تقرير: عوائق قانونية واجتماعية تحرم نساء من الميراث في سوريا

من إحدى النقاشات مع سيدات يواجهن صعوبات في الحصول على حقوقهن في الميراث شمال غربي وشمال شرقي سوريا - 3 تشرين الثاني 2026 (المجلس النرويجي للاجئين)

camera iconمن إحدى النقاشات مع سيدات يواجهن صعوبات في الحصول على حقوقهن في الميراث شمال غربي وشمال شرقي سوريا - 3 تشرين الثاني 2026 (المجلس النرويجي للاجئين)

tag icon ع ع ع

لا تزال نساء في الشمال الغربي والشمال الشرقي من سوريا يواجهن صعوبات في الحصول على حقوقهن في الميراث، رغم إقرار القوانين السورية بحق المرأة في الإرث، في ظل ضغوط عائلية واجتماعية وعشائرية، وفقدان الوثائق الرسمية، وتعقيدات الإجراءات القضائية، وفق تقرير صادر عن “المجلس النرويجي للاجئين” اليوم، الثلاثاء 3 من تشرين الثاني.

وقال التقرير، الذي يحمل عنوان “حقوق النساء في الميراث في شمال غربي وشمال شرقي سوريا”، إن 93% من النساء واجهن مشكلات تتعلق بالسكن والأراضي والممتلكات أو الميراث منذ عام 2011، استنادًا إلى أبحاث أجراها المجلس، مشيرًا إلى أن هذه التحديات كانت أكثر انتشارًا في المناطق التي شهدت نزاعات مكثفة وتغيرات في السلطات الحاكمة وحركات نزوح.

واستند التقرير إلى 11 مقابلة مع أشخاص مطلعين، بينهم محامون ورجال دين واختصاصيون نفسيون وممثلون عن المجتمع المحلي، إضافة إلى ثماني مجموعات نقاش مركزة في محافظات حلب وإدلب والحسكة والرقة، شملت نساء ورجالًا من خلفيات اجتماعية مختلفة.

العادات العائلية تتقدم على الحقوق القانونية

أظهرت نتائج الدراسة أن الاعتراف القانوني والديني بحق المرأة في الميراث لا يضمن حصولها على حصتها الفعلية، إذ تلعب العادات الاجتماعية والتقاليد العائلية دورًا مؤثرًا في تحديد كيفية توزيع التركات.

وبحسب التقرير، يرى أفراد في مجتمعات شمال غربي وشمال شرقي سوريا أن الممتلكات، ولا سيما منزل العائلة، ينبغي أن تبقى ضمن خط الذكور في الأسرة، للحفاظ على وحدة العائلة، خشية انتقال الملكية إلى عائلة الزوج إذا حصلت الابنة المتزوجة على حصتها.

وتختلف ممارسات توزيع الميراث بين العائلات والمجتمعات، إذ تمنح بعض الأسر النساء حصصًا أقل من الرجال، فيما لا تعترف أسر أخرى بحقهن في الميراث أساسًا.

وأشار التقرير إلى أن عددًا قليلًا من العائلات يمنح النساء حصة مساوية لحصة الرجال.

ولا تقتصر أشكال الحرمان على منع المرأة من الحصول على الميراث بالكامل، بل تشمل الضغط عليها للتنازل عن حقها، أو منحها جزءًا من حصتها القانونية على شكل تعويض، خصوصًا في ما يتعلق بالأراضي الزراعية.

كما رصد التقرير حالات استغلال لنساء بسبب الأمية وضعف المعرفة القانونية، إذ نوه مشاركون في مجموعات النقاش إلى أن بعض الأقارب الذكور يستغلون عدم قدرة النساء على القراءة والكتابة لدفعهن إلى وضع بصماتهن أو توقيع وثائق، مثل الوكالات العامة أو التنازلات عن الميراث، بذريعة استكمال إجراءات تقسيم التركة.

وفي ممارسات أخرى، يلجأ بعض الآباء أو الأجداد إلى تسجيل ممتلكات بأسماء أبنائهم الذكور خلال حياتهم، مع استبعاد بناتهم، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين النساء والرجال في ملكية العقارات والأراضي.

فقدان الوثائق يعطل المطالبة بالميراث

يمثل نقص الوثائق الرسمية أحد أبرز العوائق التي تحول دون حصول النساء على حقوقهن، إذ تتطلب إجراءات الميراث وثائق تثبت الوفاة والقرابة والحالة العائلية وملكية العقارات.

وبحسب تقييم الاحتياجات القانونية للمجلس النرويجي للاجئين، أشار 32% من المشاركين إلى نقص الوثائق وغياب شهادات الوفاة بوصفهما العائق الأبرز أمام المطالبة بالممتلكات أو الميراث، تلتها الضغوط العائلية بنسبة 16%، وضعف الوعي القانوني والتكاليف بنسبة 15% لكل منهما.

وفي تقييم آخر أجراه المجلس عام 2026، أبلغت 59% من النساء عن وجود عوائق مرتبطة بالوثائق تؤثر في مطالباتهن بالميراث والممتلكات، فيما قال 62% من المشاركين إنهم واجهوا صعوبات تتعلق بالوثائق وإثبات الحقوق في قضايا السكن والأراضي والممتلكات.

وأوضح التقرير أن 34% من النازحين داخليًا يفتقرون إلى وثائق مدنية أساسية لازمة لإثبات حقوق الملكية والميراث، مقارنة بـ6% في المجتمعات المضيفة و13% بين العائدين.

وأضاف أن تعدد الجهات التي كانت تصدر الوثائق المدنية خلال سنوات الحرب، وعدم الاعتراف المتبادل بها بين المؤسسات الرسمية والسلطات القائمة آنذاك، خلق صعوبات إضافية أمام النساء في إثبات حالات الوفاة والزواج والقرابة، ولا تزال آثار هذه المشكلة مستمرة، خصوصًا في الحالات التي لم تسجل فيها الوفيات أو تأخر تسجيلها.

زوجات المفقودين الأكثر مواجهة للعوائق

خصص التقرير جانبًا من نتائجه لأوضاع النساء اللواتي فقدن أزواجهن خلال سنوات الحرب، موضحًا أن اختفاء الزوج لا يمنح الزوجة تلقائيًا حق الإرث، إذ يتطلب القانون إثبات الوفاة أو صدور حكم قضائي باعتبار المفقود متوفى.

ويمكن للزوجة التقدم بطلب لتعيينها ممثلة قانونية عن زوجها المفقود، بهدف إدارة ممتلكاته والحفاظ على مصالحه القانونية، لكن التقرير أشار إلى أن النساء يواجهن صعوبات في الحصول على هذا التعيين، إذ غالبًا ما يُفضّل الأقارب الذكور عند وجود أكثر من شخص يتقدم بالطلب.

وبحسب تقييم الاحتياجات القانونية لعام 2025، قالت 87% من النساء اللواتي أزواجهن مفقودون إنهن لم يتمكنّ من الوصول إلى ممتلكات أزواجهن أو أصولهم أو الاستفادة من الحقوق القانونية المرتبطة بها.

وأشار التقرير إلى أن النزاع أدى إلى زيادة الأسر التي تعيلها نساء، وقدّرت منظمات إنسانية أن هذه الأسر تمثل نحو 22% من الأسر المتضررة من النزاع في شمال غربي سوريا، ما يضع النساء أمام مسؤولية إعالة عائلاتهن بالتزامن مع مواجهة صعوبات في الوصول إلى حقوق السكن والأراضي والممتلكات والوثائق المدنية.

اختلافات قانونية بين المناطق السورية

تناول التقرير اختلاف تطبيق القوانين المتعلقة بالميراث بين المناطق السورية خلال سنوات الحرب، موضحًا أن قانون الأحوال الشخصية رقم “59” لعام 1953 وتعديلاته يشكل الإطار القانوني الأساسي للميراث في سوريا.

وبموجب قواعد الميراث الإسلامي المطبقة في القانون، تحصل المرأة في معظم الحالات على نصف حصة الرجل من درجة القرابة نفسها، كما في حالة ميراث الأبناء والبنات عن والديهم.

لكن التقرير أشار إلى وجود استثناءات، من بينها الأراضي الأميرية التي ينص إطارها القانوني، من حيث المبدأ، على المساواة بين الورثة من النساء والرجال، إلا أن محاكم إدلب لم تكن تعترف بهذا التنظيم، وأخضعت هذه الأراضي لقواعد الميراث الشرعي.

كما أشار إلى أن محاكم إدلب لم تطبق الوصية الواجبة، رغم ورودها في قانون الأحوال الشخصية، ما حرم أحفاد المتوفى من الحصول على حصة من تركة جدهم أو جدتهم في حال وفاة والدهم أو والدتهم قبل صاحب التركة.

وفي شمال شرقي سوريا، حاولت “الإدارة الذاتية” إقرار تشريعات أكثر مساواة بين الرجال والنساء في الحقوق المدنية والاقتصادية، لكن التقرير أشار إلى أن الممارسات المتعلقة بالميراث بقيت خاضعة بدرجة أكبر للعادات العشائرية.

وتطرق التقرير إلى التغييرات بهذا الخصوص بعد سقوط النظام في 8 من كانون الأول 2024، إذ نقل عن مشاركات في مجموعات النقاش بالرقة عدم ملاحظتهن تغيرًا جوهريًا في إمكانية حصول النساء على الميراث، معتبرات أن العوائق الأساسية اجتماعية وعائلية أكثر منها قانونية.

في المقابل، قالت نساء في إدلب إن الوصول إلى الحقوق أصبح أسهل بعد ذلك التاريخ، نتيجة تراجع القيود على التنقل بين مناطق السيطرة السابقة، وإزالة بعض الموافقات الأمنية التي كانت مطلوبة لإجراء معاملات عقارية تتعلق بممتلكات في مناطق كانت خاضعة لسيطرة النظام السابق.

وأشار التقرير إلى أن المحاكم والدوائر العقارية والمدنية في دير الزور والرقة استأنفت عملها خلال المرحلة الانتقالية، بينما ظلت هذه الخدمات متوقفة في مدينة الحسكة وبعض المناطق المحيطة بها، ومنها القامشلي، وفق ما ورد في التقرير.

صعوبات قضائية ومخاوف من القطيعة العائلية

إلى جانب العوائق القانونية والإدارية، تواجه النساء صعوبات في الوصول إلى المحاكم بسبب بعدها الجغرافي وضعف وسائل النقل والبنية القضائية، فضلًا عن تكاليف المحامين والتقاضي وطول الإجراءات.

وأشار التقرير إلى أن المطالبة بالميراث عبر القضاء في بعض المناطق، ولا سيما الرقة التي تتمتع فيها العادات العشائرية بنفوذ اجتماعي كبير، قد تتطلب موارد مالية وشهودًا ذكورًا ودعمًا اجتماعيًا يمكّن المرأة من مواجهة الضغوط العائلية والمجتمعية.

ورغم أن الوساطة والتسويات العائلية قد تكون أقل تكلفة وأسهل من اللجوء إلى القضاء، فإن بعض النساء يترددن في طلب تدخل وجهاء العشائر أو كبار العائلة بسبب العادات السائدة والخشية من التعرض للتهديد أو الوصمة الاجتماعية أو العزل العائلي.

ونقل التقرير عن مشاركة في إحدى مجموعات النقاش بالرقة قولها إن أصهارها أخبروها بأنها لا تملك أي حق في الميراث، وهددوها بالإهانة إذا لجأت إلى شيخ العشيرة أو المحكمة.

كما نقل عن مشاركة أخرى قولها إن مطالبتها بميراثها من شقيقها قد تفسد العلاقة معه، وهو الشخص الذي قد تضطر إلى اللجوء إليه إذا تخلى عنها زوجها.

توصيات لتعزيز حقوق النساء

خلص التقرير إلى أن معالجة حرمان النساء من الميراث لا يمكن أن تقتصر على الإصلاح القانوني، بل تتطلب تدخلات متكاملة تشمل الجوانب القانونية والاجتماعية والمؤسساتية والحماية من المخاطر التي قد تتعرض لها النساء نتيجة المطالبة بحقوقهن.

ودعا “المجلس النرويجي للاجئين” الحكومة السورية إلى توحيد تطبيق القوانين والإجراءات المتعلقة بالميراث في المحافظات، وإعادة فتح المحاكم والسجلات المدنية والدوائر العقارية وتعزيز قدرتها على العمل، إلى جانب تسهيل تسجيل الوفيات والزواج التي لم توثق خلال سنوات النزاع، وتعويض الوثائق المدنية والعقارية المفقودة.

كما أوصى بتوسيع خدمات المساعدة القانونية للنساء الأكثر ضعفًا، خصوصًا الأرامل والنازحات وزوجات المفقودين والنساء المعيلات لأسرهن، وتوفير معلومات عملية ومبسطة حول الإجراءات والوثائق اللازمة للمطالبة بالميراث.

وشدد على أهمية إشراك الرجال والنساء والقيادات الدينية والعشائرية ووجهاء المجتمع في برامج طويلة الأمد لتغيير الممارسات الاجتماعية التي تكرس حرمان النساء من حقوقهن، مؤكدًا أن ضمان وصول المرأة إلى ميراثها يمثل أحد العوامل الأساسية لتعزيز استقلالها الاقتصادي وحمايتها من الفقر وفقدان السكن والاعتماد على الآخرين.

مجتمع يتسلح بالعيب والعادات لحرمان النساء من الميراث



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة