“الكرسي”.. مقعد المسيح الذي تحول إلى حضارة بيزنطية في الجولان

بقايا آثار الدير والكنيسة في قرية الكرسي بالجولان السوري المحتل - 8 آب 2018 (سورية السياحية/ فيسبوك)

camera iconبقايا آثار الدير والكنيسة في قرية الكرسي بالجولان السوري المحتل - 8 آب 2018 (سورية السياحية/ فيسبوك)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – ركان الخضر

من مكان يُعتقد أن السيد المسيح جلس فيه وألقى من أحد تلاله موعظة لأنصاره، واتخذه مركزًا لإرسال الحواريين إلى المناطق المجاورة لنشر دعوته، انتقل الموقع الذي بات يُعرف باسم “الكرسي” إلى شاهد على حضارة بيزنطية مرت في الجولان السوري قبل نحو ألفي عام.

بقايا الدير الكبير والسور المحيط به والبوابة الرئيسة في الجدار الغربي للسور، المحمية ببرج من طابقين وشارع مرصوف، يمتد من البوابة الرئيسة إلى ساحة أمام الكنيسة، تتحدث عن حقبة بيزنطية عاشت على الشاطئ الشرقي لبحيرة “طبريا”.

وتتجاوز المنطقة تلك الآثار لتشمل أيضًا صفوفًا من الأعمدة تحيط بساحة الكنيسة، يبدو أنها لم تكن مسقوفة في المرحلة الأولى، فبدت كأروقة مفتوحة، وغُطيت هذه الأروقة في مرحلة لاحقة، إلا أنها تداعت وسقطت مع الزمن، ما عدا الرواق الشرقي.

ونقلًا عن كتاب “المسيح في الجولان.. تاريخ وآثار”، للباحثين تيسير خلف وعز الدين سطاس، فإن عمليات المسح والتنقيب، التي جرت في الموقع، كشفت عن آثار وبقايا تعود إلى العهود الرومانية والبيزنطية.

وتشير البقايا واللقى إلى أن الموقع لم يكن مجرد مكان عبادة، بل كان مركزًا دينيًا، وحلقة وصل ما بين العالمين المسيحي والإسلامي، وتؤكد الدور الحضاري الذي لعبه هذا الموقع في تاريخ المنطقة وموروثها الثقافي.

وتعتبر فكرة تخليد “معجزة الخنازير” (معجزة إخراج الشياطين وخنازير جرجسة) الدافع الأساسي لإقامة الدير والكنيسة في هذا المكان، الأمر الذي حول الموقع إلى مزار للحجاج المسيحيين منذ أقدم العصور.

وفي مطلع عام 2000، وضمن زيارته لمنطقة الشرق الأوسط للحج إلى الأماكن المقدسة، زار بابا الفاتيكان حينها، يوحنا بولس السادس، المنطقة، وأقام فيها قداسًا دينيًا من أعلى التل الذي يقال إن السيد المسيح عليه السلام ألقى من فوقه موعظة الجبل.

“جرجيسيا” في العهد الجديد

قال الباحث في الآثار فارس الصفدي، في حديث إلى عنب بلدي، إن قرية الكرسي في الجولان السوري المحتل كانت تُعرف في العهد الجديد للكتاب المقدس بـ”جرجيسيا” (gergesa)، مشيرًا إلى أنه الموقع الذي شهد “معجزة الخنازير” المذكورة في العهد الجديد، وفيه آثار تعود إلى عهد السيد المسيح الذي زار تلك المنطقة.

كما تحتوي المنطقة، وفق الخبير الصفدي، على آثار رومانية، منها غرف مربعة الشكل مبنية بالحجر البازلتي المثبت بـ”الملاط” (عجينة قابلة للتشكيل تتكون من خلط مادة رابطة مثل الأسمنت أو الطين) مع ركام ناعم (مثل الرمل والماء)، إضافة إلى كهوف طبيعية، لافتًا إلى أن الطبري ذكر أن المسيح جمع الحواريين بها، وفيها موضع الكرسي الذي يقال إنه كرسي السيد المسيح الذي جلس عليه.

وأضاف الصفدي أن السيد المسيح شفى في هذا المكان الرجل المجنون ومريض البرص وأطعم ألف شخص من سمكة أيضًا، وأرسل تلميذه بطرس إلى قرية بانياس المجاورة وبقية القرى المحيطة من أجل نشر الدين المسيحي.

وأوضح أن المكان يضم عدة معالم أثرية تعود للفترة البيزنطية المسيحية، والتي تؤرخ في القرن الخامس الميلادي، شملت دير الرهبان والأرضيات الفسيفسائية في جناحي البازيليكا، وهي تزيينات متشابهة تمثل مربعات صغيرة وكبيرة متماثلة.

مجمع الدير والكنيسة البيزنطية

يعد دير الكرسي من أكبر المجمعات الرهبانية الأديرية المكتشفة في المنطقة، ويتميز بتخطيط هندسي متقن، يتألف من الهيكل البازيليكي الذي يمتد على مساحة ضخمة ويضم في داخله كنيسة تقارب مساحتها دونمًا واحدًا.

وتنقسم الكنيسة داخليًا إلى ثلاثة أروقة يفصل بينها صفان من الأعمدة الرخامية، بمجموع 12 عمودًا، تُوّجت بتيجان كورنثية بديعة نُقشت في أوساطها الصلبان، كما يحيط بالدير سور حجري مرتفع وضخم لحمايته، وكان يضم غرفًا مخصصة لإقامة الرهبان والحجاج.

ويتجلى الجمال الفني المعماري للموقع في سجاد الفسيفساء الملون الذي يغطي أرضيات الكنيسة وأروقتها، ويدمج بين الرسومات الهندسية الدقيقة والزخارف النباتية الغنية، كما تضم الأروقة لوحات فسيفسائية تمثل الحيوانات والطيور، من أشهرها رقعة عند بوابة إحدى الغرف الشمالية تصوّر زوجين من الحمام يقفان بجوار سلة مجدولة.

ووُجدت أرضيات مرصوفة بكتابات باللغة اليونانية القديمة يعود تاريخها إلى عام 585م (فترة القيصر ماوريكوس)، توثق أسماء القائمين على الدير مثل رئيس الدير الأول، ستيفانوس.

وبخصوص المعالم الدفاعية والخدمية المحيطة، تتضمن سور القلعة التي ما زالت بقايا أسوارها قائمة، بالإضافة إلى اكتشاف نفق قديم تحت الأرض كان يستخدمه الأمراء والجنود للتنقل الآمن، وبرج المراقبة الذي يقع إلى الجنوب من الدير على منحدر التل لحماية المجمع الديني ورصد الساحل.

وكشفت التنقيبات عن حوض تعميد أثري متكامل ببنيته الإنشائية، ومغارة مدفن الرهبان التي تشمل موقعًا مخصصًا لدفن الموتى من قاطني الدير من رجال الدين.

الموقع والتسمية

تقع قرية الكرسي في منتصف الشاطئ الشرقي لبحيرة “طبريا”، جنوب مصب وادي السمك في هذه البحيرة، وهو وادٍ كبير، ينتهي بدلتا، يأخذ شكل رأس متقدم.

وتتبع إداريًا لبلدة البطيحة على بعد ستة كيلومترات إلى الجنوب منها وعشرة كيلومترات إلى الشمال الشرقي من مدينة فيق في محافظة القنيطرة.

وتبعد من 60 إلى 65 كيلومترًا إلى الجنوب الغربي من مدينة القنيطرة، ولا تفصلها عن الحدود الفلسطينية سوى البحيرة.

وكان عدد سكانها يبلغ نحو 428 نسمة قبل تهجير أهلها إثر الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة في حزيران من عام 1967.

ووردت آراء عديدة حول أصل اسم الموقع، منها ما أعاده إلى الكلمة الآرامية “كورسا”، التي تعني “الكرسي”، ومنها ما رأى تشابهًا بين اسم الموقع وكلمة “خنزير” باليونانية، وربط بين اسم الموقع و”معجزة الخنازير”، ومنها ما رجح العامل الجغرافي، مرجعًا التسمية إلى جرف صخري في الموقع، يبدو على شكل كرسي أو مقعد يعلو الكنيسة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة