× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة تكنولوجيا ثقافة سوريون في الخارج مارسالنسخة الورقية

أوان التحرّر من سورية!

ع ع ع

عمر قدور – الحياة

بخلاف كل التهويل الذي استبق معركة حلب، لا يثير الهجوم الوحشي عليها في الأسابيع الأخيرة ردود فعل دولية موازية، بل لا يثير حتى ضجة إعلامية غربية أو عربية موازية للحدث. في بداية الثورة، كان مقتل سوريين برصاص الشبيحة أو الاستخبارات يتصدّر وسائل الإعلام، مع ازدياد المجازر صار الأمر اعتيادياً، ومع التوسع في استخدام أسلحة الإبادة الجماعية صار الأمر خارج نطاق الخبر «الساخن» أو العاجل.

قد يروق للبعض ردّ التجاهل فقط إلى أخطاء وقعت فيها الثورة، هؤلاء لا يلحظون انتقادات قديمة للذين يرون مقتل شخص جريمة ولا يرون مقتل شعب، وانتقادات مماثلة تطاول الإعلام الذي يرى في مقتل شخص خبراً مشوّقاً لا يراه في المجزرة. مع الاحتفاظ بأعنف نقد يمكن توجيهه لأداء المعارضة السورية، لنا أن نتخيل مساراً مختلفاً، تقرر فيه الإدارة الأميركية التدخل وفقاً لمصالحها. لقد حدث شيء مشابه في مجازر يوغوسلافيا السابقة، إلى أن قررت إدارة كلينتون التدخل وانشغلت وسائل الإعلام المحلية والعالمية بقرارها، وعاد الخبر اليوغوسلافي ليحتل الصدارة عالمياً، وليقفز إلى الصدارة أميركياً ويؤسس لرأي عام مساند للضحايا تجلى في استطلاعات الرأي والتظاهرات الأميركية آنذاك.

الإعلام سلطة رابعة محلياً، في الأنظمة الديموقراطية طبعاً، لكن قلّما كان كذلك في ما يخص القضايا الخارجية، فهو لا يرى تلك القضايا خارج منظور السلطة التنفيذية لبلده، إلا إذا صارت قضية ما مثار تجاذب داخلي حاد. في القضية السورية، عندما اتضح نهائياً تخلي المجتمع الدولي عن السوريين، لم تعد مأساتهم خبراً، وفي غالب الأحيان صار الخبر السوري الأهم هو ما يدعم فكرة التخلي، وصارت استطلاعات الرأي التي ترجّح ميلاً غربياً إلى الانكفاء هي السائدة. سيعطي هذا السياق مبرراً قوياً للسوريين لاتهام الغرب حكومات وشعوباً، غير أن المثل اليوغوسلافي السابق يبرهن على حساسية الشعوب الغربية إزاء الظلم متى أتيحت لها معرفة أفضل بما يحدث.

بالتبعية، تقتفي وسائل الإعلام العربية عادة نظيرتها الغربية، وهي أيضاً تستبطن ميول الحكومات الغربية إزاء الحدث، وتستبطن عجز الحكومات المحلية إزاء الإرادة الغربية. لا يندر، ضمن آلية التبعية، أن تتبنى أقلامٌ الرؤية السائدة غربياً للحدث المحلي، وعلى رغم أن سيادة الأقوى ليست بالأمر الطارئ إلا أننا نكون عادة تحت سيادة الأقوى والأقل إنسانية تحت زعم الواقعية السياسية. الحدث السوري ينتقل بموجب ذلك من حدث ضحية إهمال عالمي إلى حدث ميؤوس منه بذاته، وهذا ميل إلى الأقوى تصعب مقاومته على المدى البعيد.

وسط هذه الظروف المحيطة بالقضية السورية، وفي حال استمرار الموقف الدولي حيالها، وهو المرجح، قد نصبح أقلية صغيرة، يُنظر إليها بإشفاق، قليل منه إنساني وأكثره بذريعة الواقعية يشفق على عقولنا التي لم تعد تتسم بالواقعية. هذا التذرع بالواقعية كان قد بدأ فعلاً مع أقوال من نوع «لم تعد هناك ثورة»، ثم «الصراع لم يعد سورياً ولم يعد للسوريين تأثير فيه»، إلى آخر ما هنالك من أقوال تهدف عن قصد، أو بحسن نية، إلى طي صفحات من القضية السورية لمصلحة الخاتمة المنتظرة.

هناك من كان يتربص بانتظار إنهاء القضية السورية، والآن تظهر الفرصة مواتية كأنه حقق نصره الشخصي الخاص. لكن، هناك أيضاً من كان بصدق مع الثورة، وليس ملزماً بالبقاء معها إلى ما لا نهاية. أصحاب الاحتمال الثاني تقدّم لهم الواقعية أيضاً حلاً للتحرر من العبء السوري، فحمل هذا العبء الأخلاقي مرهق أصلاً، ويزداد ثقله كلما تضاءلت فرص حل عادل للقضية السورية. اليأس قد يحرر كثيرين من العبء، ومنهم سوريون يحتاجونه ليفتحوا صفحات جديدة في حيواتهم، صفحات لا تؤرقها ذكريات أليمة ماضية. ثم، إن طول المقتلة السورية لا بد أن يكون قد أرهق الوجدان، وهناك من يتمنى توقفها بأي ثمن هرباً من ضحايا جدد يوالون التذكير بها.

ما سبق واقعي إنسانياً، ولا ينبغي نكرانه، بل ربما ينبغي التحسب له مع عدم التخلي عن القضية التي سقط من أجلها أولئك الضحايا. هنا صراع على ألا تتحول الهزيمة الكبرى، إذا حدثت، إلى هزيمة نهائية ويأس شامل، وإلا يكون الثمن الباهظ قد دُفع بلا مقابل. المسألة لا تتوقف على الشعارات، ومن جهة أخرى لا تتوقف عند موازين القوى الدولية والإقليمية الحالية كأنها أبدية، أو كأنها غير قابلة للتعديل. هذا الحجم من الضحايا ليس إنجاز الثورة على أية حال، هو إنجاز النظام وحلفائه مع تواطؤ دولي، وينبغي العمل على أن يدفع كل طرف مساهم قسطه من خلال جهد يمنع طمس الجريمة. إذ نفعل ذلك، فهو ليس تعصباً للضحايا السوريين، إنه سعي من أجل عالم لا تحدث فيه مجازر أخرى. وإذا كان دائماً هناك من يذكّرنا بمجازر سابقة أفلت مجرموها من المحاكمة، فهذا حافز كي يبقى التذكير قائماً وواجباً، وكي لا تطمئن البشرية على العموم إلى أنها بلغت من الرقي ما يكفي، أو أن إغلاق الباب يعني أن ما من شيء يحدث خارجاً.

العبء لا يقع على أفراد، بقدر ما يجب بقاؤه على كاهل البشرية ككل. طي ملف الجريمة السوري يعني أن آخرين سيتعرضون للمجازر أيضاً، وهذه ليست بشرى سارة لأحد، وليست بشرى سارة حتى لمجتمعات تظن نفسها خارج الاستهداف. الواقعية أيضاً تقضي بأن ننظر إلى المسألة من جانبها الأوسع، وألا نعتبر القضية السورية تفصيلاً لا شأن له، فالتعاطي معها لم يكن شأناً سورياً بحتاً، لقد كان منذ سنوات شأناً دولياً.

بغير التجاهل، ربما تكون الغالبية الساحقة من السوريين تواقة إلى التحرر من سورية. ربما لا أحد من المتورطين في سوريته إلا يتمنى الخلاص من هذا العبء سريعاً، فلا مفخرة أساساً في تحمله. نعلم أن أفضل الأوطان تلك التي أصبحت بديهية، ولا يتطلب وجودها أية تضحية أو حتى مجرد التفكير بها، هكذا ستكون الحال عندما تتحرر سورية أيضاً، ويتحرر أبناؤها منها. ضمن هذا الشرط، من حقنا أن نحلم بألا تكون بلادنا في رأس الأخبار أو في ذيلها.

مقالات متعلقة

  1. بنش تعيد روح النشاطات المدنية إلى إدلب
  2. كباب هندي مع الشيف أحمد قدور | شيف سوري
  3. ثلاث هزائم كبرى في سوريا
  4. في حضرة القصف.. 500 عائلة بنشية تفترش العراء

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة