وسيم العدوي | غنى جبر | ركان الخضر
منذ عام 1958، لم يفقد مئات الآلاف من السوريين أراضيهم بصفقة اختاروها، بل بقوة القانون الذي انتزع ملكياتهم تحت عناوين شتى، من الإصلاح الزراعي إلى التنظيم والنفع العام، وخلف كل قطعة مستملكة حكاية مالك ورث أرضه عن آبائه وأجداده، ثم وجد نفسه أمام قرار يجعل الدولة صاحبة اليد الأقوى في ملك كان يفترض أن يكون له وحده.
انتزاع الأراضي أخذ أشكالًا مختلفة، بينها التأميم والاستصلاح والمصادرة والاستملاكات الصناعية والعمرانية، على مدى سبعة عقود.
أصحاب الأراضي تحركوا باحتجاجات في مناطق مختلفة منها حي القرابيص بحمص في 28 من أيلول الماضي، للاعتراض على ارتباط أراضٍ مستملكة بمشروع “بوليفارد”.
وفي 26 من أيلول، نظم أهالي قدسيا ودمر والمعضمية والهامة وجمرايا وجديدة الوادي والبجاع ومناطق أخرى في ريف دمشق، وقفة احتجاجية طالبوا خلالها بعدم التصرف بالأراضي المستملكة أو إقامة مشاريع استثمارية عليها قبل حسم حقوق أصحابها.
وشهدت مدينة معضمية الشام، في 24 من أيلول، وقفة للمطالبة بحقوق الملكية.
كما تجمع أصحاب أراضٍ مستملكة في دمشق وريفها أمام مجلس الشعب، في 28 من آب الماضي، احتجاجًا على الاستملاك.
ويحمل هذا الملف أبعادًا تاريخية وقانونية واجتماعية، تناقشها عنب بلدي مع قانونيين وأصحاب أراضٍ، وتطرح أسئلة عن معايير التعويض وأنواعه، ومتطلبات الإنصاف.
الحكومة تؤكد شرعية الاستملاك
سقطت المرحلة ولم يسقط الأثر.. الشارع يتحرك
يمتد “اغتصاب” الملكية بقوة القانون عبر ثلاث مراحل رئيسة في التاريخ السوري:
الأولى: مرحلة التأميم في سوريا (1958-1965)، وتم بموجبها انتزاع الملكية كاملة من أيدي مالكي المنشآت الصناعية والمصارف، آنذاك.
الثانية: مرحلة الإصلاح الزراعي ومصادرة الأراضي (1958-1963)، وشهدت فيها سوريا أوسع عملية استيلاء بقوة القانون على أراضٍ زراعية واسعة بلغت بحسب التقديرات 1.225 مليون هكتار، وأعيد توزيعها بموجب قانون الإصلاح الزراعي رقم “161” لسنة 1958 وتعديلاته في عهد “البعث” المنحل، عام 1963.
الثالثة: مرحلة الاستملاكات العمرانية والصناعية (1974-2018)، واستندت فيها الحكومات المتعاقبة إلى قانون الاستملاك رقم “20” لعام 1983، وقوانين التنظيم العمراني لاستملاك أراضٍ زراعية وغير زراعية.
ويمنح المرسوم التشريعي رقم “20” لعام 1983 (الإطار الأساسي للاستملاك في سوريا) الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والجهات الإدارية وقطاع الدولة حق استملاك العقارات المبنية وغير المبنية، سواء كانت ملكًا خاصًا أو وقفًا، لتنفيذ مشاريع ذات نفع عام.
ومع سقوط النظام السابق، لم ينتهِ أثر تلك التشريعات كالمرسوم “66” لعام 2012 بسقوط الجهة التي أصدرتها، إذ بقيت سجلات الملكية وقرارات الاستملاك والتعويضات والمشاريع التي أقيمت أو خُطط لإقامتها فوق الأراضي المستملكة ملفًا مفتوحًا أمام الدولة الجديدة، ما أعاد السؤال من جديد: ماذا يحدث للأرض عندما تنتفي أو تتغير الغاية التي استُملكت من أجلها، ومن يملك الحق فيها إذا انتقلت من مشروع عام إلى مشروع استثماري؟ وهو السؤال الذي أشعل الشارع السوري بالاحتجاجات في عدة محافظات، ولا سيما أن أغلبية من استُملكت أراضيهم وقامت الحكومة الجديدة بطرحها على مستثمرين خليجيين، ما زالوا على قيد الحياة، وهم ينظرون إلى أراضيهم أمام أعينهم، ولا يستطيعون فعل شيء.
وزارة الإسكان: الاستملاك شرعي
لم تغب الحكومة السورية عن تطورات الوقفات التي شهدتها بعض مناطق دمشق وريفها، احتجاجًا على قرارات استملاك الأراضي والمشاريع الاستثمارية المعلن عنها في هذه المناطق.
وزارة الأشغال العامة والإسكان أصدرت بيانًا، في 28 من أيلول الماضي، اعتبرت فيه “الاستملاك أداة قانونية وشرعية تعتمدها جميع الدول، لتنفيذ الطرق والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية والمدن والمشاريع السكنية”.
وأضافت الوزارة أن الاستملاك لا يكون مشروعًا سوى لمنفعة عامة ووفق القانون ومقابل التعويض المقرر، مع ضمان حق المتضررين في الاعتراض والمراجعة.
ولفتت إلى أن وجود اعتراض على حالة محددة لا يعني بطلان الاستملاك بوصفه أداة، كما لا يلغي جميع القرارات والإجراءات المتخذة بموجبه، منوهة إلى أن إثبات الحقوق يتطلب وثائق وسجلات رسمية.
ووصفت الوزارة المعلومات المتداولة على وسائل التواصل حول الاستملاك بأنها “مجتزأة صورت الوقائع على أنها بيع لأراضي المواطنين أو تخلٍ عن حقوقهم”.
وقالت إن القرارات المتعلقة بأراضي الاستملاك صدرت قبل عقود، وانتقلت بموجبها الأراضي إلى الجهات العامة، وأودعت بدلات الاستملاك وفق الإجراءات المعتمدة، مشيرة إلى صرف ما أثبت منها في السجلات والوثائق الرسمية، وأن عددًا من أصحاب هذه الأراضي استفادوا من تخصيصات وأولويات لشراء مقاسم أو حصص طابقية، دون افتراض أن جميع الحالات متماثلة.
وأوضحت الوزارة أن الادعاء بوجود خطأ أو حق في عقار محدد، يُحسم بالوثائق والسجلات العقارية وإثباتات الإيداع والقبض وانتقال الملكية.
كما أن تأخير تنفيذ بعض المشاريع، بحسب الوزارة، بسبب فساد النظام السابق ثم سنوات الثورة وعدم الاستقرار، لا يؤدي وحده إلى زوال الاستملاك، أو عودة الملكية تلقائيًا ما دامت المنفعة العامة قائمة.
مشاريع “المنفعة العامة”
اعتبرت وزارة الأشغال العامة أن المشاريع الجديدة ليست بيعًا مجردًا لأراضي الدولة، أو استثمارًا ربحيًا بحتًا أو إسكانًا لفئة واحدة.
وأوضحت أن التجمعات العمرانية الجديدة تعد من مشاريع “المنفعة العامة”، التي لا تقتصر بطبيعتها على نمط واحد، وإنما تشمل أنماطًا متعددة من السكن والمشاريع والخدمات والمرافق.
وتشمل هذه الأنماط المكونات الاستثمارية والتجارية والخدمية اللازمة لتحقيق التكامل العمراني والاستدامة الاقتصادية للمشروع.
وتملك المؤسسة العامة للإسكان، بحسب الوزارة، صلاحية تنفيذ مشاريعها بصورة مباشرة أو من خلال الشراكة مع الغير، وفق القوانين والأنظمة النافذة، فالأرض تدخل ضمن نموذج شراكة تحفظ فيه الجهة العامة حقوقها وعوائدها، وفق وزارة الأشغال، مقابل تنفيذ السكن والخدمات والبنية التحتية وتوفير فرص العمل.
الوزارة قالت إن عوائد الدولة تسهم في تعزيز قدرتها على استكمال المشاريع السكنية والدعم السكني الميسر والاجتماعي وبرامج ذوي الدخل المحدود والفئات الأكثر حاجة.
وأعربت عن احترامها لحق المواطنين في التعبير السلمي والمطالبة بحقوقهم، لافتة في الوقت نفسه إلى أن إيقاف الآليات أو تعطيل الطرق لا يشكل سندًا قانونيًا للملكية.
مؤسسة الإسكان: مساكن سياحية على أراضٍ مستملكة
المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان، تمام الدبل، قال في تصريحات صحفية أواخر أيلول الماضي، إن المخطط التنظيمي لمشروعي “شام فيو” و”أبيات هيلز” وُضع عام 2004 كسكن سياحي ومنشآت ترفيهية وفنادق، وليس سكنًا اجتماعيًا، بينما ضاحية قدسيا بكاملها هي سكن اجتماعي وشبابي وعمالي، لافتًا إلى أن المؤسسة لا تأخذ بالنسبة للسكن الاجتماعي حق الأرض بل فقط تكاليف الإنشاء.
ولا تقوم المؤسسة ببيع الأراضي المستملكة ولا تنقل ملكيتها للشركات، وفقًا للدبل، بل تستثمرها وتبقى الملكية للمؤسسة حتى تنتقل مباشرة للمستفيد النهائي.
وأوضح أن آلية الشراكة مع شركتي “شام فيو” و”أبيات هيلز” تتم بحسب تقييم قيمة الأرض وفق السعر الرائج، فإذا كانت قيمتها 100 مليون دولار وقيمة الاستثمارات التي يضخها المستثمر 300 مليون دولار، يصبح المجموع 400 مليون، وتكون حصة المؤسسة 25% من الإيرادات، أي 250 ألف دولار عن كل مليون.
وتوقع الدبل أن يدر مشروع “أبيات هيلز” وحده نحو 150 مليون دولار على المؤسسة على دفعات بحسب نسب الإنجاز، سيتم توظيفها لاستكمال المشاريع المتعثرة (دون أن يحددها بدقة).
ولفت إلى أن المؤسسة لجأت إلى الاستثمارات في هذه العقارات لضخ الأموال واستكمال المشاريع المتعثرة وتحقيق عائد مالي، وفتح مشاريع جديدة.
واستند الدبل في مجمل حديثه حول مطالب المحتجين، سواء استعادة الأرض أو التعويض، إلى نصوص قانون الاستملاك رقم “20” لعام 1983، دون التطرق للفجوة الكبيرة بين قيمة العقارات التي استُملكت قبل عشرات السنين وقيمتها الحالية، نتيجة التوسع العمراني وارتفاع سعر المتر المربع.
وحول التعويضات، قال الدبل إن الاستملاك في قدسيا وسهل الديماس تم بالمرسوم رقم “2076” لعام 1975، وكانت المنطقة حرجية وبادية جرداء، مشيرًا إلى أن المؤسسة العامة للإسكان ميّزت نفسها عن بقية الوزارات بمنح بدل عيني إضافي بنسبة 10% من المساحة المستملكة بحد أقصى ستة دونمات، كأمتار طابقية.
وبيّن أن باب البدل العيني فُتح من 1997 إلى 2008 (زمن النظام السابق)، وتم استقبال 3905 طلبات عولج منها 730، وسيتم فتح الباب مجددًا ضمن استراتيجية رد المظالم، وفقًا للدبل.
وزارة الإسكان تعتذر عن عدم الرد
توجهت عنب بلدي بعدة أسئلة لوزارة الأشغال العامة والإسكان السورية حول الأساس القانوني في مسألة الأراضي المستملكة، ومعايير تقدير التعويض وأنواعه، وحقوق أصحاب الأراضي، لكن المكتب الإعلامي في الوزارة اعتذر عن عدم الإجابة في الوقت الراهن، معللًا السبب بانشغال المؤسسة العامة للإسكان في أكثر من نشاط.

أهالٍ من مناطق دير قانون ووادي بردى يشاركون في وقفة بمدينة معضمية الشام في ريف دمشق احتجاجًا على قوانين الاستملاك – 2 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/أحمد مسلماني)
ليرة واحدة للمتر.. تعويضات تعسفية لأهالي دمشق وريفها
يطالب أصحاب أراضٍ في مناطق بدمشق وريفها بإعادة النظر في عمليات استملاك تعود إلى عقود سابقة، معتبرين أن التعويضات التي حصلوا عليها لم تكن منصفة، وأن آثار الاستملاك لا تزال تنعكس على قدرتهم على استثمار أراضيهم أو البناء عليها والاستقرار فيها.
وخلال وقفة احتجاجية للتنديد بقانون الاستملاك والمطالبة بإسقاطه، استطلعت عنب بلدي آراء عدد من أصحاب الأراضي، الذين تحدثوا عن خسارة أراضيهم، والتعويضات التي حصلوا عليها، وانعكاس عمليات الاستملاك على أوضاعهم على مدى عقود.
قال “أبو سعيد البوشي”، من كفرسوسة، إن الأهالي لا يريدون أن تبقى أراضيهم خاضعة لمراسيم الاستملاك التي صدرت في عهد حافظ الأسد من دون معالجة، معتبرًا أن إيجاد حل لهذا الملف بات ضروريًا.
وأضاف أن جزءًا من الأراضي لا يزال زراعيًا، ويستمر أصحابها في استثمارها رغم عدم معرفتهم بمصيرها، ما دفعهم إلى زراعة الخضراوات قصيرة الدورة بدل الأشجار المعمرة، بعدما اقتُلعت في وقت سابق أشجار زيتون خلال تنفيذ عمليات الاستملاك.
أرض “أبو سعيد” المستملَكة منذ عام 1985 تقع في منطقة قنوات البساتين ضمن المنطقة العقارية التابعة خدميًا للمزة الشرقية.
من جهته، يعتبر القانوني محمد سليمان، وهو أحد المحتجين الذين قابلتهم عنب بلدي، أن عمليات استملاك الأراضي بدأت منذ عهد حافظ الأسد، وجرت، بحسب وصفه، بشكل تعسفي وبقوة السلاح، موضحًا أن المراسيم صدرت بصورة متتابعة وكانت متشعبة بين جهات عدة، بينها وزارة الإسكان ووزارة الدفاع ومحافظة دمشق.
وهناك أراضٍ لا يستطيع أصحابها الوصول إليها أو معرفة مصيرها، حيث يطالب سليمان بإنشاء هيئة مستقلة تتولى الفصل في النزاعات بين أصحاب الأراضي والدولة، وصولًا إلى إعادة الأراضي إلى أصحابها.
المواطن مصطفى العكش أفاد بأن المؤسسة العامة للإسكان استملكت أراضي الأهالي خلال ثمانينيات القرن الماضي، وأجبرت أصحابها، بحسب قوله، على قبض تعويضات بلغت ليرة سورية واحدة للمتر، أي نحو 400 ليرة للدونم.
وقارن قيمة تلك التعويضات بأسعار الأراضي في ذلك الوقت، إذ كان سعر الدونم في مناطق أخرى يتراوح بين 25,000 و30,000 ليرة سورية، معتبرًا أن آثار الاستملاك تجاوزت خسارة الأراضي، لتشمل منع أصحابها من البناء عليها والحد من قدرة أبنائهم على الاستقرار فيها وامتلاك مساكن.
الصبورة.. 91% من الأراضي تحت الاستملاك
بالنسبة لأراضي الصبورة بريف دمشق، تحدث خليل العبد الله عن استملاك مساحات واسعة من الأراضي الممتدة من منطقة يعفور إلى رأس الجبل وأراضي معضمية الشام وقدسيا.
ووفق تقديره، كانت مساحة الأراضي في الصبورة تبلغ نحو 60,000 هكتار، استُملك منها قرابة 51,000 هكتار تعادل نحو 91% من الأراضي، ولم يتبقَّ لأصحابها سوى مساحات محدودة.
ورغم اعتبار الجهات المعنية أن أصحاب الأراضي حصلوا على تعويضات، يرى العبد الله أنها كانت متدنية جدًا مقارنة بقيمة الأراضي، موضحًا أن التعويض الذي حصلوا عليه قبل نحو 50 عامًا لا يعادل عمل سنة واحدة في الأرض.
وحول آثار الاستملاك، ذكر العبد الله أنه حرم الأهالي من استثمار أراضيهم الزراعية التي كانت مصدرًا للعمل والإنتاج، وأدى إلى ترك مساحات منها جرداء.
التعويض الذي حصلنا عليه قبل نحو 50 عامًا لا يعادل قيمة سنة واحدة من العمل في الأرض.
خليل العبد الله
أحد المتضررين من قانون الاستملاك في الصبورة
أما علي الصليبي، من دير قانون في وادي بردى، فطالب بمعالجة أوضاع الأراضي التي استملكتها المؤسسة العامة للإسكان، والحصول على حقوق أصحابها، مشيرًا إلى أن مساحات كبيرة من الأراضي أُخذت مقابل منح أصحابها مساحات محدودة.
دمر.. أراضٍ غير مستملكة يمنع أصحابها من الاقتراب
يتركز اعتراض أصحاب الأراضي في دمر على عقارات استُملكت ولم تُنفذ عليها المشاريع التي جرى الاستملاك من أجلها، وأخرى يقول أصحابها إنهم لا يزالون يملكونها رسميًا لكنهم ممنوعون من الوصول إليها أو الانتفاع بها.
وأكد مهيب مستو، أحد المتضررين من قانون الاستملاك في دمر، لعنب بلدي، أن اعتراضه لا ينصب على الأراضي التي استُملكت ونُفذت عليها مشاريع للمنفعة العامة، مثل المستشفيات والطرق، بشرط حصول أصحابها على تعويض عادل يوازي قيمة الأرض.
وبحسب مستو، تشمل الحالات التي يعترض عليها أراضي لم تُسجل عليها إشارة استملاك، ولا تزال ملكيتها باسم أصحابها أو ورثتهم، لكنهم ممنوعون من دخولها، إضافة إلى أراضٍ استُملكت من دون تنفيذ المشاريع التي استُملكت من أجلها.
ويواجه أصحاب بعض هذه الأراضي أشخاصًا مسلحين وملثمين يمنعونهم من الوصول إليها، بينما تتنقل شكاواهم بين جهات حكومية عدة، من وزارة الدفاع إلى محافظة دمشق ووزارة الإسكان، من دون معرفة الجهة المسؤولة عن منعهم من الدخول.
وصف مستو هذه الحالات بأنها “وضع يد”، مشيرًا إلى أنها تطال، بحسب قوله، مساحات واسعة من أراضي دمر الشرقية والغربية.
وانتقد استخدام بعض الأراضي المستملكة في مشاريع عقارية وتجارية، معتبرًا أن الاستملاك يجب أن يرتبط بمنفعة عامة واضحة، مثل إنشاء مستشفى أو طريق، لا بمشاريع استثمارية كالأبراج والمراكز التجارية والفنادق.
وتقدم أصحاب أراضي دمر بشكاوى إلى جهات عدة، من دون الوصول إلى حل، ما دفعهم إلى تنظيم وقفات احتجاجية للمطالبة بحقوقهم، ومن الجهات التي تم تقديم شكاوى إليها بلدية دمر ومجلس مدينتها ومحافظة دمشق ومجلس الشعب ووزارة الإسكان والقصر الجمهوري.
ويختصر مستو مطالب الأهالي بإيجاد قانون استملاك عادل يوازن بين منفعة الدولة وحقوق أصحاب الأراضي، بحيث يكون الاستملاك مرتبطًا بمنفعة عامة فعلية، وليست وهمية تمتد على عقود من الزمن.
يجب أن يكون الاستملاك مرتبطًا بمنفعة عامة واضحة، لا بمشاريع استثمارية.
مهيب مستو
أحد المتضررين من قانون الاستملاك في دمر
ويرى مستو أن التعويض يجب أن يُحسب وفق القيمة الفعلية للأرض ووضعها التنظيمي وإمكاناتها البنائية والاستثمارية، مقترحًا تشكيل لجان مستقلة لتقييم العقارات، بدل أن تحدد الجهة المستملكة قيمة التعويض وحدها.
وقال إن التقييم يجب أن يأخذ في الحسبان قيمة الأرض، وعدد الطوابق التي يمكن إقامتها عليها، وقيمة البناء في المنطقة المحيطة، بما يضمن تعويضًا يتناسب مع قيمة الأرض.
أهالي دمر: “الدفاع” تمنعنا من أراضينا
من جهتها، قالت حفيظة عيطة، عضو لجنة الأراضي المستملكة ووضع اليد في دمر، لعنب بلدي، إن أبرز مطالب المتضررين تتمثل في وقف أي مشاريع على الأراضي المستملكة، وإعادة ملكية العقارات التي لم يُنفذ عليها أي مشروع للنفع العام إلى أصحابها، إلى جانب صرف تعويض عادل ومجزٍ عن العقارات التي نُفذت عليها مشاريع.
وبحسب عيطة، لم تُعرض على أصحاب الأراضي تعويضات عند الاستملاك الذي بدأ، وفق قولها، بصورة قسرية منذ عام 1980، قبل أن يبدأ إيداع مبالغ التعويض في المصارف بعد عام 2000.
واعتبرت أن هذه التعويضات زهيدة، مشيرة إلى أن قيمتها لم تتغير، بحسب قولها، حتى عام 2026.
بدوره، أكد المتحدث باسم أهالي حي دمر الدمشقي، أسامة الجوخدار، لعنب بلدي، أن أبرز مطالب الأهالي تتمثل في إيقاف أي مشاريع على الأراضي المستملكة التي لا تزال موضع نزاعات قانونية، إلى حين البت في ملكيتها ومصيرها.
وبحسب الجوخدار، فإن التعويضات عن الأراضي المستملكة حُددت منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن بدأ إيداعها في المصارف مع بداية الألفية، ووفق قوله، لم يتلقَّ معظم أبناء الحي هذه التعويضات.
واقتصرت الحالات التي حصل فيها أصحاب الأراضي على تعويضات على منطقة العقارات الواقعة قرب قصر الشعب، والتابعة عقاريًا لمنطقة المزة.
كما أشار الجوخدار إلى أن أصحاب الأراضي تقدموا في السابق باعتراضات وكتب إلى الجهات المعنية، ولم يتلقوا ردودًا عليها، باستثناء تفاعل محدود من بعض أعضاء مجلس الشعب.
أما الجهات التي استملكت أراضي في دمر، بحسب قوله، فهي تشمل وزارة الإسكان ومحافظة دمشق ووزارة الدفاع.
ويقدّر الجوخدار مساحة الأراضي المستملكة أو الموضوعة تحت اليد، بحسب الجهات، بـ:
● نحو 9000 دونم لمصلحة محافظة دمشق في دمر الشرقية.
● 2000 دونم موضوعة تحت اليد لمصلحة وزارة الدفاع.
● نحو 6000 دونم في دمر الغربية موضوعة تحت اليد لمصلحة وزارة الدفاع.
● 2000 دونم مستملكة ولم تُنفذ عليها مشاريع، مرتبطة برئاسة الجمهورية ووزارة الإسكان.
التعويضات زهيدة جدًا، ولذلك لم تحصل معظم عائلات الحي على مستحقاتها.
أسامة الجوخدار
المتحدث باسم أهالي حي دمر الدمشقي
لا قانون يجيز إعادة الأراضي المستملكة.. أي حلول ممكنة؟
لا وجود لنص صريح في القانون السوري يقول إنه في حال انقضاء المهل القانونية لتحقيق الغاية التي استُملكت الأراضي من أجلها، يمكن إلغاء الاستملاك أو السماح بالاسترداد التلقائي للأراضي من مالكيها، بحسب المستشار القانوني رجب حسن، الذي اطلع على مطالب المحتجين.
وبعد طرح أراضٍ في دمر وقدسيا ومعضمية الشام من قبل الحكومة لإقامة مشاريع استثمارية أو عقارية جديدة عليها بدلًا من المنفعة العامة الأصلية المحددة في صك الاستملاك، أثير تساؤل: هل يُعتبر ذلك تعديًا ومخالفة لشرعية الاستملاك تجيز إبطال القرار إداريًا أو قضائيًا؟
أكد المستشار القانوني رجب حسن، في حديثه لعنب بلدي، أن ذلك يعتبر تعديًا ومخالفة لشرعية الاستملاك، وهناك احتمال أن يأخذ القضاء بهذا الطرح، متوقعًا أن تتذرع المؤسسة الحكومية بأن المشروع البديل يخدم المنفعة العامة أيضًا كما جاء نص صك الاستملاك، ويبقى القضاء هو صاحب القرار النهائي في هذا النزاع.
الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية صاحبة الولاية بالنظر في قضايا الاستملاك، ويمكن الادعاء على المؤسسة بصفتها نقلت الملكية عن طريق الاستيلاء.
رجب حسن
خبير قانوني
وأشار إلى حدوث سوابق قانونية من خلال “دعاوى أُبطلت بموجبها قرارات الاستملاك”، والأمر يعتمد تمامًا على ظروف وحيثيات كل حالة على حدة، ولكنه أردف أنه “طالما لم يصدر قانون جديد يلغي أو يستبدل النصوص القديمة، فإن الإجراءات السابقة تُعتبر متوافقة مع التشريعات والقوانين النافذة والسائدة حاليًا”.
ويفترض أن تكون هناك إمكانية للتمسك بالطعن بعدم دستورية قانون الاستملاك أو التمسك بقواعد العدالة الانتقالية لحماية حق الملكية الفردية المكفولة دستوريًا، بحسب المحامي، مشيرًا إلى أنه حتى الآن لا توجد أي مؤشرات إدارية جدية تنبئ بوجود توجه حكومي لإبطال قرارات الاستملاك المتخذة من قبل حكومات النظام السابق.
وحول التعويضات وفروق تقييم العقارات بين الماضي والحاضر مع معدلات التضخم المتفاوتة، أوضح المحامي حسن أن هذا الأمر يتطلب دراسة الحالات المختلفة بشكل منفصل، وهو مرتبط أساسًا بمدى جدية الإدارة ورغبتها في الحل.
ووفقًا لبيان وزارة الإسكان السورية ببطلان وجود حقوق لعدد من المالكين ممن تم تعويضهم قديمًا، قال الخبير إنه لا يوجد نص قانوني صريح يمنح المالكين الذين حصلوا على بدل الاستملاك تعويضات مرة أخرى، ولكن من باب العدل والإصلاح والإنصاف يُعتبر المالكون متضررين ومظلومين.
وهناك طريقان لإنصافهم، بحسب ما قاله حسن:
- تشكيل لجان إدارية تتمتع بجدية حقيقية للإنصاف.
- اللجوء إلى القضاء، حيث يراعي القضاء قواعد العدل والإنصاف واستناده إلى اجتهادات المحاكم الإدارية العليا.
كما لا يوجد مستند قانوني مباشر لإيقاف الأعمال طالما أن العقار مسجل رسميًا باسم مؤسسة الإسكان، بحسب حسن، لكن الجهة القضائية صاحبة الولاية في ذلك هي هيئة العدالة الانتقالية، حيث يمكن الادعاء أمامها على المؤسسة بصفتها نقلت الملكية عن طريق الاستيلاء.

وقفة احتجاجية ضد مشروع “أبيات هيلز” بمنطقة قدسيا في ريف دمشق – 26 أيلول 2026 (عنب بلدي/أحمد مسلماني)
مستشار بالقضاء الإداري: للجهات العامة الحق في التصرف بالعقارات
للاطلاع على فحوى قواعد القانون الإداري وسير الدعاوى المتعلقة بالاستملاك في مجلس الدولة (الهيئة القضائية المستقلة التي تتولى القضاء الإداري في سوريا)، توجهت عنب بلدي إلى أحد المحامين المستشارين العاملين في المحاكم الإدارية لأكثر من 30 عامًا بقضايا الاستملاك (تحفظ على نشر اسمه).
وأكد المحامي المستشار أنه لا يوجد نص قانوني يلزم الإدارة العامة بتنفيذ مشروعها الاستملاكي ضمن مدة محددة، ووفقًا للقانون والاجتهادات القضائية، فإنه لا يعتبر تأخر الإدارة في تنفيذ المشروع موجبًا لرفع الاستملاك.
وأجازت الفقرة “1” من المادة “35” من القانون للجهات العامة إذا استملكت عقارات للنفع العام وزالت صفة النفع العام عنها أن تتصرف بها بكافة وجوه التصرف، ومن المسلّم به أن الاستملاك يجب أن يكون منزهًا عن الغايات التجارية، أي لا يصح للجهات العامة أن تثري بلا سبب على حساب المالكين.
لا شك بأن موقف القضاء السوري في معرض النظر بدعاوى الاستملاك يبقى “خجولًا ومفتقدًا للجرأة المطلوبة ومخالفًا لقواعد العدالة وإحقاق الحق التي قامت عليها الثورة السورية المباركة”، بحسب تعبير المحامي.
ونص الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية 2025 على بقاء القوانين التي كانت سارية في عهد النظام السابق عدا القوانين الاستثنائية كمحاكم الإرهاب ومحاكم الميدان، وبذلك فإن قانون الاستملاك لا يزال ساريًا.
وتابع المحامي أنه ينبغي لمجلس الدولة:
- أن يكون أكثر جرأة باعتباره قضاء إنشائيًا لا يتقيد بحرفية النصوص وله سلطة مراقبة مشروعية قرارات الإدارة.
- أن يتصدى بحزم للنظر بدعاوى الاستملاك.
- أن يتحرى وجود النفع العام بجميع الوسائل والطرق ومدى الحاجة الحقيقية للعقارات المستملكة، لا أن يقف عند ادعاء الإدارة بحاجتها للعقار دون وجود دلائل جدية على جديتها، واحتياج المشروع للعقارات المستملكة فعلًا.
- أن يقضي برفع الاستملاك في حال لم تتوفر صفة النفع العام في مراسيم الاستملاك.
- أن يعتبر تراخي الإدارة لمدة طويلة دون تنفيذ المشروع دليلًا على عدم جديتها وانتفاء الحاجة الحقيقية له.
وصدرت العديد من القرارات القضائية سابقًا، التي استندت إلى مرور مدة طويلة نسبيًا (أكثر من 25 عامًا) على صدور مرسوم الاستملاك دون تنفيذ المشروع، وقضت بعدم الحاجة للعقارات، وبرفع الاستملاك عنها، بحسب المحامي، إلا أنها ما لبثت أن عدلت عن هذا الاجتهاد، وتشددت في منح الحصانة لمراسيم الاستملاك.
الاستملاك والعدالة الانتقالية
يرى المحامي المستشار في المحاكم الإدارية أن فكرة العدالة الانتقالية لا تنطبق على العقارات المستملكة التي تم استملاكها وفقًا للقانون السائد.
ووفقًا لقانون المحكمة الدستورية العليا القديم رقم “7” لعام 2014، يمكن الطعن بعدم دستورية القوانين (مثل الاستملاك) عن طريق الدفع بذلك أمام المحاكم، التي تحيل الدفع للمحكمة الدستورية العليا، ولكن حاليًا لم يصدر أي قانون جديد للمحكمة الدستورية العليا.
وأكد المحامي أنه بالنسبة للأراضي التي تم وضع اليد عليها دون صدور مرسوم استملاك أو قرار استيلاء أو أمر عرفي أو دون خضوعها لقانون الإصلاح الزراعي، يمكن لأصحاب المصلحة التقدم بدعوى لاستعادتها بحسب الحال (استرداد حيازة، منع معارضة، طرد غاصب) وفقًا لظروف كل حالة على حدة.
ويصطدم موضوع التعويضات بالفقرة “3” من المادة “25” من قانون الاستملاك، التي أوجبت عند التأخر في إيداع بدل الاستملاك فقط دفع فائدة تعادل 6% من القيمة، وتزاد هذه النسبة إلى 8% بالنسبة للعقارات التي تم وضع اليد عليها بعد خمس سنوات من وضع اليد.
كما تنص المادة “33” من القانون ذاته على سقوط حق أصحاب الأرض باقتضاء بدل الاستملاك بالتقادم في حال مرور 15 عامًا لم يتسلموا خلالها قيمة الأرض.
وبعد تقدير القيمة الأولية للأرض وأمام لجنة إعادة النظر لا يوجد نص قانوني يتيح لأصحاب الاستحقاق إعادة تقدير القيمة، وأضاف المحامي أنه في حال وجود مستند قانوني كانتفاء صفة “النفع العام” فإن قيام المالك بقبض الثمن لا يغلق أمامه المجال للمطالبة باستعادة الأرض ولا يمكن التقدم بدعوى لوقف الأعمال على الأراضي المستملكة.
مجلسا الشعب والدولة والتصدي للاستملاك
المحامي المستشار في المحاكم الإدارية اعتبر أن على مجلس الشعب السوري أن يتصدى لموضوع الاستملاك برفع الظلم وجبر الضرر، “إعمالًا لمبادئ الثورة المباركة، التي ما انطلقت جذوتها وانسكبت الدماء وبذلت ملايين الأرواح في سبيل نجاحها، إلا لإحقاق الحق ورفع الظلم ونصرة المظلوم”، بحسب تعبيره.
وطالب مجلس الدولة بأن يتحرر من الخوف الذي كان سائدًا في ظل حكم النظام السابق، وأن يمارس دوره كحارس للعدالة، ورقيب على المشروعية.
كما طالبه بأن يطور اجتهاده لرفع الظلم ونصرة المظلومين في تقصي حقيقة توفر النفع العام، ومدى الحاجة الجدية للعقار المستملك، ورفع الاستملاك الذي مضى مدة طويلة على صدوره، دون تنفيذ مشروع النفع العام، أو الاستملاك الذي استهدف غايات تجارية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :



وقفة احتجاجية في مدينة معضمية الشام بريف دمشق ضد قوانين الاستملاك – 11 أيلول 2026 (عنب بلدي/أحمد مسلماني)