
يتحقق الطلاق الناجح بتحويل الشراكة الزوجية المنتهية إلى زمالة والدية مستمرة تحيط الطفل بالأمان النفسي وتبعده عن تصفية الحسابات الشخصية (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

يتحقق الطلاق الناجح بتحويل الشراكة الزوجية المنتهية إلى زمالة والدية مستمرة تحيط الطفل بالأمان النفسي وتبعده عن تصفية الحسابات الشخصية (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
عنب بلدي – شعبان شاميه
تحت وطأة الصمت المفاجئ الذي خلّفه طلاق والديه قبل عامين، ظن جابر (16 عامًا) أن العاصفة هدأت. تلاشت حدة الصراخ اليومي وعاد الهدوء إلى أركان المنزل، ومعه شعر بارتياح مؤقت، كمن التقط أنفاسه بعد رحلة طويلة من التوتر، لكنه لم يكن يعلم أن تفاصيل ما بعد الانفصال ستضعه أمام نوع آخر من المعاناة.
وجد جابر نفسه فجأة خارج حسابات الطفولة والمراهقة المستقرة، ليتحول من ابن ينتظر الرعاية والأمان إلى وسيط مجبر بين طرفين منفصلين. باتت تنقلاته تشبه حركة “ساعي البريد” بين جبهتين متناحرتين، بحسب تعبيره، فبمجرد عودته من زيارة والده، كان يخضع لجلسة استجواب دقيقة من والدته. وعلى الجانب الآخر، لم يكن والده يفوّت فرصة دون أن يحمّله رسائل هجومية مبطنة ليوصلها إلى أمه.
ويروي جابر، في حديثه لعنب بلدي، كيف عاش تحت ضغط عاطفي متواصل، تتنازعه مطالبات ضمنية تدفعه للاختيار بين أمه وأبيه، وسماع مستمر لتجريح متبادل ينهش صورتهما أمامه.
ويختصر المراهق تجربته معتبرًا أن فكرة عيش والديه في منزلين منفصلين لم تكن لتؤذيه، لكن ما أرهقه واستهلك طاقته هو إجباره على أن يكون طرفًا في نزاع لا ذنب له فيه، ليتحول من طفل يحتاج إلى الحماية، إلى مجرد صندوق رسائل لخلافات كبار لا تنتهي.
أوضحت استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، أن الطلاق بحد ذاته لا يسبب بالضرورة صدمة أو اضطرابًا نفسيًا آليًا للطفل، رغم كونه حدثًا ضاغطًا ومحوريًا في حياته.
وقالت العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، إن الفارق الجوهري تصنعه طبيعة البيئة المحيطة به قبل الانفصال وخلاله وبعده، إذ يرتبط الأثر بحجم الصراع بين الوالدين، وطريقة إخبار الطفل بالقرار، ومدى استقرار حياته اليومية، وجودة علاقته بكل منهما لضمان استمرار شعوره بالأمان والحب والحماية.
وفي مقارنة التحليل النفسي للأوضاع الأسرية، أشارت العرنوس إلى أن بقاء الطفل داخل صراع زوجي عدائي ومزمن يكون أشد إنهاكًا لنفسيته من قرار انفصال منظم ينهي هذا النزاع.
وأضافت أن الضرر الأكبر يقع عندما يتحول الطفل من ابن إلى طرف في النزاع، وهو ما يحدث عند سماعه الإساءات المتبادلة بين والديه، أو مطالبته بالاختيار بينهما، أو استخدامه ناقلًا للرسائل، فضلًا عن إخضاعه للاستجواب عما يفعله في منزل الطرف الآخر.
وينعكس هذا السلوك سلبًا على الطفل ليضعه في “صراع ولاء” مؤلم، إذ يتولد لديه شعور بالذنب وخيانة والده إذا أظهر حبه لأمه، في حين يخشى إيذاء مشاعر أمه إذا عبّر عن اشتياقه لأبيه.
وتؤكد الأدلة البحثية في هذا السياق وجود ارتباط وثيق بين استمرار الصراعات الوالدية بعد الانفصال، وظهور صعوبات نفسية وسلوكية لدى الأبناء.
قالت استشارية علم النفس الأسري، إن إخبار الطفل بقرار الانفصال يجب أن يراعي عمره وقدرته على الاستيعاب، مع تجنب تفاصيل الخلافات الزوجية.
وترى العرنوس ضرورة توجيه الوالدين رسالة أساسية، مشتركة ومتسقة، مفادها: “قررنا ألا نعيش كزوجين في منزل واحد، لكننا سنبقى والديك. أنت لم تسبب هذا القرار، ولا تستطيع إصلاحه، وكلانا سيظل مسؤولًا عنك”.
ولفتت إلى أن الطفل يحتاج هنا إلى إجابات عملية تمس واقعه اليومي، أكثر من حاجته إلى معرفة الأسباب، مثل مكان نومه، ومواعيد رؤية والده، واستقراره المدرسي، ومن يتولى أنشطته، مؤكدة أن ثبات هذه التفاصيل يعيد إليه القدرة على توقع مجريات حياته.
وفي حال سؤال الطفل عن سبب الانفصال، تنصح الاستشارية بالإجابة بصدق يناسب عمره دون تحميله أسرار البالغين، كالقول: “كانت بيننا مشكلات لم نستطع حلها كزوجين، وهذا قرار يخص الكبار”.
كما تحذر من إشراك الطفل في تفاصيل معقدة كالقضايا المالية أو الخيانة، أو تحويله إلى مستمع لشكوى أحد الطرفين، لما يفرضه ذلك من حمولة نفسية ثقيلة تخرج عن نطاق مسؤوليته وتؤثر سلبًا على نموه العاطفي.
ووفقًا للاستشارية، فإن بناء الأمان النفسي للأبناء بعد الانفصال يتطلب الحفاظ على أكبر قدر من استقرار روتينهم اليومي، كمواعيد النوم، والدراسة، والأنشطة، مما يساعد جهازهم النفسي على استعادة شعور التوقع والسيطرة، دون اشتراط تطابق المنزلين تمامًا، بل يكفي وضوح القواعد وسلاسة الانتقال.
في سياق متصل، تُعرّف العرنوس “الطلاق الذكي” بأنه الانفصال الذي يديره البالغون دون تحميل الطفل فاتورته العاطفية، إذ تنتهي الشراكة الزوجية وتستمر المسؤولية الوالدية عبر تواصل وظيفي يحترم الطرف الآخر، ويُبعد النزاعات القانونية والمالية عن المساحة النفسية للطفل.
أما عن الحضانة المشتركة، فترى الاستشارية أنه لا توجد صيغة جاهزة أو قالب موحد يناسب جميع العائلات، إذ تشكل جودة الرعاية والاستقرار ومستوى النزاع محددات أساسية لنجاحها.
وتوصي بالابتعاد عن “الحضانة الآلية”، وهي التطبيق الحرفي لجداول تقاسم الوقت والأيام دون مراعاة للاحتياجات النفسية المتغيرة للطفل، مشددة على أن “الأمان يسبق التعاون”، خاصةً في حالات العنف أو النزاع الشديد التي لا يصلح معها هذا النمط من الرعاية الجامدة.
حول السلوكيات المتوقعة بعد الانفصال، قد تظهر على الطفل علامات كالحزن والغضب واضطراب النوم والتعلّق الزائد والانسحاب، أو إبداء سلوكيات أصغر من عمره، فضلًا عن الشكاوى الجسدية والتراجع الدراسي كاستجابات تكيفية مؤقتة.
وتكمن الخطورة، وفقًا للاستشارية، في حال استمرار هذه الأعراض أو زيادة شدتها، أو تأثيرها الواضح على حياة الطفل اليومية، وتحولها إلى سلوكيات عدوانية أو إيذاء للذات، مما يستدعي تدخلًا طبيًا أو نفسيًا مباشرًا.
وحددت العرنوس أعمدة بناء المرونة النفسية للطفل في أربع ركائز: تأمين علاقة مستقرة، وضمان روتين متوقع، ومنحه مساحة للتعبير عن مشاعره، وإبعاده تمامًا عن الصراع، مع ضرورة حمايته من تحمل مسؤولية مزاج الوالدين، والسماح له بعيش طفولته الطبيعية من لعب وأصدقاء ومدرسة وأحلام.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى