“النمور في اليوم العاشر”.. آلية التحول من التمرد إلى الخضوع

"النمور في اليوم العاشر".. آلية التحول من التمرد إلى الخضوع
tag icon ع ع ع

لا يحتاج ترويض النمر إلى كسر أنيابه ومخالبه، فقد يكون تجويعه كافيًا لدفعه إلى التخلي عن طباعه، ثم إقناعه بأن الخضوع خيار لا مفر منه.

من هذه الفكرة ينطلق الكاتب السوري زكريا تامر في مجموعته “النمور في اليوم العاشر”، كي يكتب عن الإنسان عندما يجد نفسه أمام سلطة تتحكم في حاجاته الأساسية، وتستخدمها لإخضاعه تدريجيًا.

لا تتعامل المجموعة مع القمع بوصفه عنفًا مباشرًا فحسب، بل تقترب من الطرق التي يؤثر بها القمع في الحياة الإنسانية، ومن أثر الخوف في اختيارات الأفراد.

ويستعين تامر بالحكاية الرمزية والمفارقة والسخرية، ليقدم شخصيات ومواقف تتجاوز حدودها الظاهرة، وتشرع الباب أمام قراءة أوسع لعلاقة الإنسان بالسلطة والمجتمع.

وفي القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، يضع تامر القارئ أمام نمر أسير ومروِّض يريد أن يعلم تلاميذه مهنته.

غير أن ما يجري داخل القفص لا يتعلق بتدريب حيوان على أداء حركات محددة، وإنما يكشف آلية متدرجة لتغيير إرادته، وصولًا إلى اللحظة التي يفقد فيها ما يميزه عن غيره.

تبدأ الحكاية بنمر لا يزال يتذكر الغابة، ويحدق بغضب في الرجال الذين يتجمعون حول قفصه، فيما يشرح المروِّض لتلاميذه أن نقطة البداية هي معدة النمر، فالجوع، في نظره، هو الوسيلة التي يمكن من خلالها إخضاع خصم قوي لا يستجيب للأوامر.

في الأيام الأولى، يرفض النمر الرضوخ، ويتمسك بطبيعته، لكن المروِّض يواصل استخدام الطعام وسيلة للعقاب والمكافأة.

ومع مرور الأيام، لا يعود المطلوب من النمر مجرد تنفيذ الأوامر، بل تقليد أصوات حيوانات أخرى، والتصفيق لخطب لا يفهمها، ثم تناول الحشائش بدلًا من اللحم الذي اعتاده.

يتقدم الترويض خطوة بعد أخرى، بالتوازي مع تراجع قدرة النمر على مقاومته، فالجوع يدفعه إلى التنازل مرارًا وتكرارًا، حتى يصبح تنفيذ الأوامر جزءًا من سلوكه.

وفي اليوم العاشر، يختفي المروِّض وتلاميذه والنمر والقفص، وتأتي النهاية بجملة تختصر التحول الذي شهدته الحكاية، إذ صار النمر مواطنًا، والقفص مدينة.

تقدم القصة مثالًا واضحًا على الطريقة التي يبني بها زكريا تامر حكاياته، حيث ينطلق من موقف بسيط، ثم يمنحه دلالات تتجاوز الشخصيات والأحداث الظاهرة.

وتندرج هذه الحكاية ضمن عالم قصصي يهتم بالشخصيات العادية والمهمشين، وبالعلاقات التي يتداخل فيها القهر الاجتماعي مع السياسي والاقتصادي.

كما أن اختياره النمر بطلًا للحكاية يتيح له تجنب الشرح المباشر، فالحيوان الذي يرتبط في المخيلة بالقوة والحرية يتحول، بفعل التجويع والترويض، إلى كائن ينفذ الأوامر التي كان يرفضها.

زكريا تامر

ولد زكريا تامر في دمشق عام 1931، وترك الدراسة في سن مبكرة، وعمل حدادًا قبل أن يتجه إلى الكتابة.

بدأ نشر قصصه في خمسينيات القرن الـ20، وأصدر مجموعته الأولى “صهيل الجواد الأبيض” عام 1960، ثم “ربيع في الرماد” عام 1963، و”الرعد” عام 1970، و”دمشق الحرائق” عام 1973، قبل أن يصدر “النمور في اليوم العاشر” عام 1978.

عمل تامر في الصحافة الثقافية، وتولى مهام تحريرية في عدد من المجلات، وشارك في تأسيس اتحاد الكتّاب العرب في سوريا أواخر ستينيات القرن الماضي.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة