
ماري تيريز كرياكي (مونت كارلو)

ماري تيريز كرياكي (مونت كارلو)
جبر الشوفي
لم تكن السيدة السورية- النمساوية ماري تيريز كرياكي المرأة الوحيدة التي قدمت، منذ تزوجت إلى النمسا عام 1987، أشكالًا متعددة من الدعم والمساندة لأبناء بلدها، ولكنها ربما كانت الوحيدة التي استوفت بخبرتها المهنية وعملها التطوعي والثقافي على مدى عقود تجربة مميزة في العمل المدني والإنساني، وأولت المرأة والطفل والتعليم والصحة والإغاثة والحوار بين الثقافات كل اهتمامها، واستطاعت بمبادرات متتالية ومشاريع متعددة أن تصل بين المجتمعين السوري والنمساوي وتلبية احتياجات السوريين في الداخل وبلدان اللجوء، عبر العمل المدني التضامني والإنساني والتبادل الثقافي.
ولدت ماري تيريز كرياكي في حي باب توما الدمشقي لأب سوري من أصول يونانية وأم لبنانية ودرست المرحلة الابتدائية في مدرسة راهبات “القلبين الأقدسين” الرسمية (القسم الداخلي) في مدينة حماة، وتابعت دراستها الإعدادية والثانوية في دمشق، ثم في عام 1984 تخرجت في قسم الأدب الفرنسي بجامعة “دمشق”، ومنذ قدومها إلى النمسا بدأت مسارًا مهنيًا ومدنياً امتد عدة عقود.
عملت ماري تيريز في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا/UNRWA)، ثم انتقلت إلى مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات وعملت في مجال الإدارة والميزانيات والتنظيم والجريمة (UNODC) لغاية 2022، وساهمت في تنظيم عدد من المؤتمرات والفعاليات الدولية. وإلى جانب ذلك، واصلت نشاطها في المجتمع المدني والعمل التطوعي، ولاسيما المرتبطة بالنساء والأطفال واللاجئين والحوار بين الثقافات.
في عام 1997، شاركت ماري تيريز في تأسيس رابطة المرأة العربية النمساوية، التي هدفت إلى تمكين المرأة العربية وتعزيز مشاركتها في المجتمع النمساوي، وفتح مساحات للتواصل بين الأجيال والثقافات. وعلى مدى السنوات، نظمت الرابطة برئاستها أنشطة ثقافية واجتماعية وفنية متعددة، شملت السينما والمسرح والأمسيات الأدبية والفعاليات الثقافية، إضافة إلى المبادرات الموجهة للنساء والأطفال والشباب، والهادفة إلى مدّ الجسور بين المجتمعين العربي والنمساوي، والحفاظ وفي الوقت نفسه على خصوصية اللغة العربية والثقافة والهوية.
منذ سنواتها الأولى، ارتبط مسارها بالعمل التطوعي، وتابعته في كل من سورية والنمسا من خلال التعليم ومساعدة الأطفال واللاجئين والمبادرات الاجتماعية. وفي عام 2011، أطلقت مشروع “بلسم” بمساعدة النساء والأطفال السوريين المتضررين من الحرب، ثم تطور المشروع مع مرور السنوات إلى مجموعة واسعة من المبادرات الإنسانية والتعليمية والصحية والثقافية.
وقد شملت أنشطة “بلسم” تقديم المساعدات الطبية والأدوية والمواد الغذائية ومستلزمات النظافة، وتنظيم حملات طبية، ودعم النساء في التدريب المهني وإنشاء مشاريع صغيرة، وعلاج وإجراء عمليات جراحية للأطفال المصابين، إضافة إلى توفير أشكال مختلفة من الدعم للأطفال والنساء في مناطق اللجوء والنزوح.
وفي السنوات الأولى للمشروع، وصلت المبادرات إلى المناطق القريبة من الحدود السورية- التركية حيث وثقت وسائل إعلام نمساوية وأوروبية نشاط فريق “بلسم” في الرعاية الطبية والأدوية والمساعدات، كما شملت المبادرات إنشاء ودعم مراكز صحية، وتأمين خيام مدرسية وأخرى للمعيشة، وتوزيع المساعدات على الأسر الأكثر احتياجًا وبناء وحدات صحية في العديد من المخيمات العشوائية.
وبعد زلزال شباط/فبراير 2023 الكارثي، اتسع نطاق عملها الإغاثي ليشمل تقديم مساعدات إنسانية وطبية، وترميم عدد من البيوت المتضررة في شمالي سوريا والساحل السوري، إضافة إلى أشكال مختلفة من الدعم للأسر المتضررة.
وقد بادرت بمساهمتها الشخصية ومع أفراد من عائلتها بتبرعات خاصة لتسديد الأقساط الجامعية لـ142 طالبًا وطالبة سوريين وسوريات، كانوا يدرسون في كليات الطب والهندسة والصيدلة في تركيا وشمالي سوريا. وقد شكّل هذا الدعم امتدادًا لفكرة “بلسم” في: “مساعدة الإنسان اليوم والاستثمار في قدرته على بناء مستقبله غدًا”.
ومن أحدث مجالات العمل الإنساني التركيز على توفير الأطراف الصناعية للأطفال الذين فقدوا أطرافهم، وخاصة الأطفال المقيمين في المخيمات غير الرسمية.
لم يقتصر مشروع “بلسم” على المساعدات المباشرة، بل اتجه أيضًا إلى التعليم والثقافة. وأنشأ مركزًا ثقافيًا للأطفال والشباب، ضم أكثر من 3500 كتاب، قبل أن يتعرض للدمار بسبب الزلزال، كما شملت المبادرات تنظيم ورشات للأطفال والنساء والشباب في المجالات التعليمية والطبية والنفسية والفنية، ودعم النساء في اكتساب مهارات تساعدهن على تأمين مصادر دخل. وهكذا تحول “بلسم” تدريجيًا من مشروع إغاثي إلى مساحة واسعة للعمل الإنساني، المتداخل مع الإغاثة والتعليم والصحة وتمكين المرأة وحماية الطفولة.
على مدى 29 عامًا، تولت ماري تيريز كرياكي إدارة وتنسيق دورة تطوعية لتعليم اللغة العربية في فيينا، وقد تطورت الدورة مع مرور الوقت إلى برنامج تربوي وثقافي للأطفال والشباب، بالاستناد إلى أساليب تعليمية حديثة، من بينها بعض مبادئ منهاج “مونتيسوري” الذي يجمع بين تعليم اللغة والأنشطة الفنية والموسيقية والثقافية، التي تعزز صلة الأطفال باللغة العربية وبجوانب من الثقافة والحضارة العربيتين. وقد تولت التدريس فيها مجموعة من المدرسات من ذوات الخبرة، وأصبحت الدورة واحدة من المشاريع المستمرة والتي تربط بين الحفاظ على اللغة الأم والاندماج الإيجابي في المجتمع النمساوي.
أصدرت رابطة المرأة العربية النمساوية حتى الآن 48 نشرة وعملت ماري تيريز على تحرير معظمها، وقد شكلت نشرتها مساحة للحوار ونشر المقالات والدراسات والآراء المتعلقة بالشأن السوري والعربي والنمساوي وقضايا المرأة والمجتمع والثقافة.
إلى جانب العمل الإنساني والاجتماعي، اهتمت ماري تيريز بالكتابة والثقافة، فصدرت لها مجموعتان قصصيتان، هما “المنطقة الرمادية” و”الهروب إلى أمام”، وهي تعمل على مجموعة قصصية ثالثة.
وتتناول كتاباتها موضوعات إنسانية واجتماعية، وتركز على الإنسان في علاقته بالظلم والخوف والفقدان والحرب والهجرة، وعلى قدرة الإنسان، ولا سيما المرأة، على الاستمرار وإعادة بناء حياته.
وقد ترجمت مجموعتها إلى الإنجليزية وتُرجمت بعض كتاباتها إلى لغات مختلفة، وقد أشار ناشر أعمالها الكتابية إلى تجربتها ككاتبة وصحفية وناشطة في مجال حقوق المرأة، وإلى مسار عملها في الأمم المتحدة والعمل المدني. كما أولت اهتمامًا كبيرًا بالنشاط الثقافي، وأسهمت في تنظيم أسابيع للسينما وأيام للثقافة السورية والعربية والفعاليات الفنية والأدبية، منطلقة من كون الثقافة وسيلة للتعارف والتواصل بين الشعوب.
ومن ضمن نشاطاتها، أسست ماري تيريز “الحوارات الودية”، لتوفير مساحة مفتوحة لنقاش القضايا الاجتماعية والثقافية بين المنتمين إلى خلفيات وثقافات متباينة، بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة واستضافت في تلك اللقاءات مثقفين ومثقفات من العالم العربي والنمسا، لبناء لغة مشتركة تقوم على الاستماع والتفاعل والاحترام المتبادل.
انطلاقًا من اهتمامها، ساعدت ماري تيريز في إنشاء منتدى للشباب يوفر مساحة آمنة للتعبير عن الأفكار ومناقشة القضايا التي تهم الجيل الجديد، وتشجيع الحوار المتكافئ والانفتاح على الآخر. كما أطلقت مساحة للحوار النسائي تهدف إلى إتاحة الفرصة للنساء لتبادل الآراء والخبرات في أجواء من الحرية والاحترام، وتشجيع التفكير النقدي والحوار حول قضايا المرأة والمجتمع.
في عام 2015، أطلقت ماري تيريز، بالتعاون مع الموسيقي السوري عروة الشوفي، مشروع “ناي” الذي تطور إلى “أوركسترا ناي الشرقية” ومبادرات موسيقية للأطفال والشباب، ويقدم المشروع للجمهور النمساوي نماذج من الموسيقا والفنون السورية والعربية.
وقد أتاح المشروع للأطفال والشباب من خلفيات مختلفة فرصة لتطوير مواهبهم الموسيقية والحفاظ على صلتهم بالتراث الموسيقي العربي، وقد تطور المشروع لاحقًا، ليشمل فرقًا وجوقات للشباب والأطفال، إلى جانب برامج تعليمية وتدريبية في الموسيقا والغناء الجماعي. وقد أشارت مصادر أكاديمية وثقافية نمساوية إلى المبادرات التي تديرها ماري تيريز ودورها في بناء التواصل بين المجتمعات.
حصلت ماري تيريز كرياكي على عدد من الجوائز والتكريمات تقديرًا لعملها التطوعي والإنساني. وكان من أبرزها:
جائزة الأمين العام للأمم المتحدة للعمل التطوعي عام 2015 عن مشروع “بلسم” وقد وثق تقرير اتحاد موظفي الأمم المتحدة في فيينا فوزها بالجائزة، وأشار إلى دورها في تأسيس المشروع ودفعه.
كما حصل مشروع “بلسم” على تكريم من رابطة المرأة في الأمم المتحدة في فيينا عام 2016، وفي نيويورك عام 2017. وتورد مصادر منشورة عن هذه التكريمات ضمن الجوائز التي حصل عليها المشروع.
منذ وصولها إلى النمسا عام 1987، بنت ماري تيريز كرياكي مسارًا يجمع بين العمل المهني الدولي والعمل المدني والإنساني والثقافي، وجعلت من التعدد الثقافي جسورًا للتواصل.
وقد حملت من دمشق إلى فيينا اللغة والثقافة والذاكرة السورية، وأضافت إليها خبرة الحياة والعمل في المجتمع النمساوي.
ومن خلال “بلسم”، ورابطة المرأة العربية النمساوية، ودورات اللغة العربية، ومشاريع الحوار والموسيقا، والكتابة، ومختلف المبادرات الإنسانية، اختارت أن يكون العمل المدني مساحة للعطاء والتواصل وحماية الإنسان. ولعل أهم ما يميز هذه التجربة أنها ربطت تقديم المساعدة بالتعليم والثقافة وتمكين السوريين المقيمين واللاجئين، كي يستعيدوا قدرتهم على الوقوف والتقدم، عبر مسار طويل من التضامن الإنساني والممارسة المهنية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى