
يفرض مشروع "ماروتا سيتي" كتلًا وأبراجًا زجاجية معزولة تكسر خط الأفق التقليدي لدمشق وتخلق تباينًا حادًا مع الأحياء السكنية المجاورة - 6 نيسان 2026 (عنب بلدي)

يفرض مشروع "ماروتا سيتي" كتلًا وأبراجًا زجاجية معزولة تكسر خط الأفق التقليدي لدمشق وتخلق تباينًا حادًا مع الأحياء السكنية المجاورة - 6 نيسان 2026 (عنب بلدي)
دمشق – غنى جبر
مع تغير الظروف، منذ سقوط النظام السابق نهاية 2024، انفتحت الأعين على مدينة دمشق التي أنهكتها سنوات الحرب وما سبقها من عقود جرى خلالها إهمال المدينة، وترك محيطها نهبًا للعشوائيات.
اليوم تنتظر دمشق حزمة من المشاريع الاستثمارية التي تشمل قلبها وتوسعاتها وريفها القريب، إذ تبرز أسئلة حول قدرة المدينة على استيعاب الأبنية والمشروعات الحديثة من دون التأثير في نسيجها التاريخي وهويتها، وهي التي تعرضت لتشويه في هويتها العمرانية، يبدو متعمدًا في بعض مراحله، الأمر الذي كلف خسارتها جانبًا من قيمتها الثقافية والفنية الجمالية.
المشاريع الجديدة تفرض تحديات دمج البناء المعاصر ضمن النسيج القائم، وتحديد المناطق التي يمكن أن تستوعب الأبراج والمشروعات الكبرى، بما يحافظ على المشهد البصري للمدينة ولا يحجب معالمها الرئيسة.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الإعلانات عن البدء بمشروعات إعادة الإعمار وإطلاق مشاريع تعتمد على التقنيات الحديثة والتصاميم والمعالم العصرية.
أوضح مدير مديرية دمشق القديمة، أمجد فرخ، لعنب بلدي، أن رؤية محافظة دمشق تنطلق من أن إعادة الإعمار لا يجب أن تكون مجرد عملية تعويض للأبنية المتضررة أو زيادة في الكتلة العمرانية، وإنما فرصة لإعادة تنظيم نمو المدينة مع الحفاظ على شخصيتها التاريخية والعمرانية.
دمشق التي يصفها المتخصصون كأقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، صُنفت كموقع تراث عالمي من قبل “يونسكو” عام 1979، تضم أغلب المعالم التاريخية للمدينة، والتي تعود إلى العصر “الهلنستي”، وهي فترة من التاريخ القديم كانت تزخر فيها الثقافة اليونانية بالكثير من مظاهر الحضارة.
وقال فرخ إن عملية إعادة الإعمار يجب أن تقوم على التمييز بين المناطق ذات الحساسية التراثية والعمرانية العالية، والمناطق الانتقالية، ومناطق التطوير العمراني الحديث، بحيث تختلف أدوات التخطيط وضوابط البناء والاستثمار بين منطقة وأخرى.
وأشار إلى أن الهدف النهائي هو الوصول إلى مدينة قادرة على التطور واستيعاب احتياجاتها الاقتصادية والسكنية والخدمية، من دون أن يؤدي هذا التطور إلى فقدان صورتها وهويتها أو قطع استمراريتها التاريخية.
وأضاف أن دمشق تمتلك مخططات تنظيمية وضوابط تحدد طبيعة البناء والاستثمار في أجزائها المختلفة، لكن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير هذه الأدوات ضمن رؤية أشمل تنظر إلى المدينة بوصفها مجموعة من المناطق المتباينة في خصائصها وقيمها العمرانية، بدلًا من التعامل مع كل عقار أو مشروع بصورة منفصلة.
توضيحات مدير مديرية دمشق القديمة تتعلق بالمناطق التراثية ولا تتطرق لمحيط المخطط التنظيمي لدمشق، إذ إن هناك منطقة تسمى “الحرم الأخضر” تتضمن غوطتي دمشق، الشرقية والغربية، يُمنع البناء عليها نهائيًا بموجب مخطط “إيكوشار”.
في عام 1936، وُضع أول مخطط تنظيمي لدمشق من قبل المعماريين الفرنسيين ميشيل إيكوشار ورينيه دانجيه، واعتمد تخطيط المدن الذي كان سائدًا في تلك الفترة شبكة طرق رئيسة تصل بين الساحات ذات الأشكال الهندسية، وشبكة طرق فرعية، و”كانت هذه الفترة هي فترة عمرانية انتقالية عاشتها دمشق”، بحسب ما قاله المهندس مظهر شربجي، في حديث سابق لعنب بلدي.
محيط المدينة تحول إلى بؤرة من التلوث لوجود المنشآت الصناعية والمعامل وانسياب المجارير والملوثات الكيماوية منها، ما يهدد مدينة دمشق، بحسب شربجي.
مدير مديرية دمشق القديمة، أمجد فرخ، ذكر أن المناطق التراثية ينبغي أن تكون الأولوية فيها للحفاظ والصيانة وإعادة التأهيل، في حين تحتاج المناطق ذات الحساسية البصرية، المرتبطة بالمدينة التاريخية أو بمعالمها الرئيسة، إلى ضوابط خاصة، أما المناطق الأخرى فيمكن أن تستوعب كثافات عمرانية أعلى وأنماطًا معمارية أكثر حداثة.
وأكد أهمية ربط هذه التصنيفات بقاعدة بيانات عمرانية متكاملة ومخطط استراتيجي يحدد المناطق التي تتطلب الحماية، وتلك التي تحتاج إلى إعادة التأهيل، والمناطق التي يمكن أن تستوعب تطويرًا عمرانيًا مكثفًا.
خلال العقود الماضية، ضاع مفهوم الهوية العمرانية لدمشق ضمن أنماط عمرانية عشوائية، وعانت المدينة القديمة من أبنية مرتفعة كـ”برج دمشق” بـ29 طابقًا، ومجمع “يلبغا”، كما شوهت الأبنية السكنية الطابقية أفق المدينة.
فرخ قال إن محافظة دمشق تعتمد اليوم على مجموعة من المعايير للموافقة على مشروعات إعادة الإعمار والبناء الجديدة في المناطق التاريخية.
وأضاف أنه لا يمكن تقييم أي مشروع فقط في تلك المناطق من خلال المساحة أو عدد الطوابق أو الجدوى الاستثمارية، بل يجب تقييم أثره على مجموعة من القيم العمرانية والتراثية.
ومن أهم المعايير: طبيعة الموقع، والقيمة التاريخية للمبنى أو المحيط، وعلاقة المشروع بالنسيج العمراني القائم، والارتفاع والحجم والكتلة المعمارية، ومواد البناء، وتأثير المشروع في المشهد البصري، إضافة إلى حركة المرور والبنية التحتية وطبيعة الاستخدام المقترح.
وفي المناطق التاريخية، يرى فرخ أن الاستثمار الثقافي والتراثي والسياحي والحرفي، إلى جانب إعادة توظيف الأبنية التاريخية، يمكن أن يحقق قيمة للمدينة على المدى الطويل تتجاوز ما يوفره الاستثمار العقاري التقليدي.
وأضاف أن الحفاظ على هوية دمشق لا يشكل بالضرورة عائقًا أمام الاستثمار، بل يمكن أن يكون أحد أصول المدينة الاقتصادية والتنافسية مستقبلًا، إذا أُدير ضمن رؤية توازن بين حماية التراث وتلبية الاحتياجات السكنية والاقتصادية والخدمية.
من جهته، قال الدكتور في هندسة العمارة وتخطيط المدن خالد الأيوب، إن دمشق تواجه تحديًا يتمثل في تحقيق التوازن بين متطلبات الحداثة والنمو السكاني من جهة، والحفاظ على نسيجها العمراني والتراثي من جهة أخرى.
وفي حديث إلى عنب بلدي، أشار الأيوب إلى أن أحد أبرز التحديات المتعلقة بضوابط البناء الحديث يتمثل في ضغط المضاربات العقارية، أي أن ارتفاع القيمة الاستثمارية للأراضي يدفع نحو الهدم العشوائي أو التشويه التدريجي للأبنية التقليدية لمصلحة كتل أسمنتية وتجارية سريعة الربح.
يمكن للأبراج أن تتعايش مع المدينة بشرط حصرها في محاور توسع جديدة ومحددة، مع فرض مناطق حماية بصرية تفصل بينها وبين المركز التاريخي.
وأوضح الأيوب أن ذلك يتطلب دراسة خطوط الرؤية، ومنع تشييد ناطحات سحاب خلف المعالم الرئيسة، كالمسجد الأموي أو جبل قاسيون، لضمان بقاء خلفيتها الطبيعية والتاريخية كما هي، إلى جانب إلزام الأبنية الحديثة بنسب ارتفاعات مدروسة تحافظ على خط الأفق التاريخي للمدينة، وتمنع حجب المعالم أو الإخلال بمقياس الشارع الإنساني.
بدوره، قال فرخ إن الارتفاع جزء من تكوين المشهد الحضري، لذلك من الضروري أن ترتبط دراسة الارتفاعات مستقبلًا بما يعرف بالممرات والمحاور البصرية، وبدراسات الأثر البصري، ولا سيما حول المواقع التاريخية والمعالم الرئيسة والمناطق ذات القيمة العمرانية المرتفعة.
وهذا يعني أن الارتفاع المقبول في منطقة ما قد لا يكون مقبولًا في منطقة أخرى، حتى ضمن المسافة نفسها، لأن القرار يجب أن يرتبط بطبيعة المشهد والطبوغرافيا وخطوط الرؤية والقيمة العمرانية للموقع.
وأضاف فرخ أن التعامل مع الأبراج لا يمكن أن يقوم على اعتمادها نموذجًا موحدًا لجميع مناطق دمشق، كما لا يعني الحفاظ على الهوية العمرانية إيقاف التطور الرأسي في المدينة بالكامل.
والمطلوب، بحسب فرخ، هو تحديد مناطق قادرة على استيعاب كثافات وارتفاعات أكبر، استنادًا إلى قدرتها الاستيعابية من حيث الطرق والبنية التحتية والنقل والخدمات، مقابل تحديد مناطق حماية وعازلة وممرات بصرية تُفرض فيها قيود واضحة على الارتفاعات.
ولا يعني الحفاظ على المباني التاريخية إبعادها عن النشاط الاقتصادي أو منع الاستثمار فيها، إذ يمكن أن تشكل جزءًا من الدورة الاقتصادية للمدينة بما يتناسب مع طبيعتها المعمارية، فيما يفرض التوسع العمراني إيجاد مناطق تستوعب المشروعات الكبرى بعيدًا عن مركز المدينة.
شهدت دمشق ومحيطها مشاريع تنظيمية أُقرت بموجب تشريعات خاصة، من أبرزها مشروعا “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي”، إلى جانب مشروعات تنظيم القابون الصناعي وجوبر، ومشروعات الأبراج والاستثمار العقاري في مناطق أخرى من المدينة.
ويرى الأيوب أن مشروع “ماروتا سيتي” يفرض كتلًا وأبراجًا زجاجية معزولة تكسر خط الأفق التقليدي لدمشق، وتخلق تباينًا حادًا مع الأحياء السكنية المجاورة من حيث الكثافة والنمط الاجتماعي والاقتصادي.
أما مشروع “باسيليا سيتي” فيقوم على استبدال النسيج الزراعي والعشوائي السابق بمخطط شبكي واسع وشبكات طرق شريانية، وهو ما يمنح فرصة لتخفيف الضغط عن المدينة، لكنه يهدد بعزل الهوية الريفية الشامية للمناطق الجنوبية.
وفي تنظيم القابون الصناعي وجوبر، يتمثل تغيير هوية المداخل بإحلال أبراج واستثمارات عقارية حديثة بدلًا من الورشات والنسيج الحرفي التقليدي، مع مخاطر قطع الاتصال التاريخي بين المدينة وبساتين الغوطة الشرقية.
وتطرح مشاريع الأبراج والتوسع التجاري في مناطق مثل محيط البرامكة وكفرسوسة تحديات تتعلق بقدرة البنية التحتية، والكثافات المرورية الخانقة، إلى جانب المنافسة البصرية مباشرة مع المعالم التاريخية كمحور التكية السليمانية وجامعة دمشق وجبل قاسيون.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى