“الفلول”.. هراوة السلطة على رؤوس منتقديها

tag icon ع ع ع

غزوان قرنفل

ليس أخطر ما تفعله السلطات الجديدة أن تخطئ في قراراتها أو تتعثر في سياساتها أو تعجز عن الوفاء بوعودها فحسب، بل الأخطر هو أن ترفض الاعتراف بأخطائها، وتتعامل مع النقد بوصفه تهديدًا لشرعيتها، ثم تبحث عن تهمة جاهزة تسكت بها المنتقدين وتشكك في نياتهم ثم تطلق عليهم أبواقها ومطبليها للتشكيك في وطنية هؤلاء المنتقدين والطعن في تاريخهم وكراماتهم.

في الحالة السورية تبدو تهمة “الفلول” مرشحة لأن تؤدي هذه الوظيفة، لا باعتبارها توصيفًا محددًا لأشخاص ارتبطوا بالنظام السابق وشاركوه جرائمه، بل بوصفها هراوة سياسية وأخلاقية يجري التلويح بها في وجه كل من يجرؤ على مساءلة السلطة الجديدة أو نقدها.

من حيث المبدأ، ليس ثمة ما يمنع السوريين من المطالبة بمساءلة كل من تورط في جرائم وانتهاكات وفساد وفق إجراءات قانونية عادلة، بل إن بناء دولة جديدة لا يمكن أن يستقيم من دون فعل ذلك، لكن المشكلة تبدأ عندما تنفصل التهمة عن معناها القانوني وتتحول إلى تصنيف فضفاض يوزعه أنصار السلطة ومطبليها على خصومها بحيث يصبح كل نقد دليلًا على الولاء للنظام السابق، وكل اعتراض أو مطالبة بالحقوق قرينة على التآمر!

الأخطر أن هذه الممارسات لا تتكئ بالضرورة على قرار رسمي أو توجيه مباشر من السلطة، يكفي أن يشعر أنصارها بأن تهمة “الفلول” تمنحهم حصانة “أخلاقية” تخولهم تخوين الآخرين، حتى يتطوعوا باستخدامها في النقاشات العامة وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث لا يكتفي هؤلاء بتولي مهمة الدفاع عن السلطة ظالمة أو مظلومة دون امتلاكهم ما يسعف مزاعمهم بالحجج والبراهين، بل يهاجمونك بالتشكيك والتشهير، وكأنهم حراس معبد الدولة لا يسمحون لأحد بالعبور منه إلا بعد إثبات ولائه للسلطة.

وفي الوقت الذي يشغلون فيه الناس بمعارك التصنيف والاتهام، تتراجع الأسئلة الأساسية المتعلقة بالمستوى المعيشي والخدمات والعدالة والحريات والفساد وإدارة موارد البلاد وسيادة القانون، وهو ما يهيئ ويعيد التأسيس لإنتاج واحدة من أكثر ممارسات النظام السابق ضررًا، تقسيم المجتمع إلى معسكرات متقابلة، واحتكار الوطنية، واعتبار الاعتراض خروجًا على الجماعة أو خيانة للمصلحة العامة.

فإذا كان السوريون قد ثاروا على سلطة جعلت من الولاء معيارًا للحقوق والفرص، فليس من المنطقي أن يقبلوا اليوم بإعادة إنتاج المنطق ذاته بأسماء وشعارات جديدة.

إن تهمة “الفلول” حين تُستخدم بلا ضوابط أو أدلة، لا تظلم الأفراد المستهدفين فحسب، بل تسيء أيضًا إلى قضية العدالة الانتقالية نفسها، فعندما يساوى بين مجرم متورط في انتهاكات وبين موظف عمل في مؤسسة عامة، ومواطن لا يتفق مع سياسة حكومية، يصبح مفهوم المحاسبة مشوشًا ومشوهًا، وتتحول العدالة من وسيلة لاستعادة الحقوق إلى أداة للانتقام والإقصاء، والنتيجة أن القضايا الحقيقية التي تستوجب التحقيق والمساءلة قد تضيع وسط سيل من الاتهامات السياسية المتبادلة.

ليس مطلوبًا من السوريين أن ينسوا جرائم الماضي، ولا أن يمنحوا المتورطين فيها صك براءة، وليس من حق أحد أن يستخدم حرية التعبير ستارًا لتبرير الجرائم أو التحريض عليها، لكن الفصل بين النقد المشروع والتورط في الجرائم يجب أن يستند إلى الوقائع والأدلة والقانون، لا إلى مزاج أنصار السلطة أو رغبتهم في إسكات الأصوات المزعجة، فالوطنية ليست شهادة تمنحها السلطة لمؤيديها، ولا تهمة تلصقها بمعارضيها، بل هي موقف يتجلى في الدفاع عن مصالح المجتمع وحقوق أفراده وكرامتهم.

إن السلطة المتيقنة من شرعيتها لا تخشى النقد، ولا تحتاج إلى تعبئة جمهورها ضد كل صوت مخالف، بل تدرك أن الاعتراض على قرار لا يعني بالضرورة رفضًا لمنطق الدولة، وأن مساءلة المسؤولين ليست مؤامرة كونية جديدة، وأن كشف الأخطاء فرصة لتصحيح المسار لا تهديدًا له، وعندما تشهر السلطة هراوة “الفلول” لإسكات منتقديها، فإنها تقدم دليلا على عجزها عن مواجهة الأسئلة بالحجج وتكشف عن ميلها إلى الاحتماء بالتخوين بدلًا من الاحتكام إلى الشفافية والمساءلة.

في سوريا الجديدة، لا ينبغي أن تكون الأولوية لمن يرفع صوته تأييدًا للسلطة، بل لمن يسهم في بناء دولة لا يخشى مواطنوها قول الحقيقة، دولة لا تسأل المنتقد عن ولائه قبل أن تستمع إلى حجته، ولا تمنح أنصارها حق توزيع صكوك الوطنية، ولا تجعل من الماضي سلاحًا لإسكات الحاضر.

فإذا كانت “الفلول” تعني فعلًا بقايا منظومة الاستبداد والفساد والإفلات من العقاب، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة هو أن تستبقي من تلك المنظومة أدواتها في التخوين والإقصاء، ثم تستخدمها ضد كل من يطالبها بالتغيير، عندها لن تكون المشكلة في من تطلق عليهم هذه التهمة، بل في سلطة تستعير من الماضي هراوته لتبني بها ما تعتقد واهمة أنه المستقبل.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة