4700 قطعة أثرية مفقودة بالرقة.. مساعٍ حكومية وأهلية لاستعادتها

مديرية آثار الرقة تتسلم قطعًا أثرية من أحد المواطنين في محافظة الرقة - 12 تشرين الاول 2026 (عنب بلدي/ أحمد الحمدي)

camera iconمديرية آثار الرقة تتسلم قطعًا أثرية من أحد المواطنين في محافظة الرقة - 12 تشرين الاول 2026 (عنب بلدي/ أحمد الحمدي)

tag icon ع ع ع

تسعى مديرية آثار الرقة إلى استعادة القطع الأثرية التي فُقدت خلال سنوات الحرب، التي تسببت بعمليات نهب وسرقة واسعة طالت المتحف وعددًا من المواقع الأثرية المنتشرة في المنطقة، وفق ما قاله مدير دائرة آثار الرقة، عبد الجبار العبد الله.

وأدت تلك الظروف إلى فقدان آلاف القطع الأثرية التي كانت محفوظة ضمن مقتنيات متحف الرقة أو موجودة في المواقع الأثرية والتلال التاريخية التابعة للمحافظة. 

وتعمل مديرية آثار الرقة، بحسب ما قاله العبد الله لعنب بلدي، بالتعاون مع الجهات المعنية بالآثار والتراث، على تتبع واسترداد هذه القطع والحفاظ على ما تبقى منها، لما تمثله من قيمة تاريخية وحضارية توثق المراحل المختلفة التي شهدتها المنطقة عبر العصور.

كما تسعى إلى تشجيع المواطنين على الإبلاغ عن أي قطع أثرية أو تسليمها للجهات المختصة، في إطار الجهود الرامية إلى حماية التراث الثقافي والحفاظ عليه للأجيال القادمة. 

أهالٍ يسلّمون قطعًا أثرية

انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي والصفحات الرسمية مشاهد لمواطنين من أبناء الرقة وهم يسلّمون قطعًا أثرية كانت بحوزتهم إلى دائرة الآثار، بعد أن احتفظوا بها لسنوات نتيجة إقامتهم بالقرب من مواقع أثرية أو عملهم فيها خلال الفترات الماضية 

ومن بينهم حارس موقع “هرقلة” الأثري، عبد اللطيف الخلف، الذي التقت به عنب بلدي وقال إنه عثر على القطع الأثرية خلال عمله في الموقع، خلال وجوده بالقرب من المستودعات التابعة للموقع الأثري بعد أن لاحظ أنها ستنهب بعد تحرير الرقة من النظام السابق عام 2013. 

وأوضح عبد اللطيف أنه نقل القطع إلى منزله وحافظ عليها بعد العثور عليها، ثم أخفاها في مكان آمن خشية تعرضها للسرقة أو العبث، مؤكدًا أنه تعامل معها على أنها أمانة ومسؤولية وطنية. 

وأضاف أنه تواصل بعد أيام مع أمين متحف الرقة بعد خروج “قسد”وتسلّم الحكومة السورية لمؤسسات الدولة ومنها المتحف، وأبلغه بالأمر، لتبدأ بعد ذلك سلسلة من الاتصالات والمتابعات مع المديرية العامة للآثار والمتاحف بهدف تسليم القطع الأثرية إلى الجهات المختصة. 

وبحسب عبد اللطيف، استمرت المتابعة والتنسيق رغم الظروف التي شهدتها محافظة الرقة خلال سنوات الحرب، إذ بقي على تواصل مع المسؤولين في قطاع الآثار حتى بعد سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على المدينة عام 2013، واستمر التواصل إلى حين استعادة الرقة وخروج التنظيم منها. 

وأشار إلى أنه عقب تحرير المدينة جرى التنسيق مع فرق المديرية العامة للآثار والمتاحف، التي حضرت إلى الموقع، حيث أُخرجت القطع الأثرية من المكان الذي كانت مخبأة فيه وسُلّمت رسميًا إلى الجهات المختصة. 

واعتبر الخلف أن الحفاظ على الآثار مسؤولية تقع على عاتق جميع المواطنين، مضيفًا أن التراث الأثري يمثل هوية المجتمع وذاكرته التاريخية، ويتطلب تعاون الجميع لحمايته وصونه للأجيال المقبلة. 

ودعا في ختام حديثه كل من يعثر على أي قطعة أو معلومة أثرية إلى تسليمها للجهات المختصة حفاظًا على الإرث الحضاري، وفق تعبيره. 

كما ‌‏سلّم المواطن خالد عبد الحليم مجموعة من القطع الأثرية التي حافظ عليها منذ ‏عام ‌‏2014، إلى متحف الرقة، لتعود إلى عهدة دائرة الآثار تمهيدًا لإدراجها ضمن ‌‏مقتنيات المتحف ومعروضاته المستقبلية.‏ 

وأوضح عبد الحليم في حديث لوكالة “سانا“، في 15 من تشرين الأول، أنه بادر بعد عودة ‌‏مؤسسات الدولة إلى محافظة الرقة لتسليم القطع أصولًا إلى متحف المدينة، لافتًا ‏إلى ‏أنه حرص طوال السنوات الماضية على حمايتها وتغليفها بعناية، انطلاقًا من ‏إيمانه ‏بأنها تمثل جزءًا من تاريخ بلاده، وهويتها الحضارية، ولا يجوز التفريط بها ‏مهما ‏كانت الظروف.‏ 

ودعا عبد الحليم المواطنين إلى تسليم ما بحوزتهم من قطع أثرية أو مقتنيات تاريخية ‌‏إلى الجهات المختصة، مؤكداً أن الحفاظ عليها مسؤولية وطنية مشتركة.‏ 

100 موقع أثري

تعد محافظة الرقة من أغنى المحافظات السورية بالمواقع الأثرية، إذ تضم أكثر من 100 موقع وتل أثري موزعة على امتداد المحافظة، تعود إلى حضارات وحقب تاريخية متعاقبة، من عصور ما قبل التاريخ وصولًا إلى العصر الإسلامي.

ومن أبرز هذه المواقع الرصافة، وقلعة جعبر، وتل البيعة (توتول)، وتل الصبي الأبيض، وقصر البنات وموقع هرقلة، ما يمنح الرقة أهمية استثنائية على خريطة التراث السوري.

4700 قطعة أثرية فُقدت من متحف الرقة

بدوره قال مدير آثار الرقة، عبد الجبار العبد الله، إن عدد القطع الأثرية المتحفية التي فُقدت من متحف الرقة بعد عام 2013 يُقدّر بأكثر من 4700 قطعة، وسط معلومات متضاربة حول مصيرها والجهات التي أسهمت في إخفائها أو فقدانها. 

وأوضح العبد الله أن من أبرز القطع المفقودة مجموعة من الألواح المسمارية القادمة من موقعي الصلبي الأبيض وتل البيعة، إلى جانب قطع خزفية مزججة مميزة. 

وأضاف أن من بين أهم المقتنيات المفقودة أكثر من 500 قطعة أثرية نُقلت إلى مبنى المصرف المركزي في الرقة خلال وجود النظام السابق في المحافظة عام 2013، قبل أن يُفقد أثرها لاحقًا. 

وحول جهود استعادة الآثار، بيّن مدير آثار الرقة أن تتبّع القطع الموجودة خارج حدود سوريا يتم عبر الإنتربول الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، إضافة إلى التواصل المباشر مع الحكومات الغربية والولايات المتحدة. 

وأشار إلى أن المسارات السياسية والدبلوماسية تسهم أحيانًا في استعادة بعض القطع، مستشهدًا بما حدث أخيرًا مع الولايات المتحدة. 

وفي ما يتعلق بالآثار المستردة داخل المحافظة، قال العبد الله إن دائرة الآثار تمكنت خلال الفترة الماضية من استعادة عدد من القطع التي كانت مخزنة لدى أفراد أو حراس مواقع أثرية.

ومن بين الأمثلة حارس موقع تل البيعة الذي أخفى عددًا كبيرًا من القطع تحت الأرض لسنوات طويلة، إضافة إلى حارس قصر البنات وآخرين احتفظوا بقطع أثرية وسلّموها لاحقًا للجهات المعنية. 

وأضاف العبد الله أن بعض الأهالي يزوّدون المتحف بقطع أثرية وصلت إليهم بمرور الزمن بطرق مختلفة أو عثروا عليها بالمصادفة، مؤكدًا أن من الصعب تحديد العدد الدقيق للقطع التي أُعيدت حتى الآن، إلا أن ما تم استرداده يُعد نسبة جيدة مقارنة بحجم المفقودات. 

ووجه مدير آثار الرقة رسالة إلى أهالي المحافظة، معتبرًا أن “متحف الرقة هو خزان ثقافة المحافظة وذاكرتها التاريخية، ولا يمكن ترك هذه الذاكرة بلا حماية”. 

ودعا كل من يمتلك قطعًا أثرية إلى تسليمها لدائرة آثار الرقة، لتكون جزءًا من الإرث الوطني المحفوظ في متحف الرقة، وتسهم في حماية تاريخ المنطقة للأجيال المقبلة.

تعدد جهات السيطرة

منذ عام 2013، تعددت جهات السيطرة على الرقة، بدءًا من فصائل المعارضة والفصائل الإسلامية، ثم سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” عليها مع نهاية نفس العام، وبعدها انتزاعها من التنظيم على يد التحالف الدولي و”قسد”، في تشرين الأول من عام 2017، وصولًا إلى فرض الجيش السوري الجديد سيطرته على المحافظة في 18 من كانون الثاني الماضي. 

عاشت المحافظة خلال المراحل الثلاث التي سبقت دخول الجيش السوري إليها سنوات من التجاذب بعد أن فرضت تلك الجهات ظروفًا تتعلق بتوجهاتها الفكرية والدينية والسياسية، انتهت جميعها تواليًا إلا أن آثارها لا تزال واضحة على المحافظة وسكانها. 

وكانت سنوات الحرب وتعاقب القوى المسيطرة على الرقة سببًا في فقدان جزء من مقتنيات المحافظة الأثرية، إلى جانب تعرض عدد من المواقع المنتشرة فيها للتخريب والنبش غير المشروع، في ظل غياب الرقابة وصعوبة حماية المواقع الأثرية خلال فترة النزاع. 



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة