
يتطلب بناء طفل واثق توفير بيئة حاضنة تسمح بالخطأ وتدعم التعبير الحر وتغرس فيه قيمة ذاتية ثابتة لا ترتبط بإرضاء المحيطين به (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

يتطلب بناء طفل واثق توفير بيئة حاضنة تسمح بالخطأ وتدعم التعبير الحر وتغرس فيه قيمة ذاتية ثابتة لا ترتبط بإرضاء المحيطين به (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
عنب بلدي – شعبان شاميه
خلف قناع الهدوء والمثالية الذي يرتديه بعض الأطفال، تختبئ معركة صامتة مع القلق، وخوف دائم من الوقوع في الخطأ أو التعرض للسخرية.
وفي الوقت الذي يفسر فيه الأهل هذا الانكفاء بأنه أدب مفرط وحسن تربية، يكون الصمت في كثير من الأحيان انعكاسًا لمخاوف متراكمة من النقد والرفض الاجتماعي.
هذا التداخل يطرح تساؤلات ملحة حول الخط الفاصل بين السلوك الطبيعي والاضطراب النفسي، فما الفروق الجوهرية بين الخجل العادي والقلق الاجتماعي؟ وكيف تتسلل الحماية المفرطة لتغذي هذا الخوف؟ وكيف تحمي الأسرة طفلها وتدرّبه على التعبير عن أفكاره بشجاعة وثقة؟
أوضحت استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، أن الخجل ليس اضطرابًا نفسيًا، بل سمة مزاجية طبيعية تظهر في المواقف الجديدة ومع الأشخاص غير المألوفين، إذ يحتاج بعض الأطفال إلى وقت أطول للشعور بالأمان قبل التفاعل.
يتحول الخجل إلى مؤشر مقلق عندما يصبح الخوف من التقييم الاجتماعي شديدًا ومستمرًا، ليدفع الطفل إلى تجنب المدرسة والأنشطة وتكوين الصداقات، أو يمنعه من التعبير عن احتياجاته، وهنا يرجح أنه “قلق اجتماعي” يستدعي تدخلًا متخصصًا، وفقًا للعرنوس.
وحذرت الاستشارية من إطلاق وصف “الخجل المرضي” على كل طفل هادئ، مؤكدة أن المعيار الأساسي ليس مقدار كلام الطفل، بل درجة معاناته ومدى تأثر حياته اليومية.
ولفتت العرنوس إلى أن صورة الطفل عن ذاته تتشكل من خلال طريقة تفاعل الأشخاص المهمين في حياته معه، معتبرة أن الأهل قد يسهمون دون قصد في إضعاف ثقة طفلهم بنفسه عبر التكرار المستمر لعبارات النقد والمقارنة.
وأضافت أن توجيه كلمات سلبية للطفل مثل: “أنت لا تفهم”، أو “لماذا لا تكون مثل أخيك؟”، يدفع الصغير لتكوين توقعات هدامة عن قدراته، ويتعلم مع الوقت أن الصمت والانسحاب أكثر أمانًا من المحاولة خوفًا من التعرض للإهانة عند الخطأ.
ونبهت إلى التأثير النفسي السلبي لزجر الطفل أو السخرية منه أمام الآخرين، مشددة على أن التصحيح التربوي لا يحتاج إلى جمهور، فالحديث الهادئ على انفراد يكون أكثر احترامًا لكرامة الطفل، وأكثر ملاءمة لتعليمه السلوك البديل، مع التحذير من استخدام عبارات تصف شخصية الطفل بدلًا من مناقشة سلوكه.
قد تسهم الحماية المفرطة في استمرار بعض المخاوف عندما تمنع الطفل بصورة متكررة من خوض التجارب المناسبة لعمره، بحسب ما قالته الاستشارية، فالأم التي تجيب دائمًا نيابة عن طفلها، أو تمنعه من طلب احتياجاته بنفسه، قد تحرمه دون قصد من فرص اكتساب مهارات التواصل، وكذلك الأب الذي يتدخل لحل كل خلاف اجتماعي بسيط قد يقلل فرص ابنه في تعلم التفاوض والدفاع عن رأيه.
لكن العلاج، بحسب الاستشارية، لا يكون بدفع الطفل فجأة إلى مواقف محرجة، وإنما بتوفير فرص تدريجية وآمنة للمشاركة.
وتوصي الإرشادات السريرية للمعهد الوطني البريطاني للتميز في الصحة والرعاية (NICE) بالعلاج المعرفي السلوكي للأطفال المصابين باضطراب القلق الاجتماعي، مع تضمين التعرض التدريجي وتدريب الأهل عند الحاجة.
كما يحتاج الطفل إلى لغة أسرية تعزز شعوره بالكفاءة، دون أن تقدم له مديحًا مبالغًا فيه أو غير واقعي، إلى جانب إتاحة مساحة حقيقية للطفل لاتخاذ بعض القرارات، مثل اختيار نشاط عائلي أو اقتراح حل لمشكلة بسيطة.
وعندما يعبّر عن رأي مخالف، يجب ألا يعاقب لمجرد الاختلاف، بل يوجه إلى الطريقة المناسبة في الحوار، فالثقة بالنفس تنمو عندما يشعر الطفل أن صوته مسموع، حتى لو لم يؤخذ برأيه في كل مرة.
ترى العرنوس أن المدرسة تؤدي دورًا رئيسًا، لأنها البيئة التي يختبر فيها الطفل قدراته الاجتماعية خارج الأسرة. ومن المهم أن يتعاون الأهل والمعلمون على تجنب الإحراج العلني، وعدم إجبار الطفل على التحدث أمام مجموعة كبيرة قبل الاستعداد لذلك.
ويمكن للمعلم توفير فرص مشاركة متدرجة، مثل العمل ضمن مجموعات صغيرة، أو إعطاء الطفل وقتًا للتفكير قبل الإجابة، مع الانتباه إلى احتمالات التنمر أو السخرية من الزملاء، لأنها قد تزيد خوف الطفل من الظهور والتعبير.
ومع ذلك، دعت استشارية علم النفس الأسري إلى عدم اختزال مشكلة خجل الأطفال في أخطاء الوالدين وحدها، إذ تؤدي العوامل الوراثية والمزاجية، وتجارب التنمر، والبيئة المدرسية، أدوارًا محورية في هذا السياق.
كما تشير مراجعات علمية حديثة إلى وجود ارتباط وثيق بين السيطرة النفسية الوالدية وارتفاع أعراض القلق لدى الأبناء، مع أهمية التمييز علميًا بين الارتباط والسببية.
يستحسن طلب تقييم نفسي، وفق العرنوس، عندما يستمر الخوف الاجتماعي بصورة ملحوظة، أو يؤدي إلى تجنب المدرسة، أو يمنع الطفل من تكوين العلاقات، أو يصاحبه ضيق شديد وأعراض جسدية متكررة.
كذلك ينبغي الانتباه إذا كان الطفل يتحدث بصورة طبيعية داخل المنزل، لكنه يعجز باستمرار عن الكلام في مواقف اجتماعية محددة، لأن ذلك قد يستدعي تقييمًا لاحتمال وجود ما يُعرف بـ”الصمت الانتقائي” أو صعوبات أخرى.
وتفيد مراجعة تحليلية منشورة عام 2025، شملت 26 دراسة و4098 مشاركًا، بأن التدخلات الموجهة للوالدين يمكن أن تساعد في خفض قلق الأطفال، مع الإشارة إلى أن درجة اليقين في الأدلة كانت منخفضة جدًا، وأن هناك حاجة إلى أبحاث أكثر جودة. وهذا يؤكد أهمية دور الأسرة، دون اعتبار التوجيه المنزلي بديلًا عن العلاج المتخصص عندما تكون الأعراض شديدة.
وتعرّف الاستشارية الثقة الحقيقية بأنها وعي الطفل بقيمته الذاتية وقدرته على التعبير عن احتياجاته وآرائه بحرية، وتقبّل الاختلاف والخطأ دون أن يشعر بأن كرامته مهددة.
ولتحقيق هذه الغاية، تشدد على حاجة الطفل لأسرة تُحسن الاستماع إليه قبل الحكم عليه، وتُقوّم سلوكه دون إهانته أو مقارنته بالآخرين، بالإضافة إلى منحه فرصًا حقيقية للمحاولة في بيئة والدية تُقدّم نموذجًا حيًا في الحوار الهادئ واحترام الاختلاف.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى