التعليم.. وآليات الضبط الجندري وترسيخ المظالم الهيكلية
لمى قنوت
تتيح تجارب الجماعات المسلحة التي انتقلت من السيطرة على بقعة جغرافية محددة إلى إدارة مؤسسات الدولة مدخلًا لفهم التحول السياسي وإعادة تشكيل علاقات القوة المجندرة. فخلال الحروب والصراعات، تُنشئ الجماعات المسلحة أجهزة للأمن والقضاء والإدارة، وتضع قواعد لضبط الحياة الاجتماعية التي تقيد سلوك الأفراد وحركتهم في المجال العام، وآليات لإنفاذها ومراقبتها. وعندما تتوسع سلطة الجماعات وتسيطر أو تستولي على مؤسسات الدولة، وتواجه القواعد التي أرستها سياقات مختلفة، تحولها من ممارسات محلية إلى سياسات عامة وتشريعات، وأجهزة إدارية قادرة على الإنفاذ.
في السياق السوري، وبالنظر إلى تاريخ الحكم الفصائلي في مناطق مختلفة، وإلى سيطرة شخصيات وشبكات مرتبطة بـ”هيئة تحرير الشام” وحكومة “الإنقاذ” على السلطة والمواقع المركزية داخل المؤسسات الانتقالية، يتيح تتبع السياسات والخطابات والأنشطة المنشورة، قبل المرحلة الانتقالية وخلالها، تحليل إعادة تشكيل طبيعة الحكم والمواطنة، انطلاقًا من المعايير الجندرية التي تسهم في تحديد الحقوق والفرص والأدوار المقبولة في المجال العام. كما يتيح هذا التتبع فحص علاقات القوة الناشئة التي تتشكل من خلال القرارات الفوقية التي تصدرها السلطة وتسعى إلى فرضها عبر المؤسسات الرسمية وأجهزتها، وفق ما تحمله من تصورات معيارية بشأن الجندر والأسرة واللباس والسلوك والتعليم والعمل والمشاركة العامة.
ويشكل التعليم أحد المواقع الأساسية التي تتحدد فيها علاقة الفرد بالدولة، ويوسع التعليم فرص اكتساب المعرفة والمؤهلات، ويشكل إحدى بوابات العمل اللائق والاستقلال الاقتصادي، ويسهم في تشكيل المواطنة والانتماء والهوية. وتعمل السياسات التعليمية التي تصوغها وتهندسها السلطة الانتقالية في سوريا، على إعادة إنتاج علاقات القوة جندريًا وطبقيًا وطائفيًا، وهو مسار تراكمي يتبلور تدريجيًا وفق أولويات السلطة ومعاييرها، سواء تمت عبر القوانين والإجراءات الرسمية التي تقرها أو غير الرسمية التي تدعمها أو تغض النظر عنها.
أوجه التشابه والاختلاف بين مرحلتين
يأتي تحليل أوجه التشابه والاختلاف بين التعليم في إدلب خلال سيطرة “هيئة تحرير الشام” وإدارة حكومة “الإنقاذ” سابقًا، وبين التعليم في المرحلة الانتقالية، من زاوية استخدام التعليم لإعادة تشكيل المجتمع، وامتلاك السلطة على تحديد المعرفة المشروعة، وفحص آليات الضبط في كلتا المرحلتين، وما إذا كانت المنظومة التعليمية تسهم في بناء مواطنة متساوية، أم تعيد إنتاج علاقات القوة والمظالم الهيكلية المبنية على معايير أبوية ومعيارية قصرية.
المناهج.. من تعديل المحتوى إلى بناء سردية
اعتمدت حكومة “الإنقاذ” في مناطق نفوذها سابقًا على ذات المناهج التي كانت تدرس في 2011، مع حذف المواد المرتبطة بتمجيد نظام الأسد، وما اعتبرته مخالفًا للشريعة الإسلامية، وحذفت مادة التربية الوطنية مقابل توسعة ضخمة لساعات مقررات التربية الإسلامية، وتم منح ساعات إضافية خارج المنهاج كنوع من استخدام “الدين كأداة لمنح الشرعية والتحشيد”، وفق ما ورد في دراسة بعنوان “ديناميات الإقصاء والعنف في التعليم وأثره في بناء السلام في سوريا”، كما أجرت تغييرات جذرية في مادة الفلسفة. وبالتوازي، أُنشئت “الدائرة الشرعية” كهيئة وصائية مسؤولة عن سير ومراقبة التدريس، ذات صلاحيات واسعة، دون أن يتمتع أعضاؤها بالتأهيل العلمي والأكاديمي “الملائم للرقابة الميدانية“.
وعلى صعيد التمييز على أساس الجندر في المناهج التي اعتمدت في إدلب سابقًا، استمر الخطاب والسرد بصيغة المذكر، كجزء مُعبر عن الهيمنة، واستبعدت صيغ المؤنث، مع التركيز على قصص الرجال، المعتمدة خلال سيطرة الأسد، وحذفت أسماء النساء، باستثناء اسم وحيد في كتاب التاريخ ذكر خولة الجزائرية “لالا فاطمة نسومر”.
بعد سقوط الأسد، قامت حكومة تسيير الأعمال في بداية عام 2025، بشكل أحادي، وبتوجه أيديولوجي، ودون مشاورات مهنية ومجتمعية، بإجراء تغييرات على جميع مناهج المراحل الدراسية، وحذفت منها ما حذفته سابقًا حكومة “الإنقاذ” في إدلب، إضافة إلى حذف أسماء شخصيات نسائية تاريخية مثل الملكة زنوبيا، وغيرت عبارات وطنية مثل “الدفاع عن الوطن” لتصبح “في سبيل الله”، وعدلت في وصف حرب تشرين 1973 من “التحريرية” إلى “الاستعراضية”، وألغت جميع الفقرات والصور المتعلقة بها، ولاحقًا ألغي تاريخها من تقويم العطل الرسمية في المرسوم رقم “188”، في حين أن مصر، التي خاضت وسوريا هذه الحرب ضد إسرائيل، تحتفي بذكرى الحرب وتصفها بـ”ملحمة العبور والنصر”، وتُبرز في المناهج التعليمية تفاصيل العمليات العسكرية كجزء من تاريخها المعاصر. كما قامت السلطة الانتقالية في مطلع هذا العام، باستبدال أسماء المدارس المتعلقة بإرث نظام الأسد، لكن هذه التغييرات ألغت أيضًا تكريم شخصيات وطنية تاريخية لا علاقة لها بالنظام البائد مثل محمد كرد علي وحسن الخراط وغيرهما لأسباب أيديولوجية واحتكار للسردية والشرعية.
مؤخرًا، وبعد صدور قائمة مفاضلة القبول الجامعي والمعاهد العليا للعام الدراسي 2026–2027، استُبعد قبول الطالبات في عدد من الاختصاصات، ككلية العلوم الأمنية والمعهد التقاني للعلوم الأمنية وقسم الإخراج الإذاعي والتلفزيوني في المعهد التقاني للإعلام التابع لجامعة إدلب، وشمل الاستبعاد كلية العلوم الإنسانية والإدارية في الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية بدمشق، عدة اختصاصات، كالإدارة والاقتصاد، والعلوم القانونية، والعلوم الاجتماعية، إضافة إلى استبعادهن من بعض المعاهد التقنية، في حين حصر اختصاص التربية (رياض الأطفال) في عدد من المحافظات بالطالبات.
ولا تتعلق قائمة المفاضلة بحرمان الطالبات من حقهن في اختيار الاختصاص الذي يرغبن به فحسب، بل يمتد ذلك إلى تقسيم جندري للعمل وجندرة للحياة العامة، حيث تحصر النساء في أدوار نمطية قسرية ومهن الرعاية، وييسر وصول الرجال إلى مجالات السلطة والأمن والإدارة والقانون، وهو تمييز يتناقض مع عدد من نصوص الإعلان الدستوري، كالمادة 10 و12 و15 و21. ويعتبر هذا التمييز آلية، قديمة متجددة، من آليات الضبط الجندري، وترسيخ المظالم الهيكلية، وتوزيع الوصول، وتحديد علاقات القوة الرسمية وغير الرسمية، وغيرها من السياسات التي تمارسها السلطة الانتقالية بشكل مركزي وفوقي.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





