“الترند”.. هناك معادلة ربح أيضًا

tag icon ع ع ع

علي عيد

موضوع مثير، سخرية، تفاهة، حدث ساخن، كلها تشكل بذرة التفاعل والانتشار، وهذا مرتبط بمشكلات المجتمع نفسه، أو اهتماماته.

كلما زادت النقرات والتعليقات والمشاركات ووقت المشاهدة، وصل المحتوى إلى جمهور أوسع، وكلما وصل إلى جمهور أوسع تعامل نظام التوصية مع هذا المحتوى.

العنصران السابقان يقودان إلى زيادة الإيرادات أو فرص الرعاية، فتتحول النقرة أو المشاهدة إلى دولار، وهذا بيت القصيد عند آلاف صنّاع (منشئي) المحتوى وربما أكثر. إذا استثنينا المحتوى الذي لا يكون مؤهلًا للربح، أو الذي يهدف إلى التأثير لا إلى تحقيق الموارد.

ما دفعني إلى الكتابة في موضوع الربح من منصات وسائل التواصل الاجتماعي هو مقال سابق حول “قلق السعي إلى الترند.. قلق السعي إلى المكانة”، إذ تحدثت فيه حول جانب واحد لـ”الترند” هو بحث الإنسان عن أن يكون مرئيًا، وتركت جانبين هما الربح والتأثير السياسي أو العسكري والأمني.

حول تأثير الربح، يكفي أن نعرف أن “الترند” تحول إلى فرصة اقتصادية، فكلما اتسع انتشار المحتوى، زادت احتمالات تحقيق دخل من الإعلانات أو الرعاية التجارية أو الاشتراكات والهدايا.

أعلن “فيسبوك” أن مدفوعاته لصنّاع المحتوى بلغت نحو ثلاثة مليارات دولار خلال عام 2025، بزيادة 35% على العام السابق، وهو أعلى إجمالي سنوي في تاريخ برنامج تحقيق الدخل لديه. 60% من هذه المدفوعات ذهبت إلى مقاطع “Reels”، وتوزعت النسبة المتبقية على القصص والصور والمنشورات النصية.

أما “يوتيوب” فأعلنت الشركة، في أيلول 2025، أنها دفعت أكثر من 100 مليار دولار إلى صنّاع المحتوى والفنانين والشركات الإعلامية حول العالم خلال السنوات الأربع السابقة، إذ يحصل صانع المحتوى المؤهل على 55% من صافي إيرادات إعلانات الفيديوهات الطويلة، وعلى 45% من الإيرادات المخصصة له ضمن نظام “Shorts”.

يعتمد “تيك توك” في برنامج “Creator Rewards” على مؤشرات تشمل أصالة المحتوى ومدة المشاهدة وقيمة المحتوى في البحث والتفاعل، وهو لا يعلن تعرفة عالمية ثابتة لكل ألف مشاهدة.

أما “إنستجرام” فتتنوع مصادر دخل منشئي المحتوى فيه بين الاشتراكات والهدايا والشراكات الإعلانية، ولا يوجد سعر موحد تدفعه المنصة مقابل المشاهدات.

المشكلة اليوم ليست في السعي إلى الربح بحد ذاته، وإنما في الحوافز التي قد يخلقها، فالمحتوى المثير للجدل قد يجذب تعليقات ومشاركات كثيرة، لكن ذلك لا يعني أن المنصة تكافئه بالضرورة. وتوقع الانتشار يدفع بعض المنتجين إلى تضخيم الخلافات، أو استخدام عناوين مضللة، أو إعادة تداول مقاطع قديمة بوصفها جديدة، أو نشر اتهامات قبل التحقق منها. ويمكن أن تصبح هذه الممارسات أكثر إغراء عندما يكون السبق وسيلة لجذب الجمهور وتحقيق دخل سريع.

هل يحدث هذا في سوريا؟ نعم يحدث حتى ولو اعتقد البعض أن سوريا لا تملك بيئة رقمية تؤهل أصحاب الحسابات للربح بسبب العقوبات طوال السنوات الماضية، لكن الملاحظات الميدانية تُظهر أن معظم الحسابات الخاصة بمنشئي محتوى واسع الانتشار تُسجل في دول أخرى، وقد يتولى قريب أو صديق مهمة متابعة المسألة وتحويل الأرباح.

خذوا “يوتيوب” مثلًا، في الإمارات العربية المتحدة، يحصل منشئ المحتوى على 2.34 دولار عن كل ألف مشاهدة (2,340 دولارًا عن كل مليون مشاهدة)، ينخفض العائد في ألمانيا إلى 1.73 دولار لكل ألف مشاهدة (1,730 دولارًا لكل مليون مشاهدة)، وفي تركيا ينخفض أكثر إلى 18 سنتًا لكل ألف مشاهدة (180 دولارًا لكل مليون مشاهدة).

وقبل كل شيء، يبقى إثبات استخدام التحريض أو خطاب الكراهية أو المحتوى المستفز أو التافه لتحقيق أرباح في سوريا أو غيرها بحاجة إلى دراسات وبيانات موثقة.

يدفع الربح إلى نشر المحتوى السّام، وعندما يحقق هذا المحتوى جمهورًا واسعًا توسّع الخوارزمية توزيعه أو توصي به استنادًا إلى إشارات الأداء، هي معادلة لا تخضع لمعايير الأخلاق في بعض المنصات، بدليل أنك إن بلّغت عن حساب يثير الكراهية في سوريا ولديه جمهور واسع، سترد “ميتا” على أن المحتوى لا يخالف معاييرها، لأنها قد تتفاعل مع عبارة شتم وفق برنامج قيمي مصمم لغير مجتمعك، لكنها لن تأخذ بالاعتبار لغة الكراهية ضد طيف واسع من أفراد المجتمع باستخدام ألفاظ ومفردات تحمل أكثر من معنى أو لها رمزيتها المحلية.

هناك من أتاحت لهم وسائل التواصل فرصة لتحقيق عائد مادي من محتوى كوميدي أو تهكمي أو تحريضي، وهذا تحدٍّ تواجهه المجتمعات ويحتفي به من وجدوا أنفسهم مرئيين.. وللحديث بقية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة