حماة.. انعدام الخدمات يعوق عودة نازحي قرية حمادة عمر

آثار الدمار لأحد مساجد قرية حمادة عمر - 13 حزيران 2026 (عنب بلدي/عدي الحاج حسين)

camera iconآثار الدمار لأحد مساجد قرية حمادة عمر - 13 حزيران 2026 (عنب بلدي/عدي الحاج حسين)

tag icon ع ع ع

يواجه أهالي قرية حمادة عمر في ريف حماة الشرقي واقعًا خدميًا وإنسانيًا مترديًا يعوق عودة من تبقى من النازحين، في ظل دمار طال البنية التحتية والمنشآت، وانعدام شبه كامل للخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصرف صحي وتعليم وصحة.

وتكشف شهادات لسكان القرية ومختارها وأحد النازحين فيها ورئيس بلديتها، جمعتها عنب بلدي، عن حجم المعاناة اليومية التي يواجهها العائدون، وعن العقبات التي تحول دون عودة آلاف المهجرين إلى ديارهم، وسط مطالبات بتدخل عاجل من المنظمات الإنسانية والجهات الخدمية.

500 منزل مدمر

حسين الأحمد، أحد سكان القرية ومدير مدرسة ابتدائية فيها، قال لعنب بلدي، إن الوضع المعيشي والخدمات الأساسية في القرية “سيئ للغاية”، إذ تعرضت لدمار طال البنية التحتية والمنشآت جراء قصف النظام السابق، ولم يُمكّن هذا الدمار وانعدام الخدمات سوى نحو 15% فقط من الأهالي من العودة.

وأوضح الأحمد أن من عاد من السكان يحاول جاهدًا إعادة تأسيس حياته من جديد وسط ظروف بالغة الصعوبة، وهو ما يتطلب تدخلًا جادًا وعاجلًا من المنظمات الإنسانية والجهات الخدمية لتأمين مقومات الحياة الكريمة.

من جانبه، قدّم طه الشلاش، مختار قرية حمادة عمر، لعنب بلدي، صورة عن واقع القرية، موضحًا أن عدد سكانها قبل الثورة بلغ نحو 5000 نسمة، فيما يقدر عدد أبنائها المقيمين داخل سوريا وخارجها بنحو 10,000 نسمة، بينما يبلغ عدد العائلات المقيمة حاليًا نحو 225 عائلة، أي ما يعادل 2000 نسمة تقريبًا.

وأوضح أن العائلات العائدة تقدر بنحو 225 عائلة، فمن كان لديه بيت أو خيمة عاد واستقر فيها، بينما لا تزال بقية العائلات في مخيمات الشمال، لأن بيوتهم مدمرة ولا توجد مساكن صالحة.

القرية تضم نحو 800 بيت، تعرض نحو 500 منها لدمار كامل، و200 بيت لتدمير جزئي، فيما تعاني البيوت المتبقية من تهالك شديد وخلوها من الأبواب والنوافذ، بحسب مختار القرية طه الشلاش.

آبار مطمورة وشبكات مدمرة

أوضح حسين الأحمد أن أزمة مياه الشرب والآبار تشكل واحدة من أبرز المعضلات الإنسانية، إذ تعرضت أغلب الآبار للإغلاق والتخريب عبر إلقاء حجارة داخلها سابقًا، فضلًا عن تلف شبكات المياه والصرف الصحي نتيجة القصف، مشيرًا إلى أن إصلاح أو ترخيص حفر بئر جديدة يواجه تعقيدات إدارية ومادية باهظة تثقل ميزانية الأهالي المنهكة أصلًا.

الكثير من الناس يعتمدون على جيرانهم الذين لديهم آبار مياه للشرب، وفق المختار طه شلاش، إذ وصل سعر صهريج المياه 30 برميلًا إلى 2500 ليرة سورية، ولا توجد إمكانية لتحمل الاستهلاك الفردي للمياه.

وكشف أن محرك الضخ بين بئر “الفايج” والخزان معطل، وحاليًا لا يوجد أي مصدر للمياه إلا الآبار الخاصة، في وقت منعت فيه الحكومة المواطنين من تشغيل آبارهم المحفورة سابقًا.

وأشار إلى أن طلبًا قُدم من مدير منطقة سلمية لفتح 25 بئرًا مغلقة بغرض التشغيل، لكن لم تتم الموافقة حتى الآن، وفق منع وزارة الري حفر آبار جديدة أو استخدام آبار للحفاظ على مستوى المياه الجوفية.

كهرباء متهالكة.. اعتماد على الطاقة البديلة

لفت الأحمد إلى أن الأهالي باتوا يعتمدون حصرًا على منظومات الطاقة الشمسية في ظل غياب الشبكة الكهربائية النظامية، والتي تشكل عبئًا ماليًا كبيرًا بتكلفة تقارب 1700 دولار للمنظومة الواحدة، ورغم ذلك تتوقف عن العمل مع ساعات المساء الأولى خلال فصل الشتاء.

وأوضح الشلاش أن الشبكات متهالكة في القرىة ولا توجد أعمدة، مشيرًا إلى أن خزانات الكهرباء الموجودة في حمادة عمر، وعددها خمسة خزانات، كلها مدمرة بشكل كامل.

وقال إن الناس يعتمدون اليوم على الطاقة الشمسية وهي مكلفة جدًا، فمن يريد أن يشرب ماء يحتاج إلى غطاس وطاقة شمسية وأجهزة تكلف بين 1200 و1700 دولار، ولو أراد أن يخدم بيته يحتاج إلى 1000 أخرى مع ثماني بطاريات وإنارة.

التعليم والصحة.. واقع متردٍّ

وعن قطاع التعليم، كشف الأحمد أن المدارس في القرية تعرضت لدمار شامل، ويقتصر التدريس حاليًا على ترميم جزئي للمدرسة الشمالية التي تضم ثماني شعب دراسية لا تتسع لأعداد الطلاب، مما اضطر الأهالي لاستخدام منازل متضررة لتدريس المراحل المتقدمة.

وكشف المختار أن نحو 30 طالبًا في المرحلتين الإعدادية والثانوية يمشون يوميًا باتجاه عقيربات لعدم توفر السيارات، فيما دُمرت المدرسة الثانوية بالكامل بسبب القصف، وقامت البلدية بتجريفها، ولم تتم إعادة بناء الابتدائية الثانية أيضًا، وحتى الآن لا توجد مدارس للمرحلتين الإعدادية والثانوية في القرية.

وفي القطاع الصحي، أشار الشلاش إلى أن القرية والمنطقة المحيطة بها تخلو من أي مراكز صحية أو مستشفيات، مما يفرض على المرضى تكبد مشقة السفر وتكاليف مالية باهظة للوصول إلى أقرب نقطة طبية في مدينة سلمية التي تبعد نحو 45 كيلومترًا.

صرف صحي وذخائر تهدد السكان

وعن الصرف الصحي، قال الشلاش إن وضعه “سيئ جدًا” ومغلق حتى الآن، مما أدى إلى انتشار الروائح الكريهة والحشرات، مشيرًا إلى أن الجور محفورة بالطرق العامة والمياه مقطوعة، وأن شبكة الصرف الصحي متضررة جدًا، ومعظم “الجور الفنية” بحاجة إلى أغطية حديدية.

وكشف الشلاش أن أكثر من 15 حادث سير وقع بسبب عدم وجود أغطية لحفر الصرف الصحي، وهناك عدة حالات حصلت لسقوط أطفال في تلك الفتحات، مشيرًا إلى وجود مطالب تتعلق بتأهيل شبكات الصرف الصحي لم ينفذ أي منها حتى الآن.

وحذر من وجود قنابل عنقودية وصواريخ لم تنفجر في القرية وبساتينها، فضلًا عن وجود ثلاثة صواريخ في الطريق العام بين حمادة عمر وسوحة أو الطريق العام سلمية، لم تتم إزالتها حتى الآن.

من الخيمة إلى جدران بلا سقف

من جانبه، قال علي الموسى، أحد أبناء قرية حمادة عمر المقيمين حاليًا في مخيم “عين العبيد” بريف جرابلس، لعنب بلدي، إنه سجّل اسمه رسميًا ضمن قوافل العودة الطوعية، لكنه اصطدم بوقع الدمار الكلي الذي لحق بمنزله، مما جعله غير صالح للسكن إطلاقًا.

وأوضح الموسى أنه حاول المباشرة بإعادة الإعمار بجهوده الذاتية، حيث تمكن من رفع الجدران الأساسية فقط بتكلفة تجاوزت 5000 دولار أمريكي، غير أن نفاد قدرته المالية تسبب في إيقاف أعمال البناء قبل الوصول إلى مرحلة صب السقف أو تركيب الأبواب والنوافذ.

ويرى الموسى أن خياره الوحيد المتاح حاليًا لمغادرة المخيم والعودة إلى قريته هو وضوع سقف مؤقت باستخدام قماش “الجادر”، لينتقل بذلك من عيش الخيام في الشمال إلى واقع مشابه يتجسد في السكن بين جدران أسمنتية بلا سقف خرساني أو حماية تؤمّن الحدود الدنيا للسكن.

خطط للتأهيل تواجه تحديات

رئيس بلدية حمادة عمر والسوحا، حسين الخليف،  ال لعنب بلدي، إن البلدية تعاني من ضعف كبير في الإمكانيات والخدمات المتاحة، وتعمل حاليًا بالحد الأدنى المتوفر.

وأوضح الخليف أن تراكمات الأنقاض تعد إحدى أبرز العقبات التي تواجه قرية حمادة عمر، حيث جرى استقدام الآليات مرتين سابقًا لإزالتها، إلا أن العمل لم يصل للكميات المطلوبة، مشيرًا إلى وجود عقد مرتقب قريبًا لإزالة الأنقاض بكميات كبيرة تشمل حمادة عمر وقرية سوحا وناحية عقيربات عمومًا.

وأوضح أن استمرار عزوف أهالي القرية عن العودة يعود إلى جملة من الأسباب، في مقدمتها نقص الخدمات الأساسية، وتدهور شبكات الصرف الصحي، وانعدام الكهرباء، وشح مياه الشرب، إلى جانب قلة فرص العمل المتاحة.

وأشار إلى أن الأهالي يعتمدون حاليًا على الآبار المنزلية للحصول على المياه، كاشفًا عن العمل على إعادة تشغيل بئر “الفايج” الأساسية بتكلفة تقدر بـ40 ألف دولار عبر مشروع “سوريا بلا مخيمات”، لتغذية حمادة عمر والسوحا ورسم العوابد.

أما بالنسبة للصرف الصحي، فوصفه الخليف بالمعضلة الأكبر في المنطقة، كاشفًا أن خطط البلدية المرفوعة للوزارة تتضمن صيانة كاملة لشبكة حمادة عمر، واستبدال الخطوط المتضررة والتالفة في سوحا، مع إنشاء شبكة متكاملة لقرية عكش.

وعن قطاع الكهرباء، أوضح الخليف أنه تم تزويد المنطقة بخط متوسط، ويجري العمل حاليًا على المتابعة لتمديد الخط المنخفض للبلدات، مضيفًا أن العمل جارٍ على إنشاء برج لشبكة “سيريتل” في سوحا لخدمة المنطقة ككل، بما يعني خدمة قرية حمادة عمر.

وفي ملف التعليم، أكد أن مدرسة حمادة عمر تعمل حاليًا بنظام الفترتين لتلبية الاحتياجات الراهنة بالتنسيق مع المجمع التربوي والمجلس المحلي، مع الحاجة المستمرة للتوسع وبناء مدارس إضافية مع تزايد أعداد العائدين.

وفي القطاع الصحي، كشف عن رفع مطالبات لإعادة تأهيل مستوصف سوحا لخدمة البلدة والقرى المجاورة، مؤكدًا أن البلدية تعمل “وفق ما هو متاح”.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة