
أثناء الرعاية الطبية للهلال الأحمر في مستوصف النشابية - 12 حزيران 2020 (الهلال الأحمر ريف دمشق)

أثناء الرعاية الطبية للهلال الأحمر في مستوصف النشابية - 12 حزيران 2020 (الهلال الأحمر ريف دمشق)
“كان بدنا أي شي يساعد طفلتنا رتيل تتنفس. كان حالنا مثل الغريق يلي متعلق بقشة، معقول نرفض أي شي كان ممكن ينقذها ساعتها؟”.
بهذه العبارات بدأ قاسم محمد عبد العال، خال الطفلة رتيل بكر، حديثه إلى عنب بلدي عن الساعات الأخيرة في حياة ابنة أخته، البالغة من العمر عامين ونصفًا، والتي توفيت في بلدة النشابية بريف دمشق، وسط تساؤلات بشأن الاستجابة الإسعافية التي تلقتها، وتباين بين رواية عائلتها والكادر الصحي حول ما جرى.
وبعد نحو أسبوع على وفاة الطفلة، تداولت صفحات محلية أنباء عزت وفاتها إلى عدم توفر أسطوانة أكسجين في المركز الصحي بالنشابية، وعدم وجود سيارة إسعاف مجهزة في البلدة.
في المقابل، قدمت مديرية صحة ريف دمشق رواية مختلفة في بيان رسمي، قالت فيه إن مولّدة الأكسجين كانت متوفرة في المركز الصحي، وإن ذوي الطفلة رفضوا إدخالها إلى المركز أو نقلها إلى المستشفى.
وفي محاولة للتحقق من ملابسات الحادثة، استمعت عنب بلدي إلى رواية خال الطفلة، الذي شارك في محاولة إسعافها، وراجعت تفاصيلها على ضوء ما ورد في بيان المديرية وتصريحات الكادر الصحي، إذ برزت اختلافات بين الروايتين حول توفر الأكسجين، وإمكانية إدخال الطفلة إلى المركز الصحي أو نقلها إلى المستشفى.
في 25 من تشرين الأول الماضي، تدهورت الحالة الصحية للطفلة رتيل، التي عانت من الصعوبة في التنفس نتيجة حالة صحية معقدة، إذ كان لديها “فغر رغامي” (إجراء جراحي تُنشأ خلاله فتحة في القصبة الهوائية عبر مقدمة الرقبة، ويُدخل أنبوب تنفسي من خلالها لتمكين المريض من التنفس مباشرة).
ومع تدهور حالة رتيل، بدأت عائلتها البحث عن الأكسجين ووسيلة آمنة لنقلها، في حين تداولت صفحات محلية أنباء عن عدم توفر سيارة إسعاف مجهزة في البلدة، إلى جانب عدم وجود أسطوانة أكسجين في المركز الصحي بالنشابية.
لكن مديرية صحة ريف دمشق قالت في بيانها إن مولّدة الأكسجين كانت متوفرة في المركز.
يمثل توفر الأكسجين من عدمه أولى نقاط الاختلاف بين رواية العائلة ورواية الكادر الصحي، في ظل حاجة الطفلة إلى دعم تنفسي سريع.
طبيب المركز الصحي في النشابية، خالد كساب، قال لعنب بلدي إن مولّدة الأكسجين كانت متوفرة وجاهزة للعمل داخل المركز، وإن ذوي الطفلة أُبلغوا بذلك فور وصولهم.
وأضاف كساب أن العائلة أصرت على البحث عن أسطوانة أكسجين، ولم تستفد من الموارد المتوفرة داخل المركز.
في المقابل، نفى خال الطفلة، قاسم محمد عبد العال، علم العائلة بوجود مولّدة أكسجين في المركز الصحي، مؤكدًا أنهم لو أُبلغوا بتوفرها لسارعوا إلى استخدامها.
وأبدى عبد العال استغرابه من القول إن العائلة رفضت الاستفادة من الأكسجين، مشيرًا إلى أنهم كانوا يبحثون “بيأس عن أي شيء” أو وسيلة مجهزة يمكن أن تساعد الطفلة على التنفس.
لم يقتصر التباين على مسألة توفر الأكسجين، إذ ذكر بيان مديرية صحة ريف دمشق أن ذوي الطفلة رفضوا الإسراع في نقلها إلى المستشفى.
وقال الطبيب خالد كساب، إن العائلة رفضت نقل الطفلة إلى المستشفى، رغم محاولات الكادر الصحي إقناعها بذلك.
لكن خال الطفلة رفض هذا الاتهام، مؤكدًا أن العائلة لم ترفض التوجه إلى المستشفى، وإنما كانت تبحث عن سيارة إسعاف آمنة ومجهزة تتناسب مع وضع رتيل الصحي المعقد، وتؤمّن لها الدعم التنفسي المستمر طوال الطريق.
وأضاف عبد العال أن سيارة إسعاف كانت موجودة بجانب مبنى بلدية النشابية، إلا أنها لم تكن مجهزة بالمعدات أو بأسطوانة أكسجين، ولذلك لم تتمكن العائلة من الاستفادة منها.
وأوضح مدير مديرية صحة ريف دمشق، توفيق حسابا، لعنب بلدي، أن السيارة الموجودة قرب مبنى البلدية لا تتبع لمنظومة الإسعاف التابعة للمديرية، ولذلك لم تكن مجهزة بالمعدات الإسعافية اللازمة.
ووعد حسابا بتوفير سيارة إسعاف لبلدة النشابية خلال أيام معدودة.
ذكر البيان التوضيحي لمديرية صحة ريف دمشق أن ذوي الطفلة، التي كانت حالتها تتدهور، آثروا نقلها إلى منزل قريبة لهم تعمل ممرضة، بدلًا من إدخالها إلى المركز الصحي، رغم توفر مولّدة الأكسجين، أو نقلها إلى المستشفى.
وعندما سألت عنب بلدي خال الطفلة عن حقيقة توجههم إلى منزل ممرضة قريبتهم لإسعاف رتيل، نفى ذلك، مؤكدًا عدم وجود ممرضة برفقتهم.
وقال عبد العال إنهم صادفوا قابلة أمامهم، فاطلعت على حالة الطفلة، وسارعت إلى توجيههم نحو عيادة خاصة تتوفر فيها أسطوانة أكسجين في محاولة لإنقاذها.
وبحسب رواية خال الطفلة، فإن القابلة نفسها تواصلت مع أحد الأطباء ليأتي ويجري محاولات إنعاش لرتيل، كما اتصلت بمنظومة الإسعاف.
والطبيب الذي حضر لمحاولة إنعاش الطفلة هو طبيب المركز الصحي في النشابية، خالد كساب، الذي أكد لعنب بلدي أنه استجاب لاتصال القابلة العاملة في المركز، وتوجه إلى المكان الذي كانت توجد فيه العائلة، نظرًا إلى تدهور حالة الطفلة.
وأضاف كساب أن القابلة ذهبت مع ذوي الطفلة، وتواصلت مع منظومة الإسعاف.
وتمكنت عنب بلدي، بمساعدة مديرية صحة ريف دمشق، من الوصول إلى صاحبة الرقم الذي أُجري منه الاتصال بمنظومة الإسعاف.
وأكدت صاحبة الرقم أنها تعمل في المركز الصحي بالنشابية، وأنها تواصلت مع منظومة الإسعاف، كما اتصلت بطبيب التخدير في المركز ليحضر ويحاول إنعاش الطفلة.
لكن روايتها اختلفت عن رواية خال الطفلة في نقطة أخرى، إذ قالت إنها لحقت بالعائلة برفقة الممرضة الخاصة التي كانت مع ذوي الطفلة، بينما أكد عبد العال أنه لم تكن هناك ممرضة خاصة ترافقهم.
قال مدير مديرية صحة ريف دمشق، توفيق حسابا، لعنب بلدي، إن ذوي الطفلة لم يكونوا على علم بضرورة الاتصال برقم الطوارئ المخصص للإسعاف “110”، موضحًا أن الاتصال بهذا الرقم كان سيؤدي إلى إرسال أقرب سيارة إسعاف متاحة من منطقة حران العواميد في الغوطة الشرقية، وكان يمكن أن تصل خلال نحو 12 دقيقة.
وأضاف حسابا أن إحدى أبرز المشكلات تتمثل في عدم معرفة كثير من الأهالي بآلية الاستفادة من منظومة الإسعاف، إذ يتيح الاتصال بالرقم المذكور توجيه أقرب سيارة متاحة إلى موقع الحالة الطارئة.
وأشار إلى أن ذوي الطفلة تنقلوا بين عدة مراكز بحثًا عن المساعدة في ذلك اليوم، معتبرًا أن التواصل المباشر مع منظومة الإسعاف كان سيوفر الوقت، وربما أتاح تدخلًا أسرع للتعامل مع حالتها.
في المقابل، قال خال الطفلة إن العائلة كانت تحت وطأة الصدمة خلال محاولتها إسعاف رتيل، وإنهم بحثوا عن أي خيار متاح أمامهم، في ظل عدم وجود سيارة إسعاف مجهزة داخل البلدة.
وأكد عبد العال أن العائلة حاولت، قبل لجوئها إلى المركز الصحي في النشابية، التوجه إلى أكثر من مكان بحثًا عن الأكسجين الذي يتناسب مع حالة الطفلة، لكنها لم تتمكن من العثور على ما يلبي احتياجاتها الإسعافية.
ترتبط حادثة وفاة رتيل بخلفية صحية معقدة، إذ أوضح مدير مديرية صحة ريف دمشق، توفيق حسابا، أن الطفلة خضعت سابقًا لعمليات جراحية في أحد المستشفيات الخاصة.
وبسبب عدم قدرة عائلتها على تحمل التكاليف المالية للعلاج في المستشفى الخاص، لجأت إلى مستشفى “المجتهد” في دمشق، بحسب حسابا.
وأضاف أن رتيل أمضت نحو 20 يومًا على جهاز التنفس الاصطناعي في مستشفى المجتهد، قبل أن تخرج إلى منزلها قبل أيام معدودة من وفاتها، إثر استقرار حالتها نسبيًا آنذاك.
وأشار حسابا إلى أن الطفلة زُوّدت، عند تخريجها من المستشفى، بجهاز يساعدها على التنفس وهذا ما أكده خال الطفلة أيضًا.
وبعد عرض نقاط التباين بين الروايتين على مدير مديرية الصحة في ريف دمشق، وفق ما قاله حسابا، “إن الرقابة الداخلية ستتحقق من ملابسات الحادثة للوقوف على حقيقة ما جرى”.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى