
من عمليات تعزيل مجرى نهر البليخ في الجهة المقابلة لبلدة الحمرات بريف الرقة الشرقي - 3 أيلول 2026 (عنب بلدي)

من عمليات تعزيل مجرى نهر البليخ في الجهة المقابلة لبلدة الحمرات بريف الرقة الشرقي - 3 أيلول 2026 (عنب بلدي)
على ضفاف المجرى الطبيعي المتلوي شرقًا أسفل قرى الحمرات، حيث ينحرف نهر البليخ في أمتاره الأخيرة ليصب في الفرات عند قرية “حمرة ناصر”، تتجلّى اليوم أبعاد كارثة بيئية غير مسبوقة.
فمع تحول معظم مياه النهر شمالي “السمرا” باتجاه قنوات التصريف، انخفض تدفق المجرى الأدنى إلى مستويات حرجة، مدخلًا القطاع النهائي في نفق مظلم من التلوث الحاد، وتصاعد الملوحة، وانعدام الأكسجين الذائب في المياه، ما أدى إلى موتها بيولوجيًا ونفوق أحيائها.
هذا المجرى الذي تحول اليوم إلى بيئة راكدة تفتقر لمقومات الحياة الصحية، كان في الماضي شريانًا غزيرًا ونظيفًا قامت على ضفافه أقدم الحضارات ومراكز التجارة العالمية، فمن موقع “تل زيدان” التاريخي، إلى حاضرة “توتول” (تل البيعة) التي أدارت قوافل الشرق نحو بلاد الرافدين وإيمار في الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، كانت مياه البليخ دفق الحياة الأول ومحط إشادة المؤرخين.
أما اليوم، وفي ظل مناخ جاف وأمطار شحيحة، يقف هذا الإرث الحضاري والبيئي على حافة الزوال، بعد أن تحول النهر التاريخي في قطاعه الأخير إلى مستنقع يصارع الموت الحركي والبيولوجي، مهددًا بالقضاء على ما تبقى من غطائه النباتي وهويته الجغرافية.

من عمليات تعزيل مجرى نهر البليخ في الجهة المقابلة لبلدة الحمرات بريف الرقة الشرقي – 3 أيلول 2026 (عنب بلدي)
يوضح الباحث البيئي، أحمد الواجد، في حديث إلى عنب بلدي، أن التراجع الحاد والتأرجح في التصريف المائي للقطاع النهائي لنهر البليخ يبدأ فور انفصاله عن قناة التصريف.
ويشير الواجد إلى أن جذور المشكلة لا تكمن في وجود القناة بحد ذاتها، بل في غياب آليات تنظيم دقيقة لتوزيع الجريان، إذ تستأثر القناة بالجزء الأكبر من المياه مستفيدة من عمقها ومساحتها وسعتها التصريفية المرتفعة، ما يجعلها تتحكم بالمسار الهيدروليكي بأكمله.
وفي ظل غياب حصة مائية مقرة تضمن حدًا أدنى مستمرًا من الجريان البيئي داخل المجرى الطبيعي، تبرز هشاشة الحلول الهندسية المؤقتة، مثل الاعتماد على سدة حجرية غير مستقرة لرفع المنسوب، إذ تتعرض هذه السدة للتفكك والانجراف المستمر بفعل العوامل الطبيعية والزمن.
ويضيف الباحث، أن المجرى يواجه ضغوطًا مضاعفة نتيجة التدخلات البشرية المباشرة، التي تشمل تفكيك الحجارة عمدًا، وتحويل المياه نحو مصارف وقنوات فرعية تقع في بداية هذا القطاع.
وتبدو بعض هذه القنوات المستحدثة أعمق من سرير النهر الطبيعي بعد أن خضعت لعمليات توسيع زادت من قابليتها الهيدروليكية، لتستحوذ بشكل شبه كامل على التدفقات المائية، ولا سيما في أوقات انخفاض المنسوب.
وتنعكس هذه التعديات هيدرولوجيًا بتراجع حاد في الإمداد المائي الواصل إلى المقاطع الوسطى والنهائية من النهر، مسببة تقطعًا كاملًا في الجريان، وتحول أجزاء واسعة منه إلى بقع راكدة ميتة.
وتكشف المشاهدات الميدانية التي وثقها الواجد عن غياب تام لحرم نهري واضح يحمي النهر من التجاوزات. فقد أغرى انقطاع المياه وجفاف القاع السكان المحليين باستخدام السرير الأصغر للمجرى مساراتٍ للعبور وطرقًا ترابية، فضلًا عن تمدد المساحات الزراعية وزحف الحراثة الجائرة حتى ضفاف النهر مباشرة.
وتحذّر الدراسة من أن هذه الممارسات العشوائية تزيد من تفاقم الوضع عبر ردم المجرى، وتضييق خانقه، وزيادة ترسب الرواسب داخل السرير، مما يشل قدرة النهر ذاتيًا على استعادة وظيفته المائية والبيئية حتى في حال عودة الجريان مستقبلًا.
وفي سياق متصل، يؤكّد الواجد أن مواجهة هذه التغيرات الهيدرومورفولوجية السلبية (الخصائص المائية والشكلية) في كل من القناة والمجرى الطبيعي تتطلب خطوة هندسية عاجلة، تتمثل في إعادة تنظيم توزيع الجريان، وضخ جزء من المياه المحوّلة إلى قناة التصريف نحو السرير الأصلي للنهر، بما يضمن حدًا أدنى مستمرًا من التدفق البيئي القادر على إنعاش المجرى.
تتقاطع الأدلة التاريخية التي وثقها الباحث البيئي أحمد الواجد بصور فوتوغرافية لجريان نهر البليخ الطبيعي قبل ربع قرن، مع روايات كبار السن والمشاهدات الميدانية الحديثة، لتعكس حجم التحول الجوهري والمستمر في النظام البيئي للنهر.
وتفيد الشهادات الموثقة بأن مياه البليخ كانت، حتى مطلع تسعينيات القرن العشرين، صالحة للشرب والاستخدامات المنزلية، مدفوعة بتدفق ينابيع عذبة غزيرة.
ومع نضوب هذه الينابيع المغذية، واجه النهر تحولًا دراماتيكيًا، إذ تحول مجراه التاريخي إلى ممر لمياه الصرف الزراعي والصحي، مما أدى إلى ارتفاع حاد في الحمل الملحي مسجّلاً بين أول القطاع وآخره نسبًا بيئية خطيرة تراوحت بين 1220 و1450 جزءًا بالمليون، وترافق ذلك مع ضحالة المجرى، وركود المياه، وتراكم الرواسب الطينية، ولا سيما عند المنعطف النهري الأخير المؤدي إلى نهر الفرات.
هذا التدهور المائي أفرز اختلالًا قاسيًا في البنية الحيوية والغطاء النباتي المحيط، فبعد أن كان النهر يحظى بتنوع بيئي غني ومقاوم يضم نباتات مثل “العرقسوس”، و”الخرنوب الشوكي”، و”العاقول”، والعديد من النباتات الشوكية، انحسر هذا التنوع تمامًا ليفسح المجال أمام سيطرة مطلقة لنبات “القصب الشائع”.
ويبيّن الواجد أن الغطاء النباتي الطبيعي يلعب دورًا حاسمًا في استقرار الجريان السطحي والحد من التغيرات الشكلية لسرير النهر.
وقد امتد هذا الأثر السلبي ليطال التوازن الحيواني، إذ تسببت البيئة الراكدة الجديدة في هجرة كائنات وثّق كبار السن وجودها الكثيف سابقًا، كالسلاحف النهرية، والأسماك، ومجموعات الطيور البرية كالإوز، والبط، وبجع الماء، والزرزور، والقطا.
وينبّه الباحث من خطورة اختفاء هذه الطيور التي تُعدّ خط الدفاع البيئي الأول في هذه البيئة الزراعية، نظرًا لدورها الحيوي في التهام الحشرات والقوارض الضارة بالمحاصيل.
وتلفت هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن النهر يمر بحالة “تعاقب تراجعي” حاد، يُعيد هندسة الموائل الطبيعية والمجتمع النباتي نحو التدهور والتصحر.
يعتبر التدهور المتسارع في جودة ونوعية المياه المقارنة بالحقبة التاريخية للنهر أحد أوضح المظاهر الاستقصائية للتراجع البيئي، إذ تزامنت معضلة انخفاض التصريف المائي وتقطع الجريان مع تدفق مياه الصرف الزراعي الملوثة مباشرةً نحو المجرى الرئيسي، كالتي تصب من المصرف الواقع بين قريتي “حمرة غنام” و”حمرة بويطية”.
ولإعطاء صورة دقيقة ومبنية على قياسات علمية، شخّص الواجد الخصائص الفيزيائية والكيميائية للمياه عبر سحب وتحليل نحو 28 عينة من مياه النهر والمياه الجوفية المجاورة له.
واعتمدت عملية التقويم الميداني على أدوات فحص رقمية ومخبرية، شملت جهاز فحص جودة المياه الرقمي متعدد الوظائف، وشرائط فحص البول المخبرية، وجهاز فحص الكلور والحموضة اليدوي.
فضلًا عن إجراء تحرٍّ نوعي دقيق للكشف عن مركبات “النتريت” السامة في موقعين مختلفين من المجرى الأدنى، وهو ما أثبت مخبريًا الموت البيولوجي والكيميائي لآخر قطاعات نهر البليخ.
يكشف التقويم الميداني المخبري الذي أجراه الباحث البيئي عن مفارقة بيئية مقلقة، بحسب ذكره، إذ سجّلت الآبار الجوفية المحيطة بالنهر قيمًا أعلى عمومًا للتوصيل الكهربائي والمواد الصلبة الذائبة مقارنةً بمعظم العينات النهرية.
وتبرز هذه النتيجة، وفق الواجد، الأهمية القصوى للحفاظ على مورد مائي نهري مستدام وأقل ملوحة نسبيًا للاستخدامات الزراعية، لحماية التربة من التملح السريع.
وتتضاعف هذه المخاطر مع رصد تدفقات مستمرة لمياه الصرف الصحي نحو المجرى، وخاصة بعد لجوء السكان المحيطين إلى توجيه العديد من الحفر الامتصاصية المنزلية غير المعالجة لتصب في جسم النهر مباشرة.
وتثبت التحاليل الكيميائية هذا التداخل الملوث، إذ أظهر التحري النوعي عن مركبات “النتريت” السامة نتيجة إيجابية واضحة في عينة المصرف، وكذلك في العينة المأخوذة من نقطة الالتقاء والامتزاج مع مياه النهر عند الجسر.
وبناءً على هذه المعطيات، يرجّح الواجد أن هذا المصرف بات يستقبل مزيجًا هجينًا من مخلفات الصرف الزراعي المحملة بالأسمدة ومياه الصرف المنزلي الملوثة، ما تسبب في توسيع دائرة الضغوط النيتروجينية السامة لتتمدد وتغمر أجزاءً أخرى واسعة، مهدّدة المخزون المائي السطحي والجوفي على حد سواء.
لا تتوقف أبعاد الكارثة عند جودة المياه فحسب، بل تمتد لتتفاعل سلبيًا مع الخصائص الفيزيائية لتربة المنطقة التي تتميز بسيادة القوام الطيني في عدد من المواقع.
ويشير الواجد إلى أن المعاينات الحقلية المتكررة أظهرت انتفاخًا ميكانيكيًا واضحًا في جزيئات التربة عند تشبعها بالمياه، مقابل انكماشها الحاد وتشققها بشكل عميق عند الجفاف وشح التدفقات المائية.
وتكمن الخطورة العلمية لهذه الخاصية الفيزيائية في تأثيرها المباشر على خفض نفاذية الماء، وعرقلة تهوية الجذور النباتية، وتنشيط حركة الأملاح الصاعدة نحو السطح.
ووفقًا للباحث، تعيق هذه التغيرات الهيكلية في بنية التربة عمليات الخدمة الزراعية التقليدية وتزيد من إجهاد المحاصيل، الأمر الذي يفرض على الجهات المعنية والمزارعين التحول نحو إدارة ري وصرف بالغة الدقة والمراقبة، للحيلولة دون خسارة المساحات الزراعية المحيطة بآخر قطاعات نهر البليخ وتحولها إلى أراضٍ سبخة ميتة.
يتجاوز التدهور البيئي لنهر البليخ حدوده المائية ليمتد مباشرة إلى الأراضي الزراعية المحاذية لمجراه. وفي القطاعات التي لا يزال يصل إليها النهر، يضطر الفلاحون للري من بقع مائية راكدة تلوثت بالكامل بمياه الصرف الزراعي والصحي، بسبب ضعف الجريان الذي أفقد النهر قدرته الطبيعية على تجديد مياهه وتخفيف السموم.
أما في القطاعات النهائية التي ضربها الجفاف التام، فتحوّلت معاناة الفلاحين إلى واقع مرير، إذ أجبرهم غياب النهر على الارتهان الكامل للآبار الجوفية الضحلة.
ويكشف الباحث البيئي أن قياساته الميدانية وتجاربه المخبرية أكدت ارتفاعًا حادًا في الملوحة والمواد الصلبة الذائبة في هذه الآبار مقارنة بالنهر، ما يفرض ضغطًا ملحيًا خانقًا على الأراضي.
ومع غياب شبكات صرف فعّالة، تراكمت الأملاح في جذور النباتات وتراجعت إنتاجية التربة، وهو ما ظهر ميدانيًا في حقول “الذرة الصفراء” التي عانت من التقزم وتغيّر لونها.
ويرى الواجد أن طوق النجاة الأقرب هو العودة لمياه النهر، فعلى الرغم من حملها الملحي المتوسط، تظل خيارًا أقل ضررًا من المياه الجوفية.
ومع ذلك، فإن طبيعة التربة الطينية السائدة ومعدلات التبخر العالية تفرضان قيودًا صارمة، خاصة مع خطر انتقال الملوثات النيتروجينية والميكروبية من الحفر الامتصاصية ومصرف “فايج صبحة” نحو الحقول، مما ينذر بنقل الأمراض من الوسط المائي إلى المحصول ومن ثم إلى الإنسان.
تجمع نتائج الدراسة الميدانية على أن إنقاذ القطاع النهائي من نهر البليخ يتطلب خطوة عاجلة لتأمين حد أدنى مستمر من “التدفق البيئي” في مجراه الطبيعي.
ولا تقتصر أهمية هذا التدفق على توفير مياه ري أقل ملوحة للفلاحين فحسب، بل يسهم أساسًا في تحسين حركة المياه، ورفع نسبة الأكسجين، والحد من ركود وتركيز الأملاح والسموم في القاع ما يُعيد التوازن الحيوي للغطاء النباتي والموائل المائية.
ولا تتوقف معوقات النهر عند شح المياه، إذ وثّق الواجد تحول أجزاء من ضفة النهر القريبة من “جسر حمرة غنام” إلى مكب عشوائي للنفايات المنزلية التي ألقاها الأهالي ووصلت إلى قلب المجرى، مشوهة المشهد الطبيعي ومفرزة أخطارًا صحية إضافية.
ويخلص الباحث البيئي إلى أن إزالة هذه المكبات وضبط التعديات مسؤولية مباشرة تقع على عاتق البلديات المحلية، المطالبة بالتحرك الفوري واستغلال صلاحياتها لوقف هذا التدهور واستعادة عافية الشريان التاريخي للمنطقة.
يؤكّد الباحث البيئي أن وقف النزيف البيئي والزراعي في المجرى الأدنى لنهر البليخ يتطلب انتقالًا فوريًا من مرحلة رصد الأزمة إلى تطبيق حلول هندسية وبيئية مستدامة. وتتلخص أبرز التوصيات التي خرج بها في:
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى