
تواجه صناعة الحرير الطبيعي في طرطوس تحديات متراكمة وسط مساعٍ لاستعادة مكانتها عبر دعم المربين وتأهيل المعامل وجذب الاستثمارات - 9 أيلول 2026 (فريق حرير التطوعي)

تواجه صناعة الحرير الطبيعي في طرطوس تحديات متراكمة وسط مساعٍ لاستعادة مكانتها عبر دعم المربين وتأهيل المعامل وجذب الاستثمارات - 9 أيلول 2026 (فريق حرير التطوعي)
طرطوس – شعبان شاميه
ارتبطت صناعة الحرير الطبيعي تاريخيًا بالريف الساحلي لمحافظة طرطوس، إذ شكّلت منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، بدأت من زراعة التوت وتربية دودة القز، وصولًا إلى إنتاج الشرانق وحل الخيوط ونسجها، والاتجار بها محليًا وخارجيًا.
وقد نشطت هذه الحرفة التراثية في مناطق مشتى الحلو والدريكيش وصافيتا والبلدات المحيطة بها، إلا أن هذا الواقع بات اليوم من الماضي، إثر تعرض القطاع لانتكاسات متتالية وعوامل مختلفة أدت إلى تراجعه تدريجيًا.
ويقتصر عمل القطاع في الوقت الراهن على مبادرات فردية خجولة، أو مشاريع صغيرة مدعومة من بعض الجمعيات الأهلية والتنموية التي تحاول الحفاظ على هذا الإرث الثقافي والسياحي من الاندثار الكامل.
قال الباحث في التراث السوري الدكتور رفعت عثمان، إن بلدة مشتى الحلو شهدت ازدهارًا صناعيًا منذ خمسينيات القرن الـ19، إثر تأسيس معمل لإنتاج الحرير الطبيعي.
وأوضح عثمان، في حديث إلى عنب بلدي، أن هذا المعمل شكّل حلقة ربط رئيسة بين مزارعي المنطقة ومربي دودة القز.
وأضاف أن المنشأة ضمّت في أوج نشاطها مرافق متكاملة لتربية الدودة وإفقاس البيوض، بالإضافة إلى غلي الشرانق وتجفيفها.
وبيّن الباحث أن عمليات حل الخيوط كانت تتم عبر نحو 80 عجلة لف، مما جعل البلدة أحد أبرز المراكز التاريخية لهذه الصناعة.
وذكر عثمان أن منطقة الدريكيش أيضًا ارتبط اسمها تاريخيًا بتربية دودة القز وإنتاج الشرانق، إذ حافظت قراها على مقومات هذه الحرفة لفترات متأخرة.
وأشار إلى امتداد هذا النشاط إلى ريف صافيتا ومشتى الحلو، إذ تولى المزارعون عمليات الإنتاج والتوريد المباشر إلى مراكز المعالجة والتصنيع.
وأكد الباحث أن الموقع الجغرافي للمنطقة، واتصالها بمراكز التجارة في الساحل والداخل السوري، ساعدا على وصول منتجات الحرير إلى أسواق واسعة، ومنها الأسواق المرتبطة بالتجارة مع أوروبا.
لفت عثمان إلى أن الأهمية الاقتصادية لصناعة الحرير في طرطوس اقترنت بأثر اجتماعي وثقافي، إذ وفرت مصادر دخل للأسر الريفية.
ونوّه بالدور الرئيس للنساء في العناية بالشرانق وتربية دودة القز، مما جعل هذه الحرفة جزءًا من الذاكرة الجماعية لسكان قرى المحافظة.
وفي ختام حديثه، دعا إلى توظيف معمل الحرير الأثري في مشتى الحلو، ومواقع تربية دودة القز في الدريكيش وقراها، ضمن مسار معتمد للسياحة الثقافية والريفية.
وشدد على أن هذا المقترح يهدف إلى تحويل تاريخ الصناعة من ذاكرة محلية إلى عنصر داعم للتنمية السياحية والاقتصادية في طرطوس.
أعلن مدير عام الشركة العامة للغزل والنسيج في سوريا، عماد علي، أن وزارة الصناعة تضع على رأس أولوياتها الاستثمارية الحالية معالجة وضع منشآت الحرير الطبيعي المتوقفة في طرطوس.
مدير عام الشركة العامة للغزل والنسيج في سوريا فصّل في حديث إلى عنب بلدي مسار التراجع التدريجي المتراكم الذي واجهته صناعة الحرير في محافظة طرطوس، ولا سيما منطقة الدريكيش، منذ تسعينيات القرن الماضي.
وبيّن أن معمل الحرير الطبيعي في الدريكيش توقف رسميًا عن الإنتاج منذ عام 2009 نتيجة تراجع توريد المادة الأولية من الشرانق.
وعزا هذا التوقف أيضًا إلى التحوّل غير المدروس للمعمل إلى شركة اقتصادية عام 1980، إذ طُولب آنذاك بتحقيق ريعية وتشغيل عالٍ لم يتوافقا مع حجم الإنتاج المحلي، ما جعل طاقاته الإنتاجية غير اقتصادية.
وحول أسباب عزوف المربين، حدد علي عدة عوامل مترابطة، أبرزها ضعف الجدوى الاقتصادية وغياب قنوات التسويق الفعالة الكفيلة بضمان هامش ربح عادل للمربّي مقارنة بجهده.
ولفت إلى منافسة الحرير الصناعي المستورد الأرخص ثمنًا، والذي أضعف بدوره تنافسية خيوط الحرير الطبيعي محليًا.
وتابع تشخيصه للواقع الزراعي مبينًا أن انحسار مساحات زراعة أشجار التوت، واقتلاع جزء كبير منها للتوسع في الأشجار المثمرة كالزيتون واللوزيات، أثرا سلبًا في القطاع.
وأوضح أن المحاصيل الجديدة تطلبت استخدام مبيدات حشرية منعت التربية بالمناطق المجاورة، نظرًا إلى حساسية دودة القز الشديدة تجاه المواد الكيماوية.
وأشار كذلك إلى عبء ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج الأساسية الأخرى، مثل الحوامل والصواني الخشبية وبيوض التربية.
وعن آليات جذب المستثمرين، استعرض علي نتائج الجولات التقييمية الميدانية الأخيرة لعام 2026، التي جرت بالتعاون مع مديرية التعاون الدولي وجهات دولية.
وأكد في هذا الصدد طرح معمل الدريكيش كفرصة استثمارية حيوية أمام المستثمرين ورجال الأعمال، لعقد شراكات بين القطاعين العام والخاص.
وتستهدف هذه التشاركية إعادة تأهيل خطوط الفلك والغزل، وتحديث آلات السحب والتجفيف بأحدث التقنيات لرفع جودة الخيوط السورية.
في سياق متصل، ركّز مدير عام “الغزل والنسيج” على المستهدفات الرقمية لبرامج الدعم الحالية، الجاري تنفيذها بالتنسيق مع وزارة الزراعة.
وتهدف هذه البرامج إلى إعادة تأهيل ريف طرطوس زراعيًا عبر منهجية متكاملة تربط حلقات الإنتاج الثلاث، الزراعية والصناعية والتسويقية.
وتتضمن الخطط الحالية، وفقًا لعلي، توفير بيوض التربية وتوزيع غراس التوت بتكاليف ميسرة للمزارعين لرفع أعداد المربين تدريجيًا، وصولًا إلى طاقات إنتاجية تضمن تغذية خطوط التصنيع وتشغيلها.
وقال إن خطة التعافي تشمل مسارًا موازيًا يركز على دعم المشاغل الخاصة والتراثية والحواضن الصناعية.
وأضاف أن الحفاظ على الحرفيين التقليديين (شيوخ الكار) يمثل جزءًا لا يتجزأ من حماية الهوية التراثية بالتوازي مع تشجيع الاستثمارات الصغيرة.
شرح علي آليات الدعم الفني والتقني التي تقدمها “الصناعة” لتأمين الآلات اليدوية، وفي مقدمتها النول العربي، إلى جانب السعي لتسهيل وصول الخيوط الطبيعية بأسعار مستقرة ومدعومة للورشات الخاصة لضمان استمراريتها في الإنتاج.
وأعلن عن إدراج خيوط الحرير الطبيعي ومنتجاتها ضمن برنامج بدائل المستوردات، موضحًا أن هذا الإجراء يمنح المستثمرين إعفاءات ضريبية وجمركية واسعة على الآلات والمعدات المستوردة لخطوط الإنتاج وفقًا لمزايا قانون الاستثمار رقم “18”.
وتعهد علي بتقديم الوزارة مساعدات لوجستية للمستثمرين عبر تفعيل الربط التعاقدي لحماية المستثمر والمربي معًا، من خلال ربط المصانع مباشرة بجمعيات المربين عبر “الزراعة التعاقدية”.
وأشار إلى أن هذه الآلية تضمن للمعمل تدفق المادة الخام (الشرانق) بسعر مستقر، وتحميه تمامًا من تكرار سيناريو التوقف التاريخي.
وأشار كذلك إلى وجود تنسيق مستمر مع القطاع المصرفي الحكومي لتقديم تسهيلات ائتمانية ومالية، تتضمن منح قروض ميسرة بفوائد مدعومة للمستثمرين والمربين لإعادة تنشيط الورشات وتأمين رأس المال العامل بمرونة عالية.
كما تحدث علي لعنب بلدي عن سعي وزارة الصناعة لتحويل الحرير من منتج ريفي محلي إلى رافد حقيقي للاقتصاد الوطني بالقطع الأجنبي.
وأفاد بأن الوزارة أعدّت محركات استثمارية (Investment Profiles) متكاملة، جرى طرحها عبر “هيئة الاستثمار السورية” بهدف جذب رؤوس الأموال لإنشاء معامل نسيج حديثة وصناعات تحويلية قائمة على مشتقات الحرير، كالصناعات الطبية والتجميلية المتقدمة.
وأكد تقديم تيسيرات إدارية موسعة للمستثمرين في هذا المجال تشمل تبسيط الإجراءات وإصدار التراخيص عبر “النافذة الواحدة”.

جلسة حوارية في الدريكيش بريف طرطوس جمعت جهات حكومية ومربين ومنظمات دولية لبحث تحديات إحياء حرفة صناعة الحرير التراثية – 9 أيلول 2026 (فريق حرير التطوعي)
بخصوص التسويق الخارجي ودعم الصادرات، لفت مدير عام الشركة العامة للغزل والنسيج في سوريا، عماد علي، إلى إدراج منتجات الحرير السوري، كـ”البروكار” و”الأغاباني”، بشكل دوري ضمن الأجنحة السورية في المعارض الخارجية لفتح أسواق تصديرية جديدة للمستثمرين.
وكشف عن دراسة تجريها “هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات” حاليًا لتقديم مزايا تشجيعية وشحن تفضيلي لهذه المنتجات المعتمدة على الحرير الطبيعي بطرطوس.
واختتم علي محددًا الملامح العامة للاستراتيجية بعيدة المدى، والتي ترتكز على استغلال “الميزة التنافسية” للحرير السوري عالميًا من حيث الجودة والأصالة التاريخية، بما يضمن تحقيق عوائد ربحية ممتازة للمستثمرين، ويمكّن من استهداف الأسواق الدولية بكفاءة.
بدوره، تحدث مدير زراعة طرطوس، محمد عدنان أحمد، في حديث إلى عنب بلدي، عن خطة متكاملة تقودها “الزراعة” لإحياء وتطوير حرفة تربية دودة القز وصناعة الحرير الطبيعي في المحافظة، وذلك عبر تقديم تسهيلات ودعم مجاني للمربين، بالتعاون مع جهات محلية ودولية.
وأوضح أحمد أن المديرية تعمل، وفقًا لتوجيهات الإدارة المركزية في وزارة الزراعة، على تأمين علب بيض دودة الحرير من السلالات المحلية المحسنة كافة، على أن يُوفّر هذا الدعم بناء على رغبة المربين عبر نظام “الاكتتاب”، من خلال “مشروع تطوير دودة الحرير” في محافظة اللاذقية.
وفي سياق الدعم، أعلن عن تقديم علب البيض مجانًا للمربين المكتتبين، إذ ستتولى المديرية عملية تفقيس البيوض ورعايتها حتى نهاية “العمر الثالث” داخل مركز تربية دودة الحرير المعتمد، لتُسلّم بعد ذلك إلى المربين، بغية متابعة تربيتها في منازلهم حتى إنتاج الشرانق.
وتترافق هذه الخطوة مع توسع أفقي في زراعة غراس التوت القزمية بأنواعها المختلفة (الهندي والياباني والرومي)، لتأمين التغذية اللازمة والوفيرة ليرقات دودة الحرير.
كما أشار أحمد إلى أن “الزراعة” تنسق مع المنظمات الدولية والمجتمعات الأهلية لتأمين الآلات والمعدات اللازمة للشق الصناعي، والمتمثل في المراحل التي تلي إنتاج الشرانق، بهدف إعداد دراسة متكاملة تضمن الوصول إلى المنتجات الحريرية بأنواعها كافة.
وعن الجانب التسويقي، أكد العمل على تنظيم معارض متخصصة ودعوة المربين لعرض منتجاتهم خلالها، لتشكل هذه الفعاليات سوقًا حيوية لتصريف الإنتاج والترويج لهذه الحرفة التراثية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى