
تختزن قلعة القدموس قرونًا من تاريخ الساحل السوري فيما تبرز الحاجة إلى ترميم أضرار الزلزال وإحياء دورها الثقافي والسياحي - 24 آذار 2025 (محافظة طرطوس/تلجرام)

تختزن قلعة القدموس قرونًا من تاريخ الساحل السوري فيما تبرز الحاجة إلى ترميم أضرار الزلزال وإحياء دورها الثقافي والسياحي - 24 آذار 2025 (محافظة طرطوس/تلجرام)
عنب بلدي – شعبان شاميه
تشكّل قلعة “القدموس” الأثرية في محافظة طرطوس نموذجًا فريدًا للقلاع العسكرية الشاهقة، إذ تجمع بين عبقرية العمارة والتموضع الجغرافي الاستراتيجي.
وتكتسب القلعة، الشامخة فوق كتلة صخرية معزولة بارتفاع كبير شرق بانياس، أهمية استثنائية في قراءة تاريخ المنطقة، كما وفر لها هذا التحصين الطبيعي مجال رؤية بانوراميًا كاشفًا للمحيط، وجعل منها حصنًا دفاعيًا عصيًا على الاختراق، يختزل اليوم فصولًا ممتدة من الذاكرة والتراث الإنساني.
في سياق القيمة التاريخية للموقع، أوضح الباحث في التاريخ الاجتماعي والثقافي والعمراني الحديث الدكتور رفعت عثمان، في حديث إلى عنب بلدي، أن الأهمية الاستثنائية لقلعة “القدموس” تكمن في كونها شاهدًا حيًا على مرحلة شديدة الحساسية والأهمية من تاريخ الساحل السوري.
ولفت عثمان إلى أن جذور المنطقة المأهولة تعود إلى العهود الفينيقية، مستدلًا على ذلك باسم “القدموس” الذي يعود لأمير فينيقي، في حين ترتبط معظم بقاياها العمرانية القائمة اليوم بالقرن الـ12 الميلادي.
بعد أن كانت القلعة خاضعة لحكم بني المحرز، قام أميرها حمدان بن حسن بتسليمها إلى الإسماعيليين عام 1129م، لتتحول إلى ركيزة أساسية ضمن منظومتهم الدفاعية والسياسية التي ضمت سلسلة من القلاع الجبلية في الساحل السوري، أبرزها: الكهف، ومصياف، والخوابي.
وعلى مر العصور، بقيت المنطقة بؤرة للتنافس السياسي والعسكري، إذ فرض السلطان المملوكي الظاهر بيبرس حصارًا عليها في القرن الـ13 حتى استولى عليها، لتبدأ بعدها أعمال إصلاح وتحصين واسعة النطاق.
ومع حلول القرن الـ19، شهدت القلعة تراجعًا في وظيفتها العسكرية إثر الأضرار التي لحقت بها خلال حملة إبراهيم باشا (ابن والي مصر محمد علي)، لتتحول في العصر الحديث إلى موقع أثري وتراثي، قبل أن تلحق بها أضرار كبيرة نتيجة الزلزال الذي تأثرت به سوريا في شباط 2023.
وأكد عثمان أن قلعة “القدموس” تمثل مشهدًا ثقافيًا متكاملًا يدمج الطبيعة الساحرة بالذاكرة الشعبية والمجتمع المحلي.
وفي حين يحذر من اختزال القلعة في “أثر صامت”، يدعو إلى تبني رؤية تنموية شاملة تحول هذا الإرث التاريخي إلى رافد اقتصادي واجتماعي مستدام لأبناء المنطقة.

تختزن قلعة القدموس قرونًا من تاريخ الساحل السوري فيما تبرز الحاجة إلى ترميم أضرار الزلزال وإحياء دورها الثقافي والسياحي – 24 آذار 2025 (محافظة طرطوس/تلجرام)
تتميز عمارة قلعة “القدموس”، وفق ما أشار إليه الباحث في التاريخ الاجتماعي والثقافي والعمراني الحديث، بعلاقة واضحة بين البناء والتضاريس الطبيعية، فقد استُثمرت الصخرة التي تقوم عليها القلعة كجزء من نظام التحصين، وأقيمت فوقها جدران وأسوار وأبراج تتلاءم مع طبيعة الموقع.
ويبرز السور الخارجي باعتباره أحد أهم عناصر العمارة الدفاعية، فهو جدار ضخم مائل من الخارج، شُيّد من الحجارة المنحوتة، ويصل ارتفاعه في بعض أجزائه إلى نحو 26 مترًا، وزُوّد بأبراج ذات أشكال مختلفة، دائرية ومربعة ومستطيلة، إضافة إلى مداخل وفتحات دفاعية.
أما المدخل الرئيس الحالي فيعود إلى مرحلة إعادة البناء المملوكية في عهد الظاهر بيبرس، ويقود إلى ممر دفاعي طويل ومتعرج، وهو أسلوب كان يهدف إلى إبطاء المهاجم وإجباره على تغيير اتجاهه قبل الوصول إلى قلب الحصن.
ويضم الممر درجات عديدة، فيما تتصل أجزاء القلعة ببعضها عبر أدراج وممرات متداخلة.
ومن العناصر اللافتة كذلك الأبراج الدفاعية، التي تطورت عبر مراحل تاريخية مختلفة، فقد أُعيد بناء بعض أجزاء الجبهة الجنوبية بعد أضرار الحصار، وأضاف المماليك أبراجًا جديدة، من بينها برج مربع ضخم في عهد السلطان قلاوون، كما زُوّدت الأسوار والأبراج بمرامٍ وفتحات للرمي.
ومن أهم عناصر البنية الخدمية الآبار والصهاريج المنحوتة في الصخر التي كانت تجمع مياه الأمطار وتخزنها.
تتمثل أبرز التحديات، تبعًا لما يرصده الدكتور عثمان، في “تدهور” أجزاء من الموقع والحاجة إلى الترميم والصيانة العلمية، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالقلعة نتيجة الزلزال الأخير.
كما تحتاج المنطقة إلى تحسين البنية التحتية والخدمات السياحية، وتنظيم الوصول والمسارات، وتوفير المعلومات التاريخية والإرشادية للزائر.
وعلاوة على هذه العقبات البنيوية، يبرز أيضًا تحدي التسويق، معتبرًا أن القيمة التاريخية الكبيرة للموقع لا تتحول تلقائيًا إلى حركة سياحية ما لم تُدعم بالترويج الرقمي وبناء منتج سياحي واضح.
تبدأ حماية قلعة “القدموس”، وفقًا لرؤية الباحث، من تنفيذ توثيق معماري وأثري شامل وتقييم دقيق للأضرار. وتأتي هذه الخطوات تمهيدًا لإجراء أعمال ترميم وفق المعايير العلمية الصارمة التي تجنب الموقع أي تشويه لطابعه التاريخي.
ولفت عثمان في الوقت ذاته إلى إمكانية ربط القلعة بحركة الحصون في الساحل السوري عبر إعداد مسار تاريخي متكامل يدمجها بالمواقع الأثرية الأخرى في محافظة طرطوس.
ويسهم هذا المسار في تحويلها من نقطة جذب منفردة إلى حلقة أساسية في شبكة سياحية مستدامة تستغل الطبيعة الجبلية المحيطة لتطوير أنشطة الاستكشاف والتصوير.
وفي سياق تفعيل هذا التوجه الاستراتيجي، يدعو عثمان إلى ضرورة إنشاء مركز للزوار وتجهيز لوحات تعريفية وخرائط للمسارات. ويترافق ذلك مع تأهيل الطرق المؤدية إلى الموقع بما يتناسب مع خصوصيته الأثرية.
كما يقترح توظيف تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز لإعادة تصوّر القلعة في مراحلها الزمنية المختلفة، ويتزامن هذا مع إطلاق منصة رقمية تربطها بالقلاع الإسماعيلية المجاورة، لتقديم تجربة سياحية متكاملة تدمج الأثر بالقرى والمنتجات المحلية، بدلًا من الاقتصار على المشاهدة التقليدية للموقع.
وفيما يتعلق بالعوائد التنموية، يشدد الباحث على الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه القلعة في إنعاش الاقتصاد المحلي إذا ما جرى دمجها ضمن رؤية تجمع بين السياحة الثقافية والطبيعية.
ويتيح هذا الزخم السياحي تدريب أبناء المنطقة كمرشدين، وتأهيل بيوت الضيافة والمطاعم الريفية، وامتدادًا لهذه الفوائد، يسهم التوجه في دعم الحرف التقليدية وتنظيم الفعاليات التراثية المرتبطة بتاريخ المنطقة.
ويخلص الدكتور عثمان في ختام رؤيته إلى أن القلعة قادرة على التحول من موقع يستلزم الحماية والعبء المالي إلى مورد اقتصادي وثقافي متجدد.
ويشترط هذا التحول صون أصالتها المعمارية، لضمان ألا يتحول الاستثمار إلى عامل ضغط جائر على بنيتها التاريخية، ويتحقق ذلك بالاستفادة من الميزة الاستثنائية لـ”القدموس”، إذ لا تقف القلعة بمعزل عن محيطها، بل تتلاحم مع البلدة والجبل والطبيعة والمواقع الأثرية المجاورة، لتشكل معًا منتجًا سياحيًا متكاملًا وجاذبًا.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى