
مقاتلون من حزب العمال الكردستاني خلال إعلان انسحابه من منطقة حدودية استراتيجية بشمال العراق – 16 تشرين الثاني 2025 (فرانس برس)

مقاتلون من حزب العمال الكردستاني خلال إعلان انسحابه من منطقة حدودية استراتيجية بشمال العراق – 16 تشرين الثاني 2025 (فرانس برس)
أعلن حزب “العمال الكردستاني” (PKK) المنحل اليوم، الخميس 8 من تشرين الأول، سحب جميع قواته المسلحة من داخل الأراضي التركية والمناطق القريبة من الحدود، معتبرًا أن الخطوة “تستكمل المتطلبات اللازمة لإنهاء الكفاح المسلح ضد تركيا والانتقال إلى العمل السياسي”.
وقالت قيادة الحزب في بيان، إن عملية الانسحاب جرت قبل بضعة أيام، وشملت جميع قوات الحزب الموجودة داخل الأراضي التركية، إضافة إلى إخلاء أربعة أنفاق ومواقع دفاعية في منطقة متينا، غربي منطقة زاب في إقليم كردستان العراق، “رغم ابتعادها عن الحدود التركية وعدم اعتبارها مصدر تهديد لتركيا”.
وأضاف البيان أن الحزب “سحب جميع قواته المسلحة الموجودة داخل حدود تركيا وفي المناطق القريبة من الحدود التركية”، معتبرًا أن ذلك يعني تنفيذ جميع المتطلبات المرتبطة بإنهاء الكفاح المسلح واعتماد استراتيجية قائمة على “الكفاح السياسي الديمقراطي”.
وتأتي الخطوة في سياق مسار بدأ في تركيا خلال العام الماضي، بعد دعوة زعيم الحزب عبد الله أوجلان، المسجون في تركيا، في 27 من شباط 2025، إلى حل الحزب وإلقاء السلاح وإنهاء الصراع المسلح المستمر منذ عقود. وكان “العمال الكردستاني” أعلن في أيار 2025 حل نفسه وإنهاء نشاطه المسلح استجابة لنداء أوجلان.
وأكدت قيادة الحزب في بيانها الجديد أن الدولة التركية لم يعد بإمكانها، وفقًا لتقديرها، الحديث عن وجود “تهديد مسلح” صادر عنها، مشيرة إلى أنها اتخذت ما وصفتها بأنها خطوات استثنائية لإنهاء النزاع.
في المقابل، ربط البيان استمرار مسار السلام بالخطوات التي ستتخذها الحكومة التركية، خصوصًا ما يتعلق بوضع أوجلان، إذ اعتبر أن عدم الاعتراف بأهمية الخطوات التي نفذها الحزب، وفي مقدمتها إنهاء وجوده المسلح، يعني استمرار سياسة “الإنكار والإمحاء” تجاه القضية الكردية، بحسب تعبيره.
وطالب الحزب الحكومة التركية باتخاذ خطوات “دون تأخير” لدفع ما سماه “عملية السلام والمجتمع الديمقراطي”، معتبرًا أن التعامل مع أوجلان وتوفير ظروف العمل والمعيشة له يمثلان المؤشر الأساسي على جدية أنقرة في مواصلة العملية.
جاء إعلان الانسحاب بعد سلسلة من الخطوات بدأت بدعوة أوجلان في شباط 2025 إلى حل حزب “العمال الكردستاني” وإلقاء السلاح، في تحول عن المسار المسلح الذي اتبعه الحزب منذ تأسيسه.
الدعوة التي وجهها أوجلان إلى حزبه تضمنت نداء لإنهاء النشاط المسلح وحل الحزب، في وقت كانت فيه تركيا تشهد حراكًا سياسيًا قاده زعيم حزب “الحركة القومية”، دولت بهتشلي، الحليف للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لدفع أوجلان إلى إصدار موقف بهذا الاتجاه.
وفي مراحل لاحقة، وضع قادة “العمال الكردستاني” شروطًا لعقد مؤتمر الحزب واتخاذ قرار حلّه وإلقاء السلاح، إذ قال عضو اللجنة التنفيذية مراد قره يلان إن التخلي عن السلاح يتطلب عقد مؤتمر، وإن دعوة أوجلان وحدها عبر رسالة أو تسجيل لا تكفي لاتخاذ القرار.
وفي 12 من أيار 2025، أعلن الحزب بالفعل حل نفسه ونزع سلاحه، وقال في بيان إن القرار يهدف إلى الوصول إلى حل ديمقراطي وسلام طويل الأمد.
وتزامن ذلك مع مسار قانوني وسياسي داخل تركيا لتوفير إطار لنزع السلاح وإعادة دمج عدد من عناصر الحزب السابقين، وقد صدر في 2026 تشريع تركي ينظم جوانب من العملية، بما في ذلك بعض الضمانات القانونية للمقاتلين الذين يتخلون عن السلاح، مع استثناء من ارتكبوا جرائم خطيرة.
يطرح إعلان الانسحاب سؤالًا عن انعكاس نهاية المسار المسلح لـ”العمال الكردستاني” على شمال شرقي سوريا، نظرًا إلى العلاقة السياسية والفكرية والتنظيمية التي تتحدث عنها تركيا بين الحزب والقوى الكردية الناشطة في سوريا، وعلى رأسها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المنحلة.
وخلال مسار الدعوة إلى حل “العمال”، شدد قائد “قسد” السابق ومستشار الرئاسة السورية، مظلوم عبدي، على أن رسالة أوجلان كانت موجهة إلى حزب “العمال الكردستاني” وليس إلى “قسد”، لكنه رحب في الوقت نفسه بالدعوة واعتبر إنهاء الحرب في تركيا وفتح طريق سياسي سلمي تطورًا إيجابيًا.
وفي آذار 2025، قال عبدي قال إن قواته غير معنية مباشرة بالرسالة لأنها موجهة إلى “العمال”، في حين كانت “قسد” قد دخلت في مسار منفصل للحوار مع دمشق، في حينها، بهدف دمج قواتها ضمن مؤسسات الدولة السورية، بعد توقيع اتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع ومظلوم عبدي في 10 من آذار 2025.
وفي المقابل، اعتبرت تركيا أن دعوة أوجلان لا ينبغي حصرها بالحزب الموجود في تركيا والعراق، وطالبت الفروع والتنظيمات المرتبطة به في سوريا والعراق بإلقاء السلاح أيضًا. ففي آذار 2025 دعا المتحدث باسم حزب “العدالة والتنمية” الحاكم عمر تشليك، التنظيمات التابعة لـ”العمال” في البلدين إلى الاستجابة لمسار نزع السلاح.
وتعود حساسية العلاقة بين “قسد” و”العمال” إلى سنوات الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا. فمظلوم عبدي قال في وقت سابق إن عددًا من قيادات وعناصر “العمال” ظهروا إلى جانب “قسد” خلال المعارك ضد التنظيم، لكنه نفى أن تكون “قسد” فرعًا من الحزب، وقال إن دور هؤلاء انتهى مع انتهاء تلك المرحلة.
وبالتوازي مع ذلك، شهد عام 2026 خطوات إضافية على الجانب السوري، حيث شهدت مناطق شمال شرقي سوريا تغيرات ميدانية تمثلت بسيطرة الجيش السوري على محافظتي الرقة ودير الزور إضافة إلى الأرياف الجنوبية والشرقية وقسم من الأرياف الغربية لمحافظة الحسكة، فيما انكفأت “قسد” إلى مدن المحافظة الكبرى كالحسكة والقامشلي.
هذه التغيرات خلقت حالة من الانقسام في الإدارة والسيطرة، فيما اتفقت الحكومة السورية و”قسد” في 29 كانون الثاني على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية في المحافظة ضمن الهياكل الوزارية الحكومية وهو ما بدأ بالفعل في شهر شباط الماضي، بشكل تدريجي.
وفي 25 من آب، أعلن مظلوم عبدي حل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وكافة التشكيلات التابعة لها، فيما أصدر الرئيس أحمد الشرع بعد يومين من ذلك، في 27 آب، مرسوماً بتعيين عبدي مستشاراً في رئاسة الجمهورية.
إلى ذلك، يأتي إعلان “العمال الكردستاني” الجديد في مرحلة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات: إنهاء التنظيم لنشاطه المسلح ضد تركيا، ومحاولة تثبيت المسار السياسي المتعلق بالقضية الكردية داخل تركيا، والتغيرات الجارية في شمال شرقي سوريا وترتيبات دمج المؤسسات في المنطقة ضمن هياكل الدولة السورية.
وفي بيانه الأخير، أبقى “العمال الكردستاني” تركيزه على الجانب التركي من العملية، إذ ربط استكمالها بخطوات أنقرة تجاه أوجلان وبالمسار السياسي، بينما يبقى انعكاس إنهاء الحزب لنشاطه المسلح على القوى الكردية في سوريا مرتبطًا بمسارات منفصلة، في مقدمتها ترتيبات الدمج ضمن مؤسسات الدولة السورية والعلاقة بين دمشق وأنقرة والملف الكردي في سوريا.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى