خبير في الاقتصاد السياسي يحلل العلاقة

الاستثمار كبوابة لتعاون سياسي بين دمشق وأبو ظبي

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في العاصمة الإماراتية أبو ظبي - 15 أيلول 2026 (الرئاسة السورية/تلجرام)

camera iconالرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في العاصمة الإماراتية أبو ظبي - 15 أيلول 2026 (الرئاسة السورية/تلجرام)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – وسيم العدوي

تتطور العلاقات بين سوريا والإمارات العربية المتحدة عبر أكثر من اتجاه، وهناك من يرى أن الاقتصاد بات مدخلًا للسياسة، إذ يمنح هذا النهج دمشق هامشًا أوسع لإدارة علاقاتها الخليجية، وتجنب ربطها باصطفافات سياسية أو اقتصادية بين دول المنطقة، كما يمكن من جانب آخر أن يعطي الإمارات فرصة لنفوذ استراتيجي.

بعد سقوط النظام السوري السابق في 8 من كانون الأول 2024، بدأ التواصل السياسي بين البلدين، واتجه تدريجيًا نحو الاقتصاد والاستثمار، في ظل سعي دمشق إلى استقطاب رؤوس الأموال العربية لإعادة الإعمار، وإعادة الاندماج في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

البداية من مرفأ “طرطوس”

شكّل الاتفاق مع شركة مواني دبي العالمية “دي بي ورلد”، في تموز 2025، لتطوير وتشغيل مرفأ “طرطوس”، باستثمارات تبلغ 800 مليون دولار ضمن امتياز يمتد 30 عامًا، إحدى أبرز المحطات في هذا المسار، إذ وضع البنية التحتية والخدمات اللوجستية في صلب التعاون بين البلدين، وتُوّج ذلك بإعادة تفعيل مجلس الأعمال السوري- الإماراتي في آب 2026، في خطوة تستهدف تعزيز التواصل بين القطاع الخاص وتوسيع الشراكات الاستثمارية.

وتسارعت وتيرة نمو العلاقات، في أيار 2026، حيث استضافت دمشق أول منتدى استثماري سوري- إماراتي، بمشاركة وفد إماراتي ضم أكثر من 140 مسؤولًا ورجل أعمال وممثلًا عن شركات ومؤسسات، وبحث فرص التعاون في قطاعات السياحة والإنشاءات والزراعة والطيران والخدمات اللوجستية.

كما انعكس التقارب على المبادلات التجارية، إذ بلغ حجم التجارة غير النفطية بين البلدين 1.4 مليار دولار خلال 2025، بزيادة بلغت 132.4% مقارنة بعام 2024، بحسب ما أفاد به وزير التجارة الخارجية الإماراتي، ثاني بن أحمد الزيودي، خلال زيارته إلى دمشق ومشاركته في المنتدى الاستثماري السوري- الإماراتي.

ويرى الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور أيمن دسوقي أن الاهتمام الإماراتي بالاستثمار في سوريا يتجاوز البحث عن فرص اقتصادية، ليرتبط أيضًا بموقع أبو ظبي في المعادلات الإقليمية الناشئة، وسعيها إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي والأمني، وصولًا إلى صيغة يمكن أن تشكل أساسًا لتوسيع الشراكة مع أبو ظبي وفق منطق المنفعة المشتركة (رابح- رابح).

مصالح تتجاوز العائد المالي

يفسر دسوقي الاهتمام الإماراتي بالعقارات السورية بالخبرة التي راكمتها الشركات الإماراتية في تطوير المشروعات الكبرى، وقدرتها على استقطاب التمويل والشركاء وتسويق المنتجات إقليميًا، فضلًا عن وجود مصالح ومشروعات عقارية تعود إلى ما قبل الثورة السورية، لم يُستكمل بعضها، منها مشروع شركة “إعمار” الإماراتية في يعفور “البوابة الثامنة”.

ولا يرى أن الاستثمارات الإماراتية تمثل اغتنامًا لـ”فرصة الاستثمار الأخيرة في سوريا”، بالنظر إلى اتساع الاحتياجات الاستثمارية السورية وإمكانية مشاركة أطراف متعددة، لكنه يشير إلى وجود نافذة مبكرة للحصول على:

  • أصول استراتيجية.
  • مواقع استثمارية مميزة.
  • امتيازات طويلة الأجل، قد يصعب تكرار شروطها لاحقًا.

ويكتسب قطاع النقل والخدمات اللوجستية أهمية خاصة في الحسابات الإماراتية، بالنظر إلى خبرة الشركات الإماراتية في إدارة المواني والمناطق اللوجستية وسلاسل الإمداد، وفقًا للخبير ذاته.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الاهتمام بمرفأ “طرطوس” والمعابر الحدودية السورية، إذ قد تتيح هذه الاستثمارات حضورًا طويل الأمد في البنية التحتية والممرات التجارية، إلى جانب عوائدها الاقتصادية المباشرة.

الشرع وابن زايد.. دفع المشاريع الاستراتيجية

تسعى دمشق سياسيًا إلى تبديد تحفظات أبو ظبي تجاه نظام الحكم الجديد في سوريا، وتحويل العلاقة من الحذر إلى شراكة تقوم على المصالح المتبادلة والتعاون الإقليمي، بحسب الباحث دسوقي.

وفي هذا الإطار جاءت مباحثات الرئيس السوري، أحمد الشرع، ونظيره الإماراتي، محمد بن زايد، في 15 من أيلول الماضي، خلال زيارة الشرع إلى الإمارات، التي تناولت تعزيز التعاون الاقتصادي والتنموي، وأكدا أهمية الزيارة الاقتصادية الإماراتية إلى دمشق (وفد رجال الأعمال الإماراتيين) في دفع المشاريع الاستراتيجية.

ويأتي في السياق ذاته أحدث تطور بارز إعلان مؤسس شركة “إيغل هيلز” الإماراتية، محمد العبار، في 14 من تشرين الأول الحالي، خططًا لاستثمار ما بين 16 و17 مليار دولار في مشروعين عقاريين بدمشق واللاذقية، وتأتي هذه الخطط بعد توقيع اتفاق اقتصادي مع الشركة مطلع الشهر نفسه، لكنها لا تعني أن كامل المبلغ دخل مرحلة التنفيذ.

إسرائيل وقابلية الوساطة الإماراتية

يمكن للإمارات توظيف علاقاتها الإقليمية والدولية للمساهمة في تخفيف التوتر بين سوريا وإسرائيل، بحكم علاقاتها مع الطرفين وصلاتها بقوى دولية فاعلة، وفق دسوقي.

لكنه شدد على أن تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة يرتبط بمواقف القيادتين، ولا سيما في ظل تعنت القيادة الإسرائيلية.

وسعت الإمارات سابقًا إلى المساهمة في تخفيف التوتر بين سوريا وإسرائيل، وهي تمتلك مقومات تتيح لها لعب دور الوسيط بحكم علاقاتها مع الطرفين وصلاتها بقوى دولية فاعلة، فضلًا عن مصلحتها في الحد من التصعيد وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

غير أن قدرتها على تحويل هذه المقومات إلى نتائج ملموسة لا تتوقف على استعدادها للوساطة وحده، وفقًا للباحث دسوقي.

ولكن يمكن لدمشق أيضًا الاستفادة من الحضور والثقل الإماراتي وعلاقات أبو ظبي الاقتصادية والسياسية مع دول العالم، بهدف:

  • توسيع فرص الاستثمار.
  • تعزيز اندماج سوريا في شبكات التجارة الإقليمية.
  • حشد دعم دبلوماسي أوسع في المحافل الدولية.

إلا أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة العلاقة على أساس المصالح المتبادلة والتوازن في الشراكات الخارجية، يؤكد الباحث ذاته.

تنافس أم تكامل؟

بينما تتجه الشركات الإماراتية نحو العقارات والمواني والخدمات اللوجستية في سوريا، تركز الاستثمارات السعودية على قطاعات تشمل الطيران والاتصالات والبنية التحتية، فيما تتوسع الشركات القطرية في الزراعة والطاقة والسياحة.

في الشأن ذاته، يعتبر الباحث دسوقي أن المشهد الاستثماري السوري يمثل “تنافسًا انتقائيًا يمكن أن يتعايش مع التكامل”، إذ قد تتنافس الشركات الإماراتية والسعودية والقطرية والتركية على مشروع أو امتياز محدد، بينما تتكامل استثماراتها في قطاعات الطاقة والنقل والخدمات ومشروعات أخرى.

وقال الباحث في الاقتصاد السياسي، إن قدرة كل طرف سواء كان الإمارات أو أيًا من دول الخليج العربي، على الحصول على فرص استثمارية ستتحدد بـ:

  • مدى قدرته التنافسية.
  • واقعية قراءته للسوق السورية.
  • استعداده لتحمل مخاطر الاستثمار في مشروعات تحقق مصالح مشتركة.

وحذر دسوقي من اختزال الاستثمارات الإماراتية في المساومة السياسية أو أدوات النفوذ، رغم حضور هذه الاعتبارات في حسابات العلاقات بين دول العالم، معتبرًا أن المصالح الاقتصادية المتبادلة يمكن أن تشكل أساسًا لشراكة قائمة على المنفعة المشتركة وهو ما ينطبق على الحالة السورية- الإماراتية.

ومن شأن هذا النهج، بحسب الباحث، أن يمنح دمشق هامشًا أوسع لإدارة علاقاتها الخليجية، وتجنب ربطها باصطفافات سياسية أو اقتصادية بين دول المنطقة.

وبذلك لا تبدو الاستثمارات الإماراتية في سوريا مجرد أموال تبحث عن عوائد في سوق تتعطش لإعادة الإعمار، بل تعد مدخلًا لبناء نفوذ اقتصادي طويل الأمد يتقاطع مع السياسة والجغرافيا.

ويرى الباحث في الاقتصاد السياسي دسوقي أن هذا التوجه يرتبط بخبرة الشركات الإماراتية في تطوير المشروعات الكبرى، وقدرتها على جذب التمويل والشركاء، وبسعي الإمارات إلى تعزيز موقعها في المعادلات الإقليمية الناشئة.

الضمانات الاستثمارية ودور الصندوق السيادي

فيما يتعلق بمتطلبات الاستثمار، أشار دسوقي إلى أن الضمانات القانونية والمؤسساتية والمالية ضرورية لحماية المستثمرين الإماراتيين، لكنه يرى وجود فرصة وإمكانية لتوفيرها تدريجيًا، عبر شراكة مرحلية مع الصندوق السيادي السوري، على أن تتطور الضمانات بالتوازي مع إصلاح المنظومة القانونية والمؤسساتية.

تحويل التقارب السياسي السوري- الإماراتي إلى استثمارات مستدامة لا تحسمه الاتفاقات وحدها، إذ يحتاج المستثمر إلى ضمانات، وهنا يؤكد الباحث ذاته أن الضمانات السياسية وحدها لا تكفي لبناء ثقة المستثمرين، بل يتعين:

  • توفير معلومات واضحة عن ملكية الأصول وخلوها من النزاعات.
  • هيكل الحوكمة والعلاقة بالجهات الحكومية.
  • الوضع المالي للصندوق والتزاماته ورهونه.
  • آليات موثوقة لتسوية النزاعات التجارية، بما فيها التحكيم المستقل.

وكل ذلك يمكن أن يسهم في تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي في العلاقات السورية- الإماراتية بشكل يسهم في تدفق الاستثمارات إلى سوريا.

ويتحول الاستثمار تدريجيًا منذ سقوط نظام الأسد إلى أحد مسارات تثبيت العلاقات السورية- الإماراتية، من خلال مصالح اقتصادية مشتركة تتجاوز إعادة الإعمار إلى التجارة والبنية التحتية والخدمات.

ولكن اختبار هذا التقارب يبقى في تحويل الاتفاقات والخطط المعلنة إلى مشاريع منفذة، واستثمارات فعلية تنعكس على الاقتصاد السوري، وفقًا لما يوصي به الباحث دسوقي.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة