
سوريون يحتفلون بمرور عام على سقوط النظام في دمشق - 8 كانون الأول 2025 (AFP)

سوريون يحتفلون بمرور عام على سقوط النظام في دمشق - 8 كانون الأول 2025 (AFP)
محمد الهلال
في كل مخاض تاريخي عسير، تخرج منه الشعوب من نفق الظلم نحو فجر الحرية، تبرز فجأة أصوات محبطة تعتاش على التشكيك، وتكرر كالببغاوات أسطوانة “لم يتغير شيء، بل كان الأمس أفضل!”، وهي مقولة تعجز عن قراءة التاريخ، وتتجاهل بسذاجة حجم الدمار الشامل والخراب المؤسسي الذي خلّفه النظام البائد.
منذ سنوات والمرجفون يرددون بخوف ومظلومية: “سوريا معزولة، بلا أفق، ومحكومة بالفشل!”، ليفاجَأ العالم والداخل بمشهد درامي أربك حساباتهم: رئيس سوري جديد يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة لأول مرة منذ عام 1967، يصافح كبار قادة العالم، ويخرج من نيويورك محاطًا بالاعترافات الدولية، بينما خصومه يزدادون انكماشًا وتلعثمًا! يبدو أن القوم كانوا يعتقدون أن التاريخ موظف استعلامات لديهم، لا يتحرك إلا بموافقتهم الخطية! لم يعد السؤال اليوم: هل عادت سوريا؟ بل: كيف استطاعت أن تعود بهذه السرعة الشديدة لتصفع المراهنين على عزلتها؟
أحمد الشرع لم يذهب إلى نيويورك بصفته “سائحًا سياسيًا” لالتقاط للصور، بل بصفته رئيس دولة يحجز مقعد بلاده الطبيعي بين الأمم. جلس مع غوتيريش، ماكرون، ميلوني، لافروف، زيلينسكي، أردوغان، وروبيو. وترافق هذا الغضب الدبلوماسي مع إلغاء واشنطن برنامج العقوبات الشاملة، وإسقاط قانون “قيصر”، وشطب اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو شطب ربما أحزن من كانوا يتعيشون على شمّاعة الحصار! عاودت البنوك السورية التعامل المباشر عبر نظام “SWIFT”، وعادت التحويلات بسعر الصرف الحقيقي لتقطع دابر سوق الحوالات السوداء وتجار الأزمات، واستُؤنفت شبكات الدفع العالمية (Visa وMastercard)، فيما عاد البنك الدولي وصندوق النقد لفتح مكاتبهما بدمشق.
وعلى عكس “جمهورية الخوف” التي كانت تُحكم بعقلية مخبر عند حاجز أمني، تحركت العدالة بسيادة صلبة، حيث صدرت مذكرات توقيف غيابية بحق بشار الأسد بتهم القتل والتعذيب، في تناغم تام مع مذكرات توقيف دولية فرنسية بحقه وبحق شقيقه ماهر وأعوانهما لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية.
وحتى في الملفات الأمنية المعقدة مع إسرائيل، فاوضت دمشق بوساطة أمريكية بلسان مفاوض واثق يضع الشروط ويرفض الإملاءات والممرات “الإنسانية” المزعومة. أما في الداخل، فقد اختفت فوضى الحواجز والجباية، وحل محلها تنظيم عسكري وأمني وقضائي يخضع للرقابة وللإعلان الدستوري، بينما جرى تفكيك مملكة “الكبتاجون” التي اقتات عليها النظام البائد سنوات طوال.
وفي الطاقة والخدمات، أُغلق سوق الدلالين والمحسوبيات، إذ دبت الحياة في عقود صيانة المحطات الحرارية الكبرى (الزارة بحماة، تشرين بريف دمشق، وبانياس بطرطوس) بالشراكة مع عمالقة كـ”سيمنس إنرجي”، ارتفعت معها ساعات التغذية الكهربائية بالشبكة الوطنية، واستُعيدت حقول النفط والغاز في الرميلان والشدادي والعمر بالشرق والمناطق الوسطى، وأُلغيت طوابير المحروقات المذلة التي كانت تُدرس كظاهرة في الصبر البشري!
واقتصاديًا، جاء قانون استثمار عصري يحمل حوافز ضريبية تصل لـ11 سنة وإعفاءات جمركية كاملة، ليغري رؤوس الأموال السورية والعربية، فتوجت الاتفاقيات بمليارات الدولارات لتطوير المواني باللاذقية وطرطوس، والمدن الصناعية (عدرا، الشيخ نجار بحلب، وحسياء بحمص)، وقفز إنتاج الأسمنت ومواد البناء لعدة ملايين من الأطنان.
وحتى الجغرافيا تحولت من عبء إلى فرصة، فقيل وداعًا للعزلة مع قفزة بنسبة كبيرة في حركة مطاري دمشق وحلب، واستئناف الترانزيت عبر بين المعابر الحدودية من كسب وباب الهوى والسلامة وجرابلس شمالًا، إلى نصيب والقائم والبوكمال جنوبًا وشرقًا. وفي الحقول، استعادت سوريا كبرياءها الغذائي بتحقيق الاكتفاء الذاتي في القمح والقطن، من سهول حوران بالجنوب، والغوطة والغاب، إلى زيتون إدلب وعفرين، وموالح الساحل، وخيرات الجزيرة والفرات بالرقة ودير الزور والحسكة والقامشلي بعد دعم المزارعين بالبذار والأسمدة بدلًا من الشعارات.
أما في الجامعات والتعليم، فصدرت قرارات تاريخية أعادت الطلاب المنقطعين والمهجرين لمقاعدهم في دمشق وحلب وحمص واللاذقية وإدلب، ورُميت المقررات المؤدلجة الصفراء التي صُممت للتقديس الأعمى في سلة المهملات، واستُبدلت بمناهج بحثية عصرية، مع إطلاق المفاضلات الإلكترونية الشفافة التي قضت على سماسرة “الواسطات”، وتأسيس كليات وجامعات جديدة في الرقة ومنبج والدرباسية، وإحداث “المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة” مع تكريس مجانية التعليم الحكومي.
هذا التحول ليس رقمًا في بيان، بل واقع تشهده أفران السويداء ودرعا وشهبا بوفيرة الطحين، وورشات حي السكري بحلب وحي الخالدية بحمص، وطريق الميادين– البوكمال بدير الزور، وتأهيل القرى والبلدات في سلمية ومعرة النعمان والباب واعزاز والقامشلي وعامودا والقنيطرة والنواحي كافة، إلى جانب الزيادات المتتالية للرواتب ومشاريع التعافي المباشر.
إن الحنين إلى الماضي البائد ليس سوى مرض نفسي يشبه “متلازمة ستوكهولم”، حنين عجيب لعهد طوابير الخبز، وقطع الكهرباء، وسيطرة أجهزة الفساد و”الكبتاجون”! لقد انتقلت سوريا اليوم من دولة تُختزل في صورة حاكم، إلى دولة تتمحور حول كرامة مواطنها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الساحل إلى أقصى الشرق، وشمس الحق إذا أشرقت، لا تضيرها أوهام من استمرأوا العيش في الظلام!
لقد تغير النظام، وانفتحت أبواب جديدة، أما الامتحان الحقيقي فهو أن تصبح الحرية والعدالة والكرامة واقعًا يعيشه السوري في دمشق وحلب وحمص وإدلب واللاذقية وطرطوس ودرعا والسويداء ودير الزور والرقة والحسكة، وفي كل قرية سورية، فسوريا لا تنهض بالإنكار ولا بالتصفيق الدائم، بل بالعمل والمساءلة والعدالة، وبوطن يتسع لجميع أبنائه.
أما الأسطوانة التي تردد أن شيئًا لم يتغير، فربما تحتاج إلى صيانة أكثر من بعض محطات الكهرباء!
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى