
الصناعة المنزلية للألبان في السويداء - 4 تموز 2026 (عنب بلدي)

الصناعة المنزلية للألبان في السويداء - 4 تموز 2026 (عنب بلدي)
لم تعد مشتقات الحليب، التي اعتادت أسر في السويداء وضعها على موائدها بصورة يومية، بمنأى عن تراجع القدرة الشرائية، إذ دفعت تكاليف المعيشة المتزايدة بعض الأسر إلى تغيير عاداتها الاستهلاكية، سواء باختيار منتجات أقل تكلفة، أو تقليص الكميات التي تشتريها، أو الاستغناء عن بعض الأصناف لتأمين احتياجات أخرى.
ولا يقتصر أثر ارتفاع التكاليف على المستهلكين، بل يمتد إلى العاملين في تصنيع مشتقات الحليب، الذين يواجهون بدورهم ارتفاع في التكاليف وصعوبة تسويق المنتجات.
في جولة لعنب بلدي على عدد من محال بيع الألبان والأجبان في السويداء، رصدت تفاوتًا في الأسعار بحسب نوع المنتج ومصدره، إذ بلغ سعر كيلو اللبنة من إنتاج المعامل نحو 180 ليرة للصنف الأقل سعرًا، و250 ليرة لصنف آخر، وصولًا إلى 350 ليرة، فيما وصل سعر كيلو “الجبنة العربية” إلى نحو 750 ليرة.
وتختلف هذه الأسعار عن أسعار المنتجات التي يصنعها بعض العاملين في هذا القطاع على نطاق محدود، إذ يرتبط التسعير بتكاليف الإنتاج ومصدر الحليب وكميته، فضلًا عن تكاليف الوقود والنقل والتعبئة.
تقول منال، وهي ربة أسرة من أهالي السويداء، إنها اضطرت إلى تغيير بعض عاداتها الاستهلاكية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، بعدما كانت تعتمد على السمن البلدي في إعداد الطعام، لكنها استبدلته بالسمن النباتي لانخفاض تكلفته مقارنة بالمنتج البلدي.
ولا يقتصر التغيير على المنتجات المستخدمة في الطهي، بل يشمل أيضًا الوجبات اليومية، كما توضح مرام، وهي سيدة تقيم في مركز الاستضافة “قصر العدل”، فأبناؤها يفضلون أخذ سندويشات اللبنة معهم إلى المدرسة، لكنها باتت تختار أصنافًا أقل سعرًا، وفي أيام كثيرة تستبدل اللبنة بالزعتر، لتتمكن من تأمين احتياجات الأسرة الأخرى، ولا سيما في ظل عدم وجود دخل ثابت، إذ يعمل زوجها في أعمال حرة متقطعة.
وتضيف أن اللبنة كانت من الأصناف الأساسية على مائدة العائلة، لكن شراءها لم يعد أولوية في كل مرة، في ظل تعدد المصاريف اليومية التي يتعين عليها تأمينها.
وتعكس الشهادتان جانبًا من التغير الذي طرأ على خيارات بعض الأسر بعد تدهور الوضع المعيشي، إذ باتت تكلفة المنتج عاملًا حاسمًا في تحديد نوع الغذاء وكميته، حتى عندما يتعلق الأمر بأصناف اعتادت العائلات استهلاكها بصورة يومية.
قال عامل في محل “العرفان”، المعروف ببيع الألبان والأجبان في السويداء، لعنب بلدي، إن معظم الزبائن الذين يقصدون المحل لشراء اللبنة مثلًا يتجهون إلى صنف “جبل الشيخ”، الذي وصفه بأنه جيد المذاق وذو سعر مناسب، ويبلغ سعر الكيلوغرام منه نحو 180 ليرة.
وأضاف العامل، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أنه بالنسبة لباقي المنتجات فإن وجود أصناف بأسعار متفاوتة لا يعني أن جميع الزبائن قادرون على شراء الكميات التي يحتاجونها، مشيرًا إلى أن بعضهم يشتري أحيانًا نصف كيلوغرام أو أقل.
في المقابل، يواجه العاملون في تصنيع مشتقات الحليب تحديات تتعلق بتوافر المادة الخام وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما ينعكس على قدرتهم على الاستمرار في العمل وتسويق منتجاتهم.
يقول سلمان.ش، وهو عامل في صناعة مشتقات حليب الأغنام من الريف الغربي للسويداء، إنه كان يعمل في هذه المهنة منذ أن كان في قريته قبل أن يضطر إلى مغادرتها عقب أحداث تموز 2025.
وأوضح سلمان، لعنب بلدي، أن الموسم الحالي شهد صعوبات عدة، أبرزها نقص حليب الأغنام نتيجة خروج عدد من المربين من الإنتاج، في ظل الخسائر التي طالت قطعان المواشي في الريفين الغربي والشمالي من المحافظة.
وأضاف أن سعر كيلو الحليب وصل إلى 140 ليرة في أفضل الأحوال، مشيرًا إلى أن موسم حليب الأغنام تزامن مع أزمة في توفر الغاز، ما اضطره إلى استخدام بدائل، بينها المازوت، بعد وصول سعر أسطوانة الغاز إلى 5000 ليرة آنذاك.
وأشار سلمان إلى أن ارتفاع التكاليف انعكس على أسعار المنتجات النهائية، إذ باع رطل السمن البلدي، الذي يبلغ كيلوين ونصف، بسعر 5000 ليرة في بداية الموسم، قبل أن يصل إلى 5500 ليرة في نهايته، فيما ارتفع سعر رطل اللبن من 1000 إلى 1200 ليرة.
وعزا سبب الارتفاع إلى بدء شح الحليب وارتفاع سعره، مشيرًا إلى أن الموسم يقتصر على الفترة الممتدة من أواخر الشتاء تقريبا حتى بداية الصيف.
وأضاف أن محدودية كميات الحليب، إلى جانب تكاليف استئجار المحل والوقود والنقل لمسافات طويلة، قلصت هامش الربح، معتبرًا أن صناعة مشتقات الحليب “مشروعًا مربحًا في الظروف الاعتيادية، لكنها تحولت في الظروف الحالية إلى مشروع شديد الصعوبة”.
ولفت سلمان أيضًا إلى أن بعض المنتجات المطروحة في الأسواق، والتي وصفها بأنها “مغشوشة”، تنافس المنتجات الطبيعية بأسعار أقل، فبعضها يُصنع باستخدام بدائل للحليب المجفف ومواد تمنحه قوامًا ونكهة دسمة”، ما يزيد من صعوبة تسويق المنتجات المصنعة من الحليب الطبيعي، في ظل تراجع القدرة الشرائية وضعف الرقابة.
من جهته، قال شريف، وهو مربي أغنام يعمل في إنتاج مشتقات الحليب، إن المهنة لا تزال تحقق مردودًا يدفعه إلى الاستمرار فيها، موضحًا أنه لو لم تكن مربحة لما عمل بها.
وأضاف شريف أن منتجاته وجدت زبائن خارج السويداء أيضًا، إذ أرسل كميات منها إلى أقاربه في جرمانا ولبنان.
وأشار إلى أن عدد الأهالي الذين اشتروا منتجاته داخل السويداء لم يكن قليلًا، لكنه بقي دون المستوى الذي اعتاد عليه في المواسم السابقة.
وعزا ذلك إلى ارتفاع الأسعار مقارنة بقدرة شريحة من المستهلكين على الشراء، ولا سيما ذوي الدخل المحدود، موضحًا أنه باع رطل اللبنة بسعر 1250 ليرة، ورطل الجبنة بسعر 1500 ليرة.
بينما قالت أم حديد كشور، التي تعمل في تصنيع مشتقات الحليب البقري، لعنب بلدي، إنها تشتري الحليب ليصل إلى منزلها، موضحة أن إنتاج كيلوغرام واحد من اللبنة يحتاج إلى نحو 4.5 إلى 5 كيلوغرامات من الحليب، بينما يحتاج إنتاج كيلوغرام من الجبنة إلى نحو 5.5 إلى 6 كيلوغرامات.
ولم تذكر كشور سعر شراء كيلوغرام الحليب، لكنها أوضحت أن تكاليف الإنتاج لا تقتصر على المادة الخام، بل تشمل الغاز وعبوات التعبئة وغيرها من المستلزمات.
وأضافت أنها لم ترفع أسعار منتجاتها في الفترة الأخيرة، ويبلغ سعر كيلو اللبنة لديها 500 ليرة، فيما يصل سعر كيلو الجبنة إلى 650 ليرة.
وعن قدرة الأهالي على الشراء، قالت إن بعض الزبائن يتجهون إلى منتجات المعامل الأقل سعرًا، في حين لا يزال مستهلكون مستعدين لدفع مبلغ أكبر مقابل منتجات يثقون بجودتها ومصدرها.
وبينما يواجه المنتجون ارتفاع تكاليف التصنيع وصعوبات تأمين المواد الخام، تتجه بعض الأسر إلى تقليص مشترياتها أو اختيار أصناف أقل تكلفة، لتصبح مشتقات الحليب، التي اعتادت حضور موائدها اليومية، مرتبطة بصورة متزايدة بما تسمح به الميزانية المتاحة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى