“مونة” البيت السوري.. تغيرت الكميات وبقي التقليد

بين الحفاظ على تقاليد الأمهات والجدات ومحاولات التوفير وتوفير فرص عمل للنساء تواصل "المونة" دورها في توفير احتياجات الأسر السورية (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاضطناعي)

camera iconبين الحفاظ على تقاليد الأمهات والجدات ومحاولات التوفير وتوفير فرص عمل للنساء تواصل "المونة" دورها في توفير احتياجات الأسر السورية (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاضطناعي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – آلاء شعبو

من نحو 30 كيلوغرامًا من “المكدوس” إلى 15 كيلوغرامًا هذا العام، تراجعت الكمية التي تحضّرها لورين لبيتها خلال السنوات الماضية. لم تتخلَّ عنه، لكنها باتت تشتري مكوناته على دفعات، بحسب ما يتوفر معها من مال، وتعدّ كل كمية عندما تستطيع تأمينها.

في بيوت سورية أخرى، لا يرتبط التغيير بالكميات وحدها، فالنساء العاملات يجدن صعوبة في تخصيص الوقت اللازم لإعداد “مونة” الشتاء، فيما تحاول أمهات نقل طرق تحضيرها إلى بناتهن، وتحولت خبرة بعض النساء في تجهيز مؤونة الشتاء إلى مصدر دخل وفرص عمل لنساء أخريات.

وبين ما تستطيع الأسر تحضيره في المنزل وما تختار شراءه جاهزًا، تبقى “المونة” حاضرة، وإن اختلفت كمياتها وأصنافها وطرق إعدادها من بيت إلى آخر.

تفاصيل “المونة” السورية وطرق إعدادها تغيرت خلال سنوات الحرب وما بعدها تحت تأثير ضغط المعيشة، لكنها لم تنتهِ، وهي تقليد تحافظ عليه السوريات خصوصًا لتدبير احتياجات الأسرة.

“المونة” على قدر الإمكانات

منذ بداية موسم الباذنجان، لا تنتظر لورين حتى يتوفر معها ثمن “المونة” كلها، تشتري ما تستطيع، وتحضّره وتضعه في “المرطبانات”، ثم تعود إلى الشراء عندما يتوفر معها مبلغ آخر.

لورين (45 عامًا) ربة منزل، كانت تحضّر نحو 30 كيلوغرامًا من “المكدوس” لبيتها، لكنها منذ نحو سبع سنوات باتت تحضّر ما بين 10 و15 كيلوغرامًا، وهو ما فعلته هذا العام، إلى جانب مربى العنب والمشمش وأصناف أخرى.

وتقدّر لورين تكلفة كيلو “المكدوس” الذي تحضّره في المنزل بنحو 220 إلى 250 ليرة سورية، وترى أن إعداد “المونة” في المنزل أوفر من شراء المنتجات الجاهزة، لذلك تحاول تأمين ما تستطيع منها بحسب ما يتوفر معها.

شهر من التعب لأشهر من التوفير

بالنسبة إلى مجد (35 عامًا)، وهي مهندسة مدنية، لا تقتصر تكلفة “المونة” على ثمن مكوناتها، بل تشمل الوقت والجهد اللازمين لإعدادها، في ظل صعوبة التوفيق بين العمل خارج المنزل والمسؤوليات اليومية.

وقالت مجد لعنب بلدي، إنها باتت تستعين بأصحاب مشاريع “المونة” لشراء الباذنجان مسلوقًا وجاهزًا للحشو، لتتولى تحضير الحشوة وإكمال إعداد “المكدوس” في المنزل، بدلًا من القيام بجميع مراحل التحضير بنفسها.

ورغم أن هذه الطريقة تختصر عليها جزءًا من العمل، فإنها تضيف تكلفة، إذ تدفع مبلغًا مقابل تجهيز الباذنجان، إلى جانب ثمن بقية المكونات.

مناسبة تجمع أفراد العائلة

تستعيد صفا (65 عامًا) أيام إعداد البازلاء والفول، حين كانت “المونة” مناسبة تجتمع فيها الأسرة لإنجاز العمل معًا، إذ تحاول الحفاظ على هذه العادة مع ابنتيها، اللتين تجتمعان معها في منزلها لإعدادها، فيما تتولى هي الجزء الأكبر من العمل. لكن الكميات التي تحضّرها الأسرة من “المونة” تراجعت إلى نحو النصف مقارنة بما كانت تعدّه سابقًا.

وتعرف ابنتا صفا طرق إعداد “المونة”، لكنهما لم تجرّبا تحضيرها بمفردهما ما دامت والدتهما موجودة، بحسب تعبيرها، ولا تقتصر الأصناف التي تعدّها صفا على “المكدوس” ورب البندورة، بل تشمل الجبن والحلويات والمربيات.

تمتد ذاكرة صفا إلى حكايات والدتها عن طرق حفظ الطعام في زمن الأجداد، إذ كان يتم تخزينه شتاء لاستخدامه في الصيف، وكان يُرصّ بقوة ويُحفظ في الأقبية محاطًا بالتبن. وتتذكر أيضًا طرق حفظ اللحوم بالتجفيف في البرد، فيما يُعرف بـ”القديد”، وتحضير اللحم المفروم ناعمًا مع البهارات وحشوه في أحشاء الخروف.

ومن ذكرياتها أيضًا طريقة والدتها في حفظ البندورة خلال موسمها، إذ كانت تقطع الحبة إلى نصفين، وترشها بالملح، ثم تنشرها تحت الشمس حتى تجف، قبل وضعها في سلة مصنوعة من لحاء الخيزران لاستخدامها في الطبخ خلال الشتاء.

وقالت صفا لعنب بلدي، إن أيام إعداد “المونة” كانت فرصة لالتقاء أفراد الأسرة، وهو ما تحاول استعادته مع ابنتيها اليوم، إذ إن الأسرة كانت تنتظر موسم البازلاء والفول لتجتمع وتنهي العمل معًا، مضيفة أنها تحاول تكرار التجربة مع ابنتيها، حتى عند إعداد الحلويات.

مشروع يوفر دخلًا للنساء

بدأت هيام مرتكوش مشروعها قبل خمس سنوات بزراعة الملوخية وتجفيفها وتسويقها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تقرر توسيع العمل والاستعانة بعاملات في الموسم التالي.

ومع توسّع المشروع، باتت تستعين بنساء يصل عددهن إلى 20 امرأة، بحسب طبيعة العمل وحجم الطلب.

وتجهّز النساء أصنافًا متعددة من “المونة”، تشمل البازلاء والكوسا والباذنجان والخيار المجفف، ودبس الفليفلة والبندورة، والمربيات، إلى جانب الملوخية وغيرها من المنتجات المجففة المخصصة للاستهلاك الشتوي.

ويبدأ العمل نحو الساعة الثامنة صباحًا، ويستمر حتى الانتهاء من تجهيز المواد في ساعات المساء.

وقالت هيام، إن النساء العاملات معها أمهات ولديهن خبرة في إعداد “المونة” الشتوية، وترى أن المشروع يتيح لهن فرصة للاعتماد على أنفسهن ماديًا من خلال عمل يستند إلى خبراتهن.

وتلاحظ هيام أن المتزوجين حديثًا، ولا سيما المقيمين بعيدًا عن عائلاتهم، من أكثر الفئات التي تلجأ إلى شراء “المونة” الجاهزة بدلًا من إعدادها في المنزل.

أصناف تحفظ خيرات الموسم

تتنوع “المونة” السورية بحسب المحاصيل المتوفرة والعادات المنزلية، وتشمل طرقًا مختلفة لحفظ الطعام واستخدامه خارج موسمه، فالباذنجان، مثلًا، يُحضّر لـ”المكدوس” أو يُجفف لاستخدامه في أطباق الشتاء، ويُصنع منه المربى في بعض المناطق.

كما تُجفف البامية والملوخية والكوسا، فيما تحفظ بعض الأسر الفاصولياء والبازلاء والفول بالتجفيف أو الطبخ مع البندورة وتعليبها لاستخدامها لاحقًا.

وتشمل “المونة” مربيات المشمش والتين والعنب، إلى جانب مربى “الزفير”، وهو نوع من الحمضيات يُستخدم في صناعة المربى، فضلًا عن دبس العنب والرمان، وتحتفظ أسر أخرى بالكشك والجبن واللبنة المحفوظة بالزيت، إضافة إلى الزعتر و”الزهورات” المجففة.

وتختلف هذه الأصناف وطرق إعدادها من منطقة إلى أخرى ومن أسرة إلى أخرى، وفق المحاصيل المتوفرة وما تختار كل عائلة تحضيره وحفظه، لكن القاسم المشترك بينها هو الاستفادة من خيرات الموسم وتجهيز بعض احتياجات البيت مسبقًا.

تُظهر تجارب النساء اللواتي تحدثن إلى عنب بلدي أن “المونة” ما زالت جزءًا من تدبير احتياجات بعض الأسر، لكنها ترتبط اليوم بحسابات تتعلق بالقدرة على شراء المكونات، والوقت المتاح للتحضير، وما يمكن توفيره خلال أشهر الشتاء.

وبين لورين التي تحضّر “المكدوس” على دفعات، ومجد التي توازن بين جهد الإعداد وتكلفة الشراء، وصفا التي تحاول نقل خبرتها إلى ابنتيها، وهيام التي حوّلت هذه المهارة إلى مصدر دخل، تتعدد أشكال حضور “المونة” في الحياة اليومية.

أما حكايات الأمهات والجدات عن طرق حفظ الطعام قديمًا فتبقى جزءًا من الذاكرة التي تنقلها الأسر، وتمنح “المونة” معنى يتجاوز “المرطبانات” المخزنة إلى الخبرة التي تنتقل من جيل إلى آخر.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة