الحراثة في الجزيرة السورية.. ما الذي تغير بين الماضي والحاضر؟

camera iconبدء حراثة الأراضي للموسم الشتوي في الجزيرة السورية – 8 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

مع أولى أمطار الخريف التي هطلت على مناطق من الجزيرة السورية قبل عدة أيام، بدأ المزارعون الاستعداد لموسم الحراثة الشتوية، تمهيدًا لزراعة المحاصيل، وفي مقدمتها القمح والشعير، اللذان يشكلان جزءًا أساسيًا من النشاط الزراعي في المنطقة.

وتتقدم الحراثة خطوات العمل في الحقول، إذ تتطلب تجهيز الأرض سلسلة من العمليات التي تختلف باختلاف طبيعة التربة ورطوبتها ونوع المحصول المراد زراعته، فضلًا عن توفر الآليات الزراعية وتكاليف تشغيلها.

وبينما يعتمد المزارعون اليوم على الجرارات والمحاريث والآلات المخصصة لتفتيت التربة وتسويتها، لا تزال الأدوات التقليدية حاضرة في ذاكرة كبار السن الذين عاصروا مرحلة كانت فيها الحيوانات والأدوات الخشبية والحديدية تؤدي معظم أعمال الحراثة.

وقال المهندس الزراعي حسن حميد، في حديث لعنب بلدي، إن توقيت بدء الحراثة يرتبط بكمية الأمطار التي تتلقاها المنطقة وحالة التربة، موضحًا أن هطول المطر لا يعني بالضرورة أن جميع الأراضي أصبحت جاهزة للحراثة في الوقت نفسه، لأن طبيعة التربة ومدى احتفاظها بالرطوبة يختلفان من حقل إلى آخر.

وأضاف حميد أن بعض المزارعين يفضلون انتظار الهطولات الأولى قبل إدخال الآليات إلى الأرض، إذ تساعد الرطوبة على تهيئة التربة للعمل، في حين قد تكون الحراثة في التربة الجافة شديدة الصلابة أكثر صعوبة وتكلفة. وفي المقابل، فإن دخول الآليات إلى الأرض عندما تكون مشبعة بالمياه قد يؤدي إلى تكتل التربة أو انضغاطها، ما يجعل تقدير التوقيت المناسب خطوة مهمة قبل بدء العمل.

وأشار المهندس الزراعي إلى أن بعض المزارعين ينتظرون بعد المطر فترة تسمح بظهور الأعشاب التي تنبت مع الرطوبة، ثم يعمدون إلى تقليب سطح التربة أو تمشيطه للتخلص منها قبل الزراعة. وتعرف هذه الممارسة زراعيًا باسم “المرقد الكاذب”، عندما تنفذ ضمن خطة مناسبة لتحضير الأرض، لكنها ليست قاعدة تصلح لجميع الحقول، وفق حميد، لأن تأخير الحراثة قد لا يكون مناسبًا في حال اقترب موعد الزراعة أو لم تتوفر رطوبة كافية.

من الحراثة إلى تنعيم التربة

لا تقتصر عملية تجهيز الأرض على قلب التربة، بل تتضمن استخدام أدوات وآلات مختلفة، تؤدي كل منها وظيفة محددة بحسب حالة الحقل وطبيعة العمل المطلوب. ومن أبرز هذه المعدات المحراث الذي يستخدم في شق التربة وتقليبها، والقرص المعروف باسم “الديسك”، إضافة إلى “الهارو” الذي يستخدم في عمليات تمشيط التربة وتفتيت الكتل الترابية وتسوية سطحها بدرجات متفاوتة.

وأوضح حميد أن المحاريث الحديثة التي تجرها الجرارات الزراعية تتنوع بحسب تصميمها وطريقة عملها، فهناك المحاريث القلابة التي تقلب شريحة من التربة، وأخرى تعتمد على أسنان أو أجزاء معدنية تخترق الأرض وتفككها دون قلبها بالكامل. ويعتمد اختيار الآلة على طبيعة الأرض ودرجة تماسكها والهدف من الحراثة، وليس على توفر الآلة وحده.

وأضاف أن مصطلح “السكة” قد يستخدم في الحديث المحلي للإشارة إلى المحراث، أو إلى الجزء الحديدي الذي يشق التربة في بعض أنواع المحاريث، بينما يرد مصطلح “الفدان” في بعض الاستخدامات الشعبية للإشارة إلى منظومة الحراثة أو المحراث، وقد تختلف دلالته من منطقة إلى أخرى.

أما “الديسك”، فيعتمد على أقراص معدنية تدور أثناء جر الآلة فوق الأرض، فتعمل على تفكيك التربة وتقطيع بقايا النباتات وخلطها بالطبقة السطحية. ويستخدم هذا النوع من المعدات في عمليات تحضير الأرض، لكن عمق العمل وشدته يتوقفان على تصميم الآلة وإعداداتها وحالة التربة.

وفي المقابل، يؤدي “الهارو” وظيفة تمشيط التربة وتفتيت الكتل التي قد تبقى بعد الحراثة، ويساعد على تجهيز سطح مناسب للبذر. وهناك أنواع مختلفة من الأمشاط الزراعية، منها ما يعتمد على الأقراص ومنها ما يستخدم الأسنان المعدنية.

ولفت حميد إلى أن بعض الحقول تحتاج إلى أكثر من مرحلة من العمل، تبدأ بالحراثة، ثم تفتيت الكتل وتسوية السطح، وصولًا إلى البذر. وقد يستخدم المزارع أداة تسوية عندما تستدعي حالة الأرض ذلك، لكن هذه الخطوات ليست ثابتة في جميع الأراضي، وفق المهندس الزراعي، إذ تتحدد وفق طبيعة التربة والمحصول ونظام الزراعة، سواء أكان معتمدًا على الأمطار أم على الري.

ويأتي البذار بعد تجهيز الأرض، باستخدام بذارات آلية توزع البذور على مسافات وأعماق محددة وفق إعدادات الآلة ونوع المحصول. وتساعد هذه الآلات على تنظيم عملية الزراعة، إلا أن نجاحها يرتبط أيضًا بحسن تحضير الأرض وضبط البذارة ومراعاة ظروف الرطوبة.

أدوات قديمة استبدلتها الآلات

قبل انتشار الجرارات الزراعية والمعدات الحديثة، اعتمد مزارعو الجزيرة السورية على أدوات بسيطة تجرها الحيوانات، ولا سيما الثيران، لإنجاز الحراثة. وكانت العملية تتطلب جهدًا بدنيًا ووقتًا أطول، فضلًا عن خبرة في توجيه الحيوانات والتحكم باتجاه المحراث وعمق دخوله في الأرض.

وقال رجب صالح، وهو من كبار السن في المنطقة ممن استخدموا الآلات التقليدية، لعنب بلدي، إن الحراثة قديمًا كانت تبدأ بتجهيز المحراث وربطه بالحيوانات، ثم توجيهها في مسارات متتابعة داخل الحقل. وكان نجاح العمل يعتمد على قدرة الفلاح على ضبط حركة الحيوانات والمحافظة على اتجاه الخطوط، إلى جانب معرفته بطبيعة الأرض وموعد العمل المناسب.

وأوضح صالح أن المحراث التقليدي كان يتكون من أجزاء خشبية وحديدية، يتقدمها جزء معدني يعرف باسم “السكة”، يتولى شق التربة أثناء حركة المحراث. وكان المحراث يحتاج إلى هيكل يحمل أجزاءه ويوصل قوة الجر إليه، فيما يستخدم النير لربط الحيوانات وتجهيزها للعمل، وفق التصميم المتبع في كل منطقة.

وأضاف أن بعض الأدوات الصغيرة كانت تؤدي وظائف لا تقل أهمية عن المحراث نفسه، إذ يحتاج الفلاح إلى عصا طويلة لتوجيه الحيوانات وحثها على الحركة، كما كان يستخدمها لإزالة الطين الذي يلتصق بأجزاء المحراث أثناء العمل.

ومن بين التسميات التي ترد في وصف أدوات الحراثة التقليدية، على لسان صالح، “الكابوسة” و”المسّاس”.

وبحسب صالح، لم يكن الانتقال من الحراثة التقليدية إلى الآلات الحديثة مجرد استبدال أداة بأخرى، بل غيّر سرعة إنجاز العمل وحجم المساحات التي يستطيع المزارع تجهيزها. فالمحراث الذي كانت تجره الحيوانات يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين، بينما تستطيع الجرارات إنجاز العمل في مساحة أوسع خلال مدة أقصر، وإن كانت تكاليف الوقود والصيانة واستئجار المعدات أصبحت من العوامل التي تدخل في حسابات المزارعين اليوم.

الحراثة جزء من ذاكرة الريف

إلى جانب وظيفتها الزراعية، تحمل الأدوات القديمة دلالات اجتماعية مرتبطة بطبيعة الحياة الريفية وتقاسم العمل بين أفراد الأسرة والمجتمع. فقد كان تجهيز الأرض يتطلب تعاونًا وخبرة تنتقل من جيل إلى آخر، فيما كانت معرفة مواعيد الحراثة وقراءة تغيرات الطقس وحالة التربة جزءًا من خبرة الفلاح اليومية.

وقال الخبير الاجتماعي أحمد الحسن لعنب بلدي إن التحول من الأدوات التقليدية إلى الآلات الحديثة يعكس تغيرًا أوسع في الحياة الريفية، شمل طبيعة العمل الزراعي والوقت اللازم لإنجازه والعلاقة بين المزارع والأرض. فبعد أن كانت الحراثة تعتمد بدرجة كبيرة على قوة الحيوانات والجهد البشري، أصبحت مرتبطة بتوفر الآليات والوقود والقدرة على تحمل تكاليف التشغيل.

وأضاف الحسن أن الأدوات التقليدية لا تمثل مجرد وسائل إنتاج قديمة، بل تشكل جزءًا من الذاكرة الاجتماعية للمجتمعات الزراعية، لأنها ترتبط بتجارب الفلاحين وأساليب عملهم والمعارف التي اكتسبوها عبر سنوات طويلة. ومن شأن توثيق هذه الأدوات وأسمائها ووظائفها، وفق الحسن، أن يحفظ جانبًا من التراث الزراعي المحلي، خصوصًا مع تراجع استخدامها بعد انتشار الميكنة.

وأشار إلى أن توثيق المصطلحات يحتاج إلى الاستماع إلى كبار السن والمزارعين في أكثر من منطقة، وتصوير الأدوات التي لا تزال محفوظة لديهم، وتسجيل أسمائها باللهجات المحلية مع شرح طريقة استخدامها. فبعض التسميات قد تختلف من قرية إلى أخرى، وقد يحمل الاسم الواحد أكثر من معنى بحسب السياق.

ومع بدء موسم الحراثة الشتوية بعد أولى أمطار الخريف، تتداخل في حقول الجزيرة السورية خبرة متوارثة مع أدوات حديثة تتيح تجهيز الأرض بسرعة أكبر.

وبينما يستعد المزارعون لزراعة القمح والشعير، يبقى نجاح الموسم مرتبطًا بعوامل عدة، أبرزها انتظام الأمطار وتوقيت العمليات الزراعية وحالة التربة وتكاليف الحراثة والبذار. وفي الوقت نفسه، تتيح هذه المرحلة فرصة لاستعادة جانب من تاريخ الزراعة في المنطقة، من خلال توثيق الأدوات التي استخدمها الفلاحون قديمًا، والأسماء التي أطلقوها عليها، والمعارف التي صاحبت استخدامها.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة