
تختلف ضيافة المواليد وطقوس استقبالهم بين المحافظات السورية لكنها تلتقي في عادات متوارثة تجمع العائلات وتحتفي بالوافدين الجدد (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

تختلف ضيافة المواليد وطقوس استقبالهم بين المحافظات السورية لكنها تلتقي في عادات متوارثة تجمع العائلات وتحتفي بالوافدين الجدد (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
عنب بلدي – خاص
“أكثر ما يعني لي في الزيارات ضيافة الكراوية”، تقول أم مالك من حي الميدان في دمشق، وهي تستعيد واحدة من العادات التي ترافق استقبال المولود الجديد، فمع قدوم الطفل، لا يتغير إيقاع البيت وحده، إذ تبدأ الاستعدادات لاستقبال الأقارب، وتُحضّر الضيافة، ويحمل الزوار هداياهم أو “النقوط”، لتتحول الأيام الأولى بعد الولادة إلى مناسبة تتشارك فيها العائلة فرحتها.
في دمشق، قد تكون “الكراوية” عنوان تلك الزيارات، فيما تستقبل عائلات في السويداء مهنئيها بمشروب “البهار”، وتقدّم أخرى في درعا “القرفة” المضاف إليها الجوز.
وبين مشروب وآخر، تتوارث الأسر طقوسًا لا تقتصر على الاحتفاء بالمولود، بل تعكس أيضًا أشكال الترابط بين أفراد العائلة ومحيطهم الاجتماعي.
ورغم اختلاف هذه العادات بين المحافظات السورية، وتغيّر بعض تفاصيلها مع مرور الوقت، فإنها لا تزال حاضرة في استقبال المولود، من الأيام الأولى بعد الولادة إلى مراحل لاحقة من طفولته، حين تجتمع العائلة مجددًا للاحتفال بخطواته الأولى.
قالت أم مالك، وهي سيدة أربعينية، إن عائلتها اعتادت ذبح ذبيحتين للصبي وذبيحة واحدة للبنت ضمن طقوس العقيقة، إلى جانب حلق شعر رأس الطفل بعد الولادة، ثم “طهور” الصبي وثقب أذني البنت.
لكن “الكراوية” تبقى من أبرز ملامح الضيافة خلال فترة النفاس، ولا سيما في الشتاء، بينما تُقدّم “الكاسيتا” أو “البوظة” في الصيف.
ولا تقتصر المناسبة على الزيارات القصيرة، إذ تعدّ بعض العائلات “سفرة النفاس”، وهي وليمة طعام للأهل والمقربين، إلى جانب تخصيص يوم لاستقبال الأقارب يُعرف باسم “يوم المباركة”.
وتحمل الزيارات معها الهدايا أو “النقوط”، فيما تتحول الضيافة إلى وسيلة لمشاركة الأسرة فرحتها، وتبقى تفاصيلها مرتبطة بما اعتادته كل عائلة.
في السويداء، يُقدّم مشروب “البهار” للمهنئين خلال فترة النفاس، المعروفة محليًا باسم “الرعبون”، والممتدة 40 يومًا. ويُحضّر من مزيج من التوابل، ويُحلّى بالسكر بحسب الرغبة، ثم يُزيّن بالجوز البلدي.
وتتعامل بعض العائلات مع المشروب بوصفه تقليدًا مرتبطًا بالعناية بالأم خلال هذه الفترة، انطلاقًا من معتقدات شعبية تربط تناوله بالتعافي وتنقية الدم.
كما اعتادت أسر تقديم “مقلى الثوم”، وهو طبق من البطاطا والثوم والدهن، إلى جانب الهدايا والمبلغ المعروف باسم “نقوط الولادة”.
وقالت سمر الشوفي (55 عامًا)، وهي من أهالي السويداء، لعنب بلدي، إن هذه العادات لا تزال حاضرة، وإن كانت بعض الأسر قد وسّعت أشكال الضيافة لتشمل الفواكه ومأكولات أخرى.
وظهرت أيضًا أساليب أحدث للاحتفال، منها تزيين المنزل وتوزيع حلوى مغلّفة تحمل صورة الطفل أو اسمه وتاريخ ولادته.
ولا تنتهي الطقوس عند الولادة، فعندما يبدأ الطفل بالمشي، تُربط قدماه بخيط يُعرف باسم “الشركال”، ثم يُقص احتفالًا بخطواته الأولى، وغالبًا ما يتولى خاله هذه المهمة.
في ذاكرة سلافا يونس الكردية، تبدأ الاستعدادات بتجهيز ملابس المولود المعروفة باسم “الديارة”، ووضعه في سرير خشبي أو حديدي هزاز يُعرف باسم “Dergûş”، يُحاك اسمه على غطائه.
كما تُعلّق “الخرزة الزرقاء” على القماط (Qundaq) بهدف حماية الطفل من العين الحاسدة وفق المعتقد الشعبي.
وترتبط الولادة أيضًا بالعقيقة، إذ يُذبح خروف أو خروفان، ثم يُدعى الأقارب والجيران إلى وليمة الغداء.
ومن العادات لدى بعض الكرد اختيار شخص يُعرف باسم “الكريف” أو “Kîrif” ليحتضن الطفل في أثناء الختان أو “الطهور”، وتنشأ بين العائلتين علاقة قرابة اجتماعية متينة.
وعندما يبدأ الطفل بالمشي، تُحضّر العائلة طعامًا يُعرف باسم “الدانوك”، ويوزّع على الأطفال.
وتُربط قدما الطفل بخيط أو شريط ملون يُسمّى “Kostek” ثم يُقطع على يد شخص آخر، غالبًا ما يكون سريع المشي. ويرمز ذلك، وفق المعتقد الشعبي، إلى فك القيود وإزالة العقبات أمام الطفل.
وترافق الزيارات العائلية ضيافة الشاي الكردي الثقيل المعروف باسم “الخمير”، إلى جانب البسكويت أو الحلويات البسيطة.
في بعض بيوت حماة، يُقدّم “المغلي”، المعروف أيضًا باسم “الكراوية”، والمحضّر من الشمرة واليانسون والمزيّن بالمكسرات.
وتنقل الصحفية ندى حبّال، لعنب بلدي، عن جدتها، أن تقديمه كان في بعض العائلات مرتبطًا أكثر بالمواليد الذكور، مع تقديمه للإناث أيضًا لدى أسر أخرى.
أما العائلات التي لا تقدّم “المغلي” فقد اعتادت استبداله بالقهوة التي ترافقها “صرّة” تحتوي على “الشوكولا” و”النوغا” وأنواع أخرى من الحلويات.
وقد تكون الهدايا للمولود أو الأم أو المنزل أو تقديم مبلغ يُعرف باسم “النقطة”، إلى جانب هدايا مثل “الخرزة الزرقاء” بإطار ذهبي أو حلق ذهبي صغير للمولودة.
وفي ريف حمص، رُزق ابن سيدة من منطقة وادي النصارى بطفلة، فزيّنت العائلة المنزل لاستقبال الزوار، ورافق الأقارب الأم إلى المستشفى. وقدّمت الأسرة للمهنئين “المغلي” والعصير أو القهوة، إلى جانب الشوكولا والحلويات، في مناسبة شارك فيها الأقارب فرحة الأسرة بالمولودة.
بحسب الجدة صباح، تبدأ بعض طقوس استقبال المولود في حلب برفع الأذان في أذنه اليمنى والمناداة بالإقامة في أذنه اليسرى، ثم ذبح العقيقة وتوزيعها، كما اعتادت في حالة أبنائها وأحفادها.
وبعد خروج الأم من المستشفى، يُقام احتفال في المنزل يُعرف باسم “المولد”، ويُدعى إليه الأقارب والمقربون. ويحمل الزوار معهم “النقطة”، وهي مبلغ مالي أو هدية من الذهب.
ويبقى “المغلي” المحضّر من “الكراوية” من أبرز ملامح الضيافة الحلبية، ويُقدّم مزينًا بالجوز واللوز وجوز الهند، إلى جانب القهوة المرة والسكاكر أو الراحة.
وقالت صباح (السيدة السبعينية)، إن هذه العادات لا تزال حاضرة في أساسياتها، وخصوصًا “المغلي” و”النقطة” والقهوة المرة، لكن “المولد” والتجمعات الكبيرة أصبحا أضيق نطاقًا تبعًا لظروف كل عائلة.
بعد أن رُزق محجوب الحشيش بطفل، استقبل وعائلته المهنئين وفق العادات المتوارثة في درعا، حيث قدّموا مشروب “القرفة” المضاف إليه الجوز، إلى جانب قطع صغيرة من الحلاوة الطحينية والحلويات والقهوة.
وترافق هذه الضيافة زيارات الأقارب والمعارف للتهنئة، في صورة أخرى من صور الاحتفاء بالمولود، تختلف فيها نكهة المشروب، بينما تبقى مشاركة الأسرة فرحتها حاضرة.
من “الخرزة الزرقاء” في الحسكة، إلى “البهار” في السويداء، و”الكراوية” في دمشق وحلب، و”القرفة” في درعا، تحمل طقوس استقبال المولود تفاصيل مختلفة بين المحافظات، لكنها تتقاطع في حضور الضيافة والهدايا واجتماع الأقارب.
وبعض هذه الطقوس لا يتوقف عند الأيام الأولى بعد الولادة، بل يمتد إلى مراحل لاحقة، مثل الاحتفال ببدء الطفل المشي.
ومع مرور الوقت، غيّرت بعض الأسر أشكال الاحتفال، من تزيين المنزل وتوزيع الحلوى التي تحمل اسم الطفل أو صورته، إلى تقليص التجمعات الكبيرة.
ولا تزال هذه العادات تحتفظ بمكانها في الذاكرة العائلية، سواء بقيت بصورتها القديمة أو اتخذت أشكالًا جديدة، ففي الضيافة التي تُحضّر، والهدية التي تُقدّم، والاجتماع الذي يجمع الأقارب، يتحول قدوم المولود من حدث يخص أسرته وحدها إلى مناسبة يتشاركها محيطها الاجتماعي.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى