
صياد سمك على سرير نهر الفرات في محافظة الرقة - 11 أيار 2026 (عنب بلدي/ أحمد الحمدي)

صياد سمك على سرير نهر الفرات في محافظة الرقة - 11 أيار 2026 (عنب بلدي/ أحمد الحمدي)
الرقة – أحمد الحمدي
يجلس خالد العكوش على ضفة نهر “الفرات” في محافظة الرقة ممسكًا بصنارة الصيد لساعات طويلة، مترقبًا حركة المياه التي طالما كانت مصدر رزق ومتعة لأبناء المنطقة، لكن الرحلات التي كانت تنتهي في السابق بصيد وفير يصل إلى نحو 20 كيلوغرامًا في المرة الواحدة، باتت اليوم تنقضي في كثير من الأحيان من دون أن يعلق في الصنارة سوى “خيبة الأمل”، في مشهد يعكس التراجع الكبير الذي تشهده الثروة السمكية في النهر خلال السنوات الأخيرة.
وقال خالد لعنب بلدي، إنه كان يخرج يوميًا إلى الصيد، ويمضي عدة ساعات على ضفاف النهر، ليعود بكمية من الأسماك يبيعها، وتشكّل مصدر رزق له ولعائلته، لكن هذا المورد تراجع بشكل كبير بسبب قلة الأسماك.
تعرّض نهر “الفرات” خلال السنوات الماضية لاستنزاف في مخزونه السمكي نتيجة انتشار ممارسات الصيد الجائر، التي وصفها خالد بـ”الإبادة” التي ينفذها عدد من الصيادين باستخدام وسائل محظورة تلحق أضرارًا واسعة بالثروة السمكية.
وقال إن معظم الصيادين الذين يمارسون الصيد غير القانوني ينشطون خلال ساعات الليل، مستخدمين قوارب مجهزة بمولدات كهربائية، إذ يعمدون إلى تمرير تيار كهربائي في مياه النهر، ما يؤدي إلى صعق الأسماك وطفوها على سطح المياه، لكنه يتسبب في الوقت ذاته بخسائر كبيرة للمخزون السمكي والكائنات المائية الأخرى.
وتداولت منصات التواصل الاجتماعي، خلال الأيام الماضية، مشاهد مصوّرة أظهرت نفوق أعداد من الأسماك وطفوها على سطح مياه نهر الفرات، بالقرب من جسر الرقة القديم في مدينة الرقة، ما أثار تساؤلات ومخاوف بين السكان بشأن أسباب الظاهرة وتأثيراتها البيئية المحتملة على النهر والثروة السمكية في المنطقة.
ورجح الصياد حسن الأحمد أن تكون ناتجة عن استخدام مواد سامة أُلقيت في النهر، مثل “الزرنيخ” أو “الزهر”، والتي تعد من أخطر المواد التي يمكن استخدامها في الصيد، مؤكدًا أن أغلبية الصيادين لا يلجؤون إليها لما تسببه من أضرار واسعة تطال الأسماك والطيور والإنسان على حد سواء.
وقال حسن لعنب بلدي، إن هذه المواد السامة متوفرة في بعض محال بيع المستلزمات الزراعية، وتباع أحيانًا دون ضوابط كافية، رغم خطورتها العالية وتأثيرها المدمر على البيئة والكائنات الحية.
الصياد حسن الأحمد قال إن الثروة السمكية في نهر الفرات تعرضت خلال السنوات الماضية لتدهور كبير نتيجة غياب الرقابة وانتشار أساليب الصيد غير المشروعة، مشيرًا إلى أن أكثر المتضررين من هذه الممارسات هم الصيادون الذين يعتمدون الطرق التقليدية في الصيد، مثل الشباك والصنارة.
وأضاف أن العديد من الصيادين استغلوا حالة ضعف تطبيق القوانين خلال فترة الحرب، ولجؤوا إلى وسائل صيد محظورة، من بينها استخدام المواد المتفجرة والسامة، فضلًا عن الاستعانة بمخلّفات حربية كقذائف “RPG” وحشوات القنابل اليدوية في عمليات الصيد.
وأشار إلى أن الصيد بالكهرباء كان موجودًا قبل سنوات، لكنه شهد انتشارًا واسعًا خلال الفترة الماضية حتى أصبح ممارسة شائعة في بعض المناطق، الأمر الذي ألحق أضرارًا بالمخزون السمكي وأثر بشكل مباشر في البيئة النهرية.
حذّر الدكتور في تربية الحيوان عبد الرحمن الحمود، وهو مربٍّ للأسماك منذ أكثر من 30 عامًا، من استمرار عمليات الصيد الجائر في نهر الفرات، معتبرًا أنها من أبرز الأسباب التي تقف وراء تراجع المخزون السمكي في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وقال الحمود، إن النهر يتعرض لعمليات صيد غير مشروعة باستخدام الكهرباء والمتفجرات والسموم، إلى جانب وسائل أخرى تضر بالثروة السمكية وتؤثر في قدرتها على التجدد الطبيعي.
وأوضح أن الصيد بالتيار الكهربائي المتناوب يتسبب بأضرار مباشرة للأسماك، تشمل كسورًا في العمود الفقري ونزفًا في الجلد والغلاصم، كما يؤثر على الأعضاء التناسلية، ما ينعكس سلبًا على قدرتها على التكاثر وإكمال دورة حياتها.
وأضاف أن تأثير هذه الوسائل لا يقتصر على الأسماك الكبيرة، بل يمتد إلى الأسماك الصغيرة التي قد تنجو من الصعق الكهربائي لكنها تفقد توازنها وتصبح عرضة للافتراس، ما يفاقم من خسائر المخزون السمكي.
ووصف الحمود الصيد بالكهرباء بأنه “جريمة بحق البيئة والثروة السمكية”، مشيرًا إلى مشاهدته مرارًا قوارب صيد مزودة بمولدات كهربائية تعمل في وقت واحد وعلى مساحات واسعة من النهر.
وتابع أنه في بعض الأحيان تعمل عدة قوارب بشكل متوازٍ وكأنها تمشط النهر بالكامل، ما لا يترك مجالًا لنجاة الأسماك الصغيرة أو الكبيرة، ويؤدي إلى استنزاف المخزون السمكي بسرعة كبيرة.
في حديثه عن واقع الثروة السمكية، قال الصياد حسن الأحمد إن الصيد الجائر تسبب بتراجع حاد في أعداد الأسماك النهرية الأصيلة، حتى إن بعض الأنواع أصبحت نادرة جدًا أو على شفا الانقراض.
ومن أبرز هذه الأنواع سمكة “الفرخ”، التي تعد من أكبر أسماك الفرات، إذ قد يصل وزنها إلى 200 كيلوغرام، مشيرًا إلى أن مشاهدتها أو صيدها بات أمرًا نادرًا خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن أنواعًا أخرى تراجعت أعدادها بشكل ملحوظ، مثل “الرومي” و”الكارب الفضي” و”الكراسين”، في حين أسهم انتشار بعض الأنواع الدخيلة، وعلى رأسها سمك “البلطي”، في زيادة الضغوط على الأنواع المحلية بسبب سرعة تكاثره وقدرته على التأقلم مع البيئة النهرية، فضلًا عن تغذيه على بيوض الأسماك الأخرى وصغارها.
ويرى الصياد أن حماية الثروة السمكية تتطلب تشديد الرقابة على أساليب الصيد المخالفة، ومنع تداول المواد السامة، والعمل على إعادة تأهيل المخزون السمكي للحفاظ على التنوع الحيوي في نهر “الفرات”.
يضم نهر “الفرات” أنواعًا متعددة من الأسماك، وهو يدخل الأراضي السورية من مدينة جرابلس بريف حلب الشمالي ويخرج منها عند البوكمال بريف دير الزور الشرقي، قاطعًا مسافة 700 كيلومتر، مرورًا بمدينتي الرقة والطبقة.
ويمنع الصيد بشكل نهائي في النهر لمدة ثلاثة أشهر سنويًا، بدءًا من آذار حتى أيار، وهي فترة تكاثر الأسماك، لكن، وبحسب كل من تحدثت إليهم عنب بلدي، لا يلتزم معظم الصيادين بالامتناع عن الصيد خلال تلك المدة.
وعلى الرغم من امتداد نهر “الفرات” لمسافات طويلة ضمن محافظة الرقة، فإن المحافظة تعتمد على استيراد كميات من الأسماك من مناطق أخرى، في ظل التراجع الملحوظ للمخزون السمكي في النهر، كما يقتصر بيع الأسماك على عدد محدود من “المسامك” المنتشرة بالقرب من ضفاف “الفرات”.
وتُباع الأسماك في محافظة الرقة عبر عدد قليل من المحال التجارية، تتركز معظمها في محيط دوار الدلة، المعروف محليًا باسم “دويرة الخضرة”، والذي يعد المركز الرئيس لتجارة الأسماك في المدينة.
ويشهد نهر “الفرات”، منذ أيار الماضي، زيادة في تدفق مياهه، مما يتيح فرصة لتحسن واقع الثروة السمكية في النهر وزيادة فرص تكاثر الأسماك واستعادة جزء من مخزونها الطبيعي.
الدكتور في تربية الحيوان عبد الرحمن الحمود قال إن موسم تكاثر معظم أنواع الأسماك في نهر “الفرات” يمتد بين 15 من آذار و31 من أيار من كل عام، وهي فترة تتطلب تشديد إجراءات الحماية ومنع الصيد بشكل صارم.
وأضاف أن دوائر الثروة السمكية تحتاج إلى دعم فعلي من خلال ضابطة شرطية متخصصة، إلى جانب تعاون الجهات القضائية لتطبيق العقوبات بحق المخالفين، مؤكدًا أن مواجهة الصيد الجائر تتطلب تكاملًا بين الجهات الرقابية والأمنية والقضائية.
واقترح الحمود مجموعة من الإجراءات للحد من استنزاف الثروة السمكية، أبرزها تنظيم حملات توعية ودورات إرشادية للصيادين، وتقديم تعويضات للصيادين المرخصين خلال فترات منع الصيد، إلى جانب إصدار وتطبيق قوانين رادعة بحق المخالفين.
كما دعا إلى تفعيل المخافر النهرية ونقاط المراقبة، وتحديد كميات الصيد المسموح بها لكل صياد، وإنشاء مناطق محمية لتكاثر الأسماك، إضافة إلى رفد النهر بـ”إصبعيات” أسماك “الكارب” و”العاشق والفضي” لتعويض النقص في المخزون السمكي.
وأكد ضرورة دعم مؤسسات الثروة السمكية بالزوارق والآليات والمعدات اللازمة لتنفيذ مهامها الرقابية.
ويرى الدكتور أن قطاع الثروة السمكية في سوريا لا يزال يمتلك إمكانات كبيرة غير مستثمرة بالشكل الكافي، ويحتاج إلى دعم حكومي ودولي حقيقي.
وأوضح أن المنطقة تمتلك مسطحات مائية واسعة وأراضي مناسبة للاستزراع السمكي، فضلًا عن توفر المياه وبحيرات السدود التي يمكن الاستفادة منها في تطوير مشاريع إنتاج الأسماك.
وأشار إلى أن بحيرات سدود “الفرات” و”المنصورة” و”تشرين” قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الأقفاص العائمة الخاصة بتربية الأسماك، ولا سيما في ظل الطلب المتزايد على المنتجات السمكية.
وأضاف أن أجزاء من مجرى النهر يمكن استثمارها أيضًا في مشاريع تربية الأسماك، إلا أن هذه المشاريع تحتاج إلى دعم فني ومالي مناسب، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السوريون بعد سنوات الحرب.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى