
أحد بساتين الزيتون بريف حماة الشرقي و آثار اقتلاع الأشجار في قرية رسم الضبع - 22 تشرين الاأول 2026 (عنب بلدي/عدي الحاج حسين)

أحد بساتين الزيتون بريف حماة الشرقي و آثار اقتلاع الأشجار في قرية رسم الضبع - 22 تشرين الاأول 2026 (عنب بلدي/عدي الحاج حسين)
مع انطلاق موسم قطاف الزيتون وعصره في ريف حماة الشرقي، يستعيد المزارعون العائدون إلى قراهم ذكريات بساتين كانت تشكل عصب حياتهم الاقتصادية قبل سنوات النزوح، ليجدوا أمامهم واقعًا مختلفًا تمامًا: آلاف الأشجار المعمرة مقتلعة أو محروقة أو مقطوعة، وجذور جرفت، وأراضٍ صخرية تنتظر إعادة استصلاح مكلفة.
وتكشف شهادات مزارعين ومختار ورئيسة وحدة إرشادية، قابلتهم عنب بلدي، عن حجم الدمار الذي لحق بقطاع الزيتون، وعن التحديات التي تواجه جهود التعافي، والأمل الذي ما يزال يشدهم إلى أرضهم.
تتقاطع شهادات المزارعين على أن قطاع الزيتون تعرض لدمار واسع وممنهج، طال آلاف الأشجار المعمرة التي تجاوزت أعمارها عقودًا، عبر التقطيع والجرف وتحويلها إلى حطب.
شرقي الحسين، مختار قرية العالية، قال لعنب بلدي، إن أراضي القرية فقدت آلاف الأشجار المثمرة، وإن بستانه الذي كان يضم نحو 1200 شجرة زيتون بعمر 20 عامًا لم يتبقَ منه سوى جذور مقتطعة لـ200 شجرة، والبقية جرفت أو قطعت على يد مجموعات مسلحة تابعة للنظام السابق.
من جانبه، قال المزارع محمد الحسن الأحمد من قرية قنبر لعنب بلدي، إن بساتين الزيتون كانت قبل النزوح تتمتع بصحة جيدة، وكانت الشجرة ضخمة جدًا.
وكان محمد يملك نحو 25 دونمًا تنتج ما بين 25 و40 تنكة زيت في المواسم الجيدة، لكنها باتت الآن بالكاد تنتج تنكتين أو شبه معدومة الإنتاج في العامين الأخيرين.
أما المزارع عامر عوض الحمود من قرية رسم الضبع، وصف لعنب بلدي عودته بعد تهجير بدأ عام 2013 إلى أرض خاوية، فالشجر مقتلع ومحروق، والرعيان يكسرون الأغصان، والعقارات جردت وعفشت، معتبرًا أن قطع الأشجار المعمرة وبيعها حطبًا “أكبر جريمة بحق الطبيعة والأرض”، بحسب وصفه.
وأضاف أن دخول قطعان الماشية إلى الحقول وتكسير الأشجار للتدفئة، إضافة إلى تعديات مجموعات مسلحة، بما في ذلك تكسير الأغصان و”تمليخ” الثمار في أثناء الحصاد، أضعف الأشجار وفتح الباب لآفات مثل حفار الساق.
تواجه عمليات إعادة زراعة الزيتون واستصلاح الأراضي عقبات مالية وفنية كبيرة.
وأوضح مختار قرية العالية أن الدونم الواحد يستوعب ما بين 32 و35 شجرة، وأن شراء غراس فتية بعمر سنتين أو ثلاث لتسريع الإنتاج يتراوح بين 5 و7 دولارات للغرسة، بينما تفرض الطبيعة الصخرية للأرض استخدام معدات ضغط الهواء لحفر الجور، ما يضاعف كلفة الحفر بسبب أسعار المحروقات وأجور العمالة.
وقدر تكلفة استصلاح وتجهيز الدونم الواحد، مع نقل مياه الري المتكررة والأسمدة، بين 350 و400 دولار أمريكي.
ويرتفع الأمر أكثر لدى بعض المزارعين، إذ أشار عامر عوض الحمود إلى أن سعر شتلة الزيتون الجديدة، سواء الإسباني أو العفريني، يصل إلى 17 دولارًا، وأن صهريج المياه يبلغ نحو 25 دولارًا، مع ارتفاع أسعار الأسمدة والأدوية الزراعية وفلاحة الأرض، وتراجع الثروة الحيوانية التي كانت توفر السماد العضوي المعتق للتربة الفقيرة أصلًا.
وأضاف إلى ذلك غياب السيولة النقدية لدى مزارعين فقدوا مصادر دخلهم الأساسية، وغياب برامج الإغاثة واللجان الميدانية المتخصصة بتقييم الأضرار وتقديم الدعم اللازم.
لا يقتصر الخطر على ما دُمّر من الأشجار، بل يمتد إلى ما تبقى منها بسبب انقطاع الري وغياب الرعاية.
وأشار عامر عوض الحمود إلى أن شبكات الري توقفت عن ضخ المياه المخصصة لسقاية المزروعات الشتوية والصيفية لأكثر من 15 عامًا، وهي الريات الكفيلة بتغذية الأشجار وحمايتها من جفاف الأزهار وتساقط الثمار، موضحًا أن الشجر في الموسم الماضي أزهر كله لكنه يبس على الزهرة لعدم توفر الماء.
وأضاف محمد الحسن الأحمد أن التراجع الشديد للإنتاج يعود إلى نقص الأسمدة والأدوية الزراعية اللازمة لمكافحة الآفات، وعجز الري بسبب شح المياه وغياب القدرة على السقي المنتظم بعد سنوات من الانقطاع، إضافة إلى الانهيار المادي.
قطاع الزيتون في المنطقة يواجه خطرًا وجوديًا، بحسب المزارع، وسط غياب تام لأي دور حكومي أو إرشادي أو التفاتة من المنظمات الإنسانية والتنموية المعنية بالشأن الزراعي، رغم محاولات بعض المزارعين لفت انتباه الجهات إلى حجم الكارثة، دون استجابة عملية.
ويحتاج القطاع، بحسب الشهادات، إلى خطة عناية استثنائية تمتد لسنوات من الري والأسمدة والتقليم المكثف لاستعادة عافيته، وهو ما يتجاوز قدرات المزارع الفردي.
رغم حجم الدمار، يحاول المزارعون إنقاذ ما تبقى. وأشار مختار قرية العالية إلى محاولات فردية لإحياء القطاع عبر الاستفادة من الجذور المتبقية وسقايتها وتسميدها كيميائيًا، لكن نسبة النجاح محدودة، إذ لم تتجاوز الأشجار المعافاة نحو 200 شجرة من أصل 1200، وهي غراس فتية لم تصل بعد إلى الإثمار والإنتاج الفعلي.
وقال محمد الحسن الأحمد إن المزارعين الصامدين أو العائدين حاولوا إنقاذ الأجزاء المتبقية من الجذوع وتوجيه الفروع للنمو من جديد، لكن جهودهم اصطدمت بتراجع الإنتاج الشديد.
أما عامر عوض الحمود فيتمسك بالأمل في إعادة استصلاح أرضه، متعهدًا بغرس نحو 500 شتلة جديدة مع بداية الشتاء المقبل، رغم خروج عشرات الدونمات عن الخدمة وبقاء بضع شجرات فقط.
رنا الحصري، رئيسة الوحدة الإرشادية في منطقة جروح بريف حماة الشرقي، تتابع عن قرب واقع القطاع الزراعي في نطاق يمتد ليضم قرى جروح ومسعود والعلباوي وصولًا إلى القرى التابعة للريف الشرقي المتاخمة لمدينة سلمية.
وقالت لعنب بلدي إن قطاع الزيتون واجه تحديات بالغة القسوة انعكست مباشرة على البنية الزراعية وأعداد الأشجار، حيث تعرضت نسبة عالية من الأشجار للقلع والاجتثاث جراء التجريف الجائر، ولحقت أضرار بالغة بأخرى بسبب الحرائق الناجمة عن القصف، كما تسببت حالات الإهمال وغياب الرعاية في إصابة أشجار بآفات مثل حفار ساق التفاح، لتنخفض إجمالي أعداد الأشجار بمقدار النصف مقارنة بالإحصاءات المسجلة قبل عام 2011.
ورغم ذلك، أشارت الحصري إلى مؤشرات واضحة للتعافي، فقد عادت أعداد كبيرة من الأهالي والنازحين إلى قراهم وباشروا استصلاح أراضيهم وإعادة تنظيمها، واستحدثت بساتين وزراعات جديدة في مناطق كانت شبه خالية، مع نماذج في قرى الصلالية وطوبية العياش والمرامي لمزارعين استأنفوا زراعة الزيتون وحققوا إنتاجًا فعليًا، وحالات تعافٍ لبساتين متضررة بفضل العلاج والمتابعة.
وأكدت حرص الوحدة الإرشادية على تقديم الاستشارات والنصائح الفنية للمزارعين لمساعدتهم في معالجة أشجارهم المتضررة وتطوير إنتاجهم، مع الاستعداد للتنسيق مع الجهات المعنية لضبط تفاصيل العمل ضمن الأطر القانونية والميدانية المتاحة بما يخدم القطاع الزراعي وأهالي المنطقة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى