أحداث الجنوب السوري.. لماذا تتخبط الرواية الأردنية؟

قوات حرس الحدود الأردنية - 9 كانون الأول 2024 (القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية)

camera iconقوات حرس الحدود الأردنية - 9 كانون الأول 2024 (القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية)

tag icon ع ع ع

“هناك تسرّع في توضيح ما يحدث على الحدود السورية الأردنية، وسحب بيان الجيش الأردني دليل على عدم وقوع مناوشات على الحدود”.

بهذه العبارة علّق وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في حديث مع “الشرق بلومبرغ”، على سحب الجيش الأردني بيانه بشأن إحباط محاولة تسلل مجموعة مسلحة قادمة من الأراضي السورية، معتبرًا أن حذف البيان دليل على عدم وقوع مناوشات على الحدود.

وجاء تصريح الشيباني بعد ساعات من إعلان القوات المسلحة الأردنية، السبت 31 من تشرين الأول، إحباط محاولة مجموعة تضم نحو 14 شخصًا اجتياز الحدود الشمالية للمملكة، تحت غطاء كثيف من إطلاق النار، مشيرة إلى وقوع اشتباك مباشر بين المجموعة وقوات حرس الحدود، أسفر عن خسائر بشرية في صفوف أفرادها، قبل فرار من تبقى منهم باتجاه الأراضي السورية.

لكن الجيش الأردني حذف البيان لاحقًا من موقعه الرسمي، كما سحبت وسائل إعلام أردنية الأخبار التي نقلت تفاصيله، من دون تقديم توضيح رسمي لأسباب هذا التراجع.

وفي مقابل الرواية الأردنية الأولية، أفاد مراسل عنب بلدي في درعا أن الحادثة استهدفت أطفالًا كانوا يلعبون داخل الأراضي السورية، وأنه لم تُسجل اشتباكات على الشريط الحدودي.

ويضع هذا التباين روايتين مختلفتين أمام واقعة لم تتضح تفاصيلها بعد، خصوصًا مع غياب معلومات رسمية تشرح ملابسات الحادثة أو أسباب حذف البيان، وما إذا كان التراجع مرتبطًا بمراجعة المعطيات الميدانية أو بتقدير مختلف لطبيعة ما جرى.

وتكتسب الحادثة أهمية تتجاوز تفاصيلها المباشرة، بالنظر إلى توقيتها، إذ جاءت بعد أيام من تنفيذ سلاح الجو الأردني غارات داخل الأراضي السورية، في 26 من تشرين الأول، قال الجيش الأردني إنها استهدفت مواقع لعناصر مرتبطة بتنظيمات إرهابية في الجنوب السوري، على خلفية الهجوم الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك الأردنية.

وفي حين تحدثت عمّان عن تنسيق مع الحكومة السورية لتنفيذ الضربات، قالت دمشق إنها لم تتلقَّ تنسيقًا أو إخطارًا مسبقًا، وأعلنت سقوط ضحايا مدنيين في درعا والسويداء، وأفاد الدفاع المدني السوري بمقتل سبعة مدنيين جراء الغارات.

وعقب الغارات، اتفق وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره السوري أسعد الشيباني، خلال اتصال هاتفي في 28 من تشرين الأول، على تشكيل لجنة أمنية مشتركة لمتابعة تداعيات العمليات العسكرية الأخيرة، وتطوير آليات التنسيق الميداني والاستخباراتي، ومواجهة التهديدات الأمنية، بما فيها تهريب المخدرات والأسلحة عبر الحدود.

كما أعلنت السلطات السورية إغلاق معبر نصيب الحدودي مع الأردن لمدة يوم واحد، في 27 من الشهر نفسه، وتعليق حركة المسافرين والشحن التجاري في الاتجاهين، على خلفية التطورات الأمنية في المنطقة.

وتأتي هذه التطورات في سياق تحديات أمنية متكررة على الحدود السورية الأردنية، تشمل محاولات التسلل والتهريب، ولا سيما تهريب المخدرات والأسلحة.

وكان الجيش الأردني أعلن، في 28 من أيلول الماضي، إحباط محاولة تسلل أربعة أشخاص عبر المنطقة العسكرية الوسطى، كما أعلن في كانون الأول 2025 استهداف مواقع قال إنها تُستخدم من قبل مجموعات تنشط في تهريب الأسلحة والمخدرات بمحاذاة الحدود الشمالية.

وأثارت التطورات الأخيرة على الحدود السورية الأردنية حالة من الالتباس، في ظل التباين بين الروايتين السورية والأردنية بشأن الغارات التي نفذها الجيش الأردني في الجنوب السوري، ومدى التنسيق المسبق حولها والنتائج المترتبة عليها.

وامتد هذا الارتباك إلى التعامل الإعلامي الأردني مع حادثة محاولة التسلل المعلنة من الأراضي السورية، إذ نشر الجيش الأردني بيانًا تحدث فيه عن إحباط المحاولة ووقوع اشتباك مع المجموعة، قبل أن يحذفه لاحقًا من موقعه الرسمي، بالتزامن مع إزالة وسائل إعلام أردنية أخبارًا نقلت مضمونه، من دون صدور توضيح رسمي يشرح أسباب الحذف أو يبيّن حقيقة ما جرى.

حذف البيان لا يعني بالضرورة اعتراف الأردن بخطأ عسكري

بالنسبة لأستاذ القانون الدولي العام والباحث في الشؤون الدولية، الدكتور عامر فاخوري، فإن التباين بين الروايتين الأردنية والسورية بشأن حادثة الحدود الشمالية لا يتعلق باختلاف في عدد الأشخاص أو طبيعة الإصابات، بل بتوصيف الحادثة نفسها، إذ تحدثت الرواية الأردنية الأولية عن مجموعة مسلحة حاولت التسلل إلى الأراضي الأردنية ووقوع اشتباك معها، في حين أفادت رواية متداولة في الجانب السوري بأن الحادثة تتعلق بأطفال كانوا يلعبون قرب الحدود.

يقول فاخوري، لعنب بلدي، إن المعطيات المتاحة لا تكفي حتى الآن للجزم بأن الروايتين تتناولان الواقعة نفسها بجميع تفاصيلها، ما يجعل ترجيح إحداهما قبل اكتمال التحقق أمرًا غير مناسب.

ويشدد على أن الأولوية ينبغي أن تكون لمعرفة ما جرى ميدانيًا، بعيدًا عن تحويل الحادثة إلى سجال حول صدقية المؤسسات الرسمية، باعتبار أن الأردن معني بحماية حدوده، وسوريا معنية بحماية مواطنيها، وأن الوصول إلى الحقيقة يخدم مصلحة الطرفين.

وفي تفسيره للتباين في المعلومات، يضع فاخوري احتمالين أساسيين، هما الخطأ في التقدير الميداني أو الخلل في نقل المعلومات، لكنه يؤكد أن أيًا منهما لم يثبت حتى الآن.

يفرق الباحث الأردني بين القرار الأمني الذي تتخذه القوات الموجودة على الحدود في لحظة معينة، والمعلومات التي تعلن لاحقًا للرأي العام، موضحًا أن طبيعة المناطق الحدودية وحساسيتها قد تفرض اتخاذ قرارات سريعة في ظل مخاوف من التسلل أو نشاط شبكات التهريب.

ويضيف أن التحقق من دقة التوصيف الأول للحادثة، في حال ثبوت عدم صحته، يقتضي تحديد موضع الخلل، سواء كان في التعرف على الأشخاص، أو تقدير طبيعة تحركاتهم، أو نقل المعلومات إلى الجهات المعنية بالإعلان عنها.

لكنه يحذر من تحميل القوات الموجودة على الحدود مسؤولية خطأ لم يثبت وقوعه، مشيرًا إلى أن المعلومات والتقديرات العسكرية التي تكون متاحة للوحدات الميدانية قد تختلف عما يتكشف بعد انتهاء الحادثة.

حذف البيان وأسئلة التحقق من المعلومات

وفقًا لأستاذ القانون، فإن حذف الجيش الأردني للبيان، تطور يستحق التوقف عنده، لكنه لا يقدم تفسيرًا واحدًا بوصفه حقيقة محسومة، في ظل غياب توضيح رسمي لأسباب السحب.

ويشير إلى أن تغطيات إعلامية تحدثت عن حذف البيان من منصات عسكرية وإعلامية أردنية، مع بقاء نسخة منه في أرشيف وكالة الأنباء الأردنية “بترا”، ما يطرح عدة أسئلة حول طبيعة المراجعة التي جرت للمعلومات الأولية.

ومن الناحية الإعلامية، يرى أن سحب البيان يفتح سؤالًا مشروعًا حول دقة المعلومات التي تضمنها، ومدى التحقق منها قبل نشرها، في حين يدعو سياسيًا إلى التعامل مع الخطوة بحذر، وعدم اعتبارها دليلًا بحد ذاتها على تعمد تضليل الرأي العام أو اعترافًا بوقوع خطأ عسكري.

“المؤسسات العسكرية قد تحتاج أحيانًا إلى مراجعة المعلومات التي تعلنها، لكن الأهم أن تقترن هذه المراجعة بقدر كافٍ من الشفافية، عبر توضيح رسمي يشرح ما جرى وأسباب التراجع عن البيان الأول.

فغياب التفسير يترك المجال مفتوحًا أمام روايات متباينة قد تزيد من حساسية الحادثة وتنعكس على الرأي العام في البلدين”.

الدكتور عامر فاخوري

أستاذ القانون الدولي العام والباحث في الشؤون الدولية

وفي هذا السياق، يلفت إلى ضرورة التمييز بين ما تراه الوحدات العسكرية في لحظة وقوع الحادثة، وما يمكن التأكد منه بعد انتهاء الواقعة وجمع المعلومات.

ويضيف أن احتمال امتلاك الجهات العسكرية تقديرات أو معلومات غير متاحة للإعلام يظل واردًا، كما أن ظهور معطيات لاحقة قد يستدعي تعديل التوصيف الأول، لكن أيًا من هذه الاحتمالات لا يشكل تفسيرًا مؤكدًا لما حدث.

ويضع فاخوري مسألة التثبت من المعلومات قبل إعلانها في صلب الدروس التي يمكن استخلاصها من الواقعة، خصوصًا أن البيانات المتعلقة بالحوادث الحدودية قد تثير حساسيات بين الدول.

ويقول إن سرعة إصدار البيان لا ينبغي أن تتقدم على دقته، وإن ثقة الرأي العام بالمؤسسات العسكرية تتعزز عندما تكون المعلومات واضحة، وقابلة للمراجعة والتصحيح عند ظهور معطيات جديدة.

رجل يعاين أثاث منزل مدمر في منطقة المزيريب بريف درعا جراء قصفه بالطيران الأردني - 27 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/ محجوب الحشيش)

رجل يعاين أثاث منزل مدمر في منطقة المزيريب بريف درعا جراء قصفه بالطيران الأردني – 27 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/ محجوب الحشيش)

تباين التقديرات واحتمالات الخطأ الميداني

في تفسيره لطبيعة التعامل الأردني مع التحركات على الحدود، يطرح الباحث السياسي درويش خليفة، خلال حديثه لعنب بلدي، احتمال وجود تعليمات مشددة لقادة القطاعات الحدودية بالتعامل الفوري مع أي تحرك يُشتبه في أنه يشكل تهديدًا قادمًا من الجانب السوري، وهو ما قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى أخطاء في التقدير أو الاستجابة الميدانية.

ولا يقدم هذا الاحتمال، بحسب طرحه، تفسيرًا محسومًا لما جرى في حادثة محاولة التسلل الأخيرة، لكنه يضعها ضمن سياق أوسع من المخاوف الأمنية الأردنية والتقديرات المرتبطة بالوضع في الجنوب السوري.

فحساسية المنطقة وتعدد مصادر التهديدات المحتملة قد يدفعان المؤسسة الأمنية الأردنية إلى اعتماد مقاربة شديدة الحذر، خصوصًا في ظل استمرار التوترات على الجانب السوري من الحدود.

ومع ذلك، لا يعتقد خليفة، أن المصالح المشتركة بين سوريا والأردن وصلت إلى مرحلة متدهورة، أو أن التطورات الأخيرة تعني انهيار مسار التعاون بينهما.

ويشير إلى مجموعة من المؤشرات التي تعكس استمرار التنسيق السياسي والأمني، رغم التباينات التي ظهرت في التعامل مع بعض الملفات، معتبرًا أن العلاقة بين البلدين لا يمكن اختزالها في حادثة حدودية أو خلاف بشأن رواية أمنية.

المخاوف الأردنية من الجنوب السوري تتجاوز الحوادث الحدودية

يعتقد الباحث السياسي، أن قراءة الموقف الأردني من التطورات الأخيرة على الحدود الشمالية لا يمكن أن تنفصل عن التحولات التي شهدها الجنوب السوري منذ تموز 2025، ولا سيما أحداث السويداء والتدخل الإسرائيلي في المنطقة وما تبعه من تمدد عسكري إسرائيلي، وما أثاره ذلك من مخاوف لدى عمّان تتعلق بأمن الحدود والسيادة والمصالح الاستراتيجية المشتركة مع دمشق.

ويشير خليفة، خلال حديثه لعنب بلدي، إلى أن الجنوب السوري لا يمثل بالنسبة إلى الأردن مجرد منطقة جغرافية مجاورة، بل يرتبط بمجموعة من المصالح الحيوية، من بينها الأمن المائي والاقتصادي.

ويبرز في هذا السياق حوض اليرموك وسد الوحدة، اللذان يشكلان مصدرًا مائيًا مهمًا لمناطق حوران في الجنوب السوري والمناطق الشمالية من الأردن، في ظل أزمة شح المياه التي يعاني منها الأردن.

وبذلك، فإن أي اضطراب أمني أو سياسي في هذه المنطقة قد تتجاوز تداعياته الحدود الجغرافية، لتطال المصالح المائية والاقتصادية للبلدين.

تشمل المخاوف الأردنية، وفق خليفة، التمدد الإسرائيلي والتهديدات المرتبطة به، إلى جانب استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في الجنوب السوري.

ويوضح أن المنطقة كانت خلال عهد النظام السابق ممرًا ومصدرًا لتهريب “الكبتاغون”، بينما تشهد في المرحلة الحالية توترات مرتبطة بوجود ما يُعرف بميليشيا الحرس الوطني في السويداء والصراعات القائمة هناك.

ويعتبر أن استمرار هذه الأوضاع لا يمنح الأردن شعورًا كافيًا بالأمان على حدوده الشمالية، ويدفعه إلى إبقاء قواته في حالة تأهب، والتعامل بحساسية عالية مع أي تحرك أو تطور أمني أو سياسي في الجانب السوري.

ومن هذا المنطلق، يرى أن بعض التصرفات الأردنية الأخيرة قد تكون مرتبطة بتباين المعلومات والتقديرات بين الأجهزة الاستخباراتية والمؤسسات العسكرية، أو باختلاف طريقة تفسير المعطيات ميدانيًا.

أطفال يلعبون فوق منزل مدمر جراء غارة أردنية على منطقة المزيريب بريف درعا - 27 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/ محجوب الحشيش)

أطفال يلعبون فوق منزل مدمر جراء غارة أردنية على منطقة المزيريب بريف درعا – 27 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي/ محجوب الحشيش)

مخاوف من تنظيم “الدولة” والتمدد الإسرائيلي

ومن العوامل الأخرى التي يلفت خليفة إلى أنها قد تزيد المخاوف الأردنية، ما يتردد من ادعاءات بشأن نقل عدد من عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” الذين كانوا محتجزين في سجون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الحسكة إلى الجنوب السوري، أو إلى سجون في منطقة حوران.

ويشدد على أن هذه المعلومات لا تزال في إطار الادعاءات التي تحتاج إلى التحقق، لكنه يرى أن ثبوتها قد يضيف بعدًا أمنيًا جديدًا إلى مخاوف الأردن، كما قد تستفيد منها الرواية الإسرائيلية التي تصوّر الجنوب السوري باعتباره منطقة غير آمنة ومصدرًا للتهديدات الأمنية.

ويربط الباحث السياسي هذه المخاوف باستمرار التوسع العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري، من خلال إنشاء نقاط وقواعد عسكرية، إلى جانب تعدد الطروحات والخطط الإسرائيلية المتعلقة بمستقبل المنطقة.

وبحسبه، فإن تداخل هذه العوامل يضع الأردن أمام ضغوط مباشرة على المستويين التكتيكي والاستراتيجي، ويساعد على فهم بعض التحركات الأردنية التي قد تبدو غير واضحة إذا جرى النظر إليها بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع.

هاجس النزوح وأعباء الحدود

لاجئات في مخيم الزعتري في الأردن - 21 تموز 2026 (المملكة)

لاجئات في مخيم الزعتري في الأردن – 21 تموز 2026 (المملكة)

يضيف خليفة، أن أحد أبرز مصادر القلق الأردني يتمثل في احتمال حدوث اجتياح إسرائيلي للجنوب السوري، وما قد يترتب عليه من نزوح أعداد كبيرة من السوريين باتجاه الأراضي الأردنية.

وفي هذا الإطار، يرى أن القيادة الأردنية تحاول إيصال رسالة إلى سكان الجنوب السوري مفادها أن بقاءهم في مناطقهم هو الخيار المطلوب، وأن الأردن لا يستطيع تحمل موجات جديدة من اللاجئين والنازحين.

ويعزو ذلك إلى الضغوط الاقتصادية التي يواجهها الأردن، والأعباء المتراكمة على بنيته التحتية، فضلًا عن أزمة شح المياه والتأثر المباشر بالتطورات الإقليمية والحروب المحيطة به.

ويشير إلى أن هذه العوامل تجعل أي موجة نزوح جديدة من الجنوب السوري مصدر قلق إضافي لعمّان، في ظل محدودية قدرتها على استيعاب أعباء إنسانية واقتصادية جديدة.

“الموقف الأردني من التطورات في الجنوب السوري لا يمكن تفسيره من خلال حادثة التسلل الأخيرة وحدها، أو باعتبارها مجرد استجابة أمنية لتحرك على الحدود، بل ينبغي قراءته في ضوء مجموعة متداخلة من الاعتبارات، تشمل أمن الحدود، والتمدد الإسرائيلي، والاستقرار في السويداء، ومخاطر التهريب، والأمن المائي، واحتمالات النزوح”.

درويش خليفة

باحث سياسي

ويخلص إلى أن الأردن يتعامل مع الجنوب السوري باعتباره امتدادًا لأمنه القومي ومصالحه الحيوية، في وقت تواجه فيه سوريا تحديًا يتمثل في تثبيت الاستقرار وتعزيز قدرتها على ضبط أراضيها، ومنع تحولها إلى ساحة مفتوحة للتدخلات والصراعات الإقليمية.

ومن هنا، تتضح أهمية التنسيق بين دمشق وعمّان بوصفه ضرورة تتجاوز معالجة الحوادث الطارئة، إلى إدارة الملفات الأمنية والاستراتيجية المشتركة ومنع انتقال تداعيات التوتر في الجنوب السوري إلى الداخل الأردني.

بين الانفتاح السياسي والحذر الأمني

من جولة وزير الداخلية السوري أنس خطاب مع نظيره الأردني مازن الفراية بدمشق في إطار تعزيز وتبادل الخبرات الأمنية بين الجانبين - 9 تموز 2026 (وزارة الداخلية السورية)

من جولة وزير الداخلية السوري أنس خطاب مع نظيره الأردني مازن الفراية بدمشق في إطار تعزيز وتبادل الخبرات الأمنية بين الجانبين – 9 تموز 2026 (وزارة الداخلية السورية)

على مستوى العلاقات السورية الأردنية، يقول الباحث الأردني، عامر فاخوري، إن السياسة الأردنية تجاه دمشق شهدت انفتاحًا واضحًا خلال المرحلة الماضية، إلا أن هذا الانفتاح لم يؤدِ تلقائيًا إلى زوال التحديات الأمنية على الحدود، التي شهدت خلال السنوات الماضية محاولات لتهريب المخدرات والأسلحة، إلى جانب محاولات التسلل.

ويعتبر أن التجارب السابقة جعلت المؤسسة الأمنية الأردنية تتعامل بحذر مع الحدود الشمالية، لكنه يميز بين هذا الحذر في التقدير العسكري للمخاطر الميدانية، وبين مستوى الثقة السياسية بالحكومة السورية الجديدة.

فالأردن، بحسب أستاذ القانون، يستطيع تطوير علاقاته مع دمشق ودعم استقرارها وتعزيز التعاون الاقتصادي معها، مع الإبقاء في الوقت نفسه على إجراءات أمنية مشددة لحماية حدوده، وهو ما يراه أمرًا طبيعيًا في العلاقات بين الدول التي تواجه تهديدات عابرة للحدود.

“موقف الشيباني من الحادثة، وما تضمنه من تأكيد على أهمية التعاون والعلاقات الاستراتيجية مع الأردن، يعكس رغبة في عدم تحويل الواقعة إلى أزمة سياسية أو إعلامية.

وأمن الأردن واستقرار سوريا مترابطان، والتعامل مع الحوادث الحدودية ينبغي أن ينطلق من هذه المصلحة المشتركة، لا من البحث عن طرف منتصر في السجال بين الروايتين”.

الدكتور عامر فاخوري

أستاذ القانون الدولي العام والباحث في الشؤون الدولية

انعكاسات أمنية واقتصادية محتملة

الاجتماع الوزاري الثلاثي بين سوريا والأردن ولبنان في عمان لبحث تعزيز التعاون في مجالي الغاز الطبيعي والطاقة الكهربائية- 4 أيار 2026 (وزارة الطاقة السورية)

الاجتماع الوزاري الثلاثي بين سوريا والأردن ولبنان في عمان لبحث تعزيز التعاون في مجالي الغاز الطبيعي والطاقة الكهربائية- 4 أيار 2026 (وزارة الطاقة السورية)

لا يستبعد الباحث الأردني أن تؤثر الحوادث الأمنية المتكررة في التعاون الاقتصادي بين البلدين إذا تحولت إلى نمط مستمر من التوتر، موضحًا أن التجارة البرية والنقل وحركة المعابر تحتاج إلى بيئة مستقرة تسمح باستمرار النشاط الاقتصادي.

لكنه يرى أن إعادة فتح معبر نصيب الحدودي في 28 من تشرين الأول، بعد إغلاقه على خلفية الغارات الجوية، تعكس رغبة في عدم السماح للخلافات الأمنية بتعطيل المصالح الاقتصادية المشتركة.

ويشير إلى أن الأردن يمثل ممرًا مهمًا للتجارة السورية باتجاه الأسواق العربية، في حين تشكل سوريا امتدادًا بريًا مهمًا للتجارة الأردنية نحو الشمال.

وبحسب فاخوري، فإن استمرارية حركة التجارة والنقل رغم التطورات الأمنية ستكون مؤشرًا عمليًا على قدرة البلدين على الفصل بين معالجة الحوادث الأمنية والمحافظة على العلاقات الاقتصادية، خصوصًا أن استقرار الحدود لا يمثل مصلحة عسكرية فحسب، بل يرتبط أيضًا بمصالح السكان والتجار وقطاعات النقل والتبادل التجاري في البلدين.

وفي ما يتعلق بمستوى الثقة بين الطرفين، لا يعتقد أستاذ القانون الدولي، بأن العلاقة يمكن اختزالها في ثنائية الشك والثقة، إذ يجتمع الانفتاح السياسي الأردني على دمشق مع استمرار الحذر الأمني على الحدود.

ويؤكد أن بناء الثقة بين المؤسسات الأمنية يحتاج إلى وقت ونتائج ملموسة على الأرض، لافتًا إلى ما أعلنه الشيباني بشأن التعاون الأمني والعسكري والاستخباراتي، والتحضير لعقد الاجتماع الثالث للمجلس الاستراتيجي الأعلى بين البلدين خلال الشهر المقبل.

ويخلص فاخوري إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التفاهمات السياسية إلى تنسيق ميداني أكثر فاعلية، من خلال تفعيل قنوات الاتصال السريعة بين حرس الحدود في البلدين، وتبادل المعلومات بشأن التحركات المشبوهة، ووضع آليات مشتركة للتحقق من الحوادث قبل إعلان تفاصيلها أو تحولها إلى خلافات علنية.

ويؤكد أن مصلحة الأردن تكمن في وجود دولة سورية قوية وقادرة على ضبط حدودها، كما أن مصلحة سوريا تقتضي أن تكون حدودها مع الأردن آمنة ومستقرة، معتبرًا أن حماية أمن البلدين لا تتحقق عبر تضخيم الخلافات، بل من خلال معالجة الوقائع بشفافية وتعزيز التعاون بين المؤسسات المعنية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة