينما “FIPRESCI” أن صابوني لا يعتمد على استعراض الرعب الذي ارتبط بصيدنايا، وإنما يبني الفيلم على الشهادة والذاكرة المعاشة، مع إبقاء التركيز على إنسانية الناجين وكرامتهم.
وتتضح هذه المقاربة أكثر في استخدام إعادة التمثيل، فالفيلم لا يعيد إنتاج العنف عبر مشاهد صادمة، بل يستعيد حركات وتفاصيل يومية عاشها المعتقلون، لتصبح أجسادهم وذاكرتهم وسيلة لاستحضار ما حدث في المكان.
بدأ “الجانب الآخر من الشمس” رحلته الدولية من مهرجان برلين السينمائي الدولي في شباط 2026، حيث عُرض ضمن قسم “بانوراما”.
ولم يخرج الفيلم من المهرجان بمجرد المشاركة، إذ حل ثانيًا في تصويت جمهور “بانوراما” عن فئة الأفلام الوثائقية.
بعد برلين، واصل الفيلم جولته في عدد من المهرجانات، بينها “SXSW London” ومهرجان “ديربان السينمائي الدولي”، قبل أن يصل إلى مهرجان “عمّان السينمائي الدولي” في دورته السابعة.
وفي عمّان، حقق الفيلم حضوره الأبرز حتى الآن، بحصوله على جائزة لجنة التحكيم، وجائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما “FIPRESCI”، وجائزة الجمهور ضمن مسابقة الفيلم الوثائقي العربي الطويل.
ولم تكن جائزة النقاد منفصلة عن القيمة السينمائية للفيلم، إذ اعتبرت “FIPRESCI” أن العمل يقدم معالجة تستند إلى الذاكرة والشهادة، بدل تحويل تجربة صيدنايا إلى استعراض للعنف، وهو ما أعطى الفيلم مساحة للتعامل مع الناجين بوصفهم أصحاب تجربة وصوت، لا مجرد موضوع للتوثيق.
كما حصل الفيلم على توزيع في الولايات المتحدة عبر شركة “Icarus Films”، بعد حصولها على حقوقه من شركة “Andana Films” الفرنسية، في خطوة تزامنت مع دخوله المنافسة على الأوسكار.
مع اختياره لتمثيل سوريا، يدخل “الجانب الآخر من الشمس” الآن مرحلة مختلفة من مساره، فالفيلم الذي بدأ من تجربة شخصية لمخرجه ورفاقه داخل صيدنايا، وانتقل إلى مهرجان برلين ثم عمّان وعدد من المهرجانات الدولية، أصبح ممثلًا رسميًا لسوريا في المنافسة على جائزة أفضل فيلم دولي.
لكن الاختيار السوري لا يعني وصول الفيلم مباشرة إلى الترشيحات النهائية، فالأفلام المقدمة تمر بإجراءات الأكاديمية، قبل الوصول إلى القائمة القصيرة ثم الترشيحات النهائية.
ومن المقرر أن يقام حفل الدورة الـ99 من الأوسكار في 14 من آذار 2027.
“الجانب الآخر من الشمس” يعيد خمسة ناجين إلى المكان الذي احتجزوا فيه، بعد أن أصبح السجن الذي كان مغلقًا أمامهم مفتوحًا أمام الكاميرا.
ومن خلال استعادة الذاكرة داخل المكان نفسه، يحاول الفيلم أن يمنح الحكاية شكلًا سينمائيًا، وأن يترك مساحة لأصوات من خرجوا من صيدنايا، وللذين غابوا عنها ولم يتمكنوا من رواية قصصهم.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى