× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة تكنولوجيا ثقافة سوريون في الخارج مارسالنسخة الورقية

من قتل نبيل شربجي؟

قماش من قميص أحد المعتقلين، كتب نبيل شربجي عليها بالدماء والصدأ أسماء رفاقه في الزنزانة، وأخرجها الصحفي منصور العمري معه حين أطلق سراحه - (خاص عنب بلدي - منصور العمري)

قماش من قميص أحد المعتقلين، كتب نبيل شربجي عليها بالدماء والصدأ أسماء رفاقه في الزنزانة، وأخرجها الصحفي منصور العمري معه حين أطلق سراحه - (خاص عنب بلدي - منصور العمري)

ع ع ع

بات جليًا للمجتمع الدولي بمختلف مكوناته، كثرة وتنوع جرائم نظام الأسد. ومن المسلّم به أن كثيرًا من هذه الجرائم وُثقت بشكل كامل وكاف للشروع في محاكمة مرتكبيها. ربما كانت أكثر الجرائم توثيقًا على مر التاريخ. فأغلبها تابعه المجتمع الدولي بجميع مكوناته مباشرة، وأخرى وُثّقت بتسجيلات مرئية، وشهادات الآلاف، من اللاجئين السوريين في دول العالم. واحدة من أفظع هذه الجرائم مازالت مستمرة. أثناء كتابتي هذا المقال، قُتل عدد من المعتقلين، ومايزال عشرات الآلاف على أقل تقدير يصارعون الموت يوميًا في برزخهم الذي فرضه عليهم نظام الأسد، في أرخبيل من مراكز الاعتقال على الأراضي السورية وتحتها.

جميعنا يعلم ذلك، نعم. لكن ماذا فعلنا نحن أصحاب الحق والمعنيون بهذه الجرائم أكثر ممن نوجه إليهم تهم الصمت والتخاذل والتواطؤ في العالم؟ أنعلم أنه في كل يوم يُقتل ويموت معتقلون في أقبية الحكومة السورية؟

هل كان المعتقلون أكثر من خذلناهم؟ هل نعرف ظروف اعتقالهم؟ من منا لم ير صور سيزر؟ من منا ليس لديه قريب أو صديق معتقل أو قُتل تحت التعذيب أو المرض؟ أنحمل ذنب دمائهم؟

هل خصصنا ساعة واحدة أسبوعيًا أو شهريًا لتقديم شيء ما لهؤلاء المنسيين تحتنا، في كبد الأرض؟

هل استطعنا إنقاذ معتقل واحد من مصيره المحتوم؟ هل أسسنا جمعيات متخصصة يُعول عليها لمتابعة شؤون المعتقلين والضغط بكل ما لدينا لإبقاء قضية المعتقلين في مقدمة مطالبنا المشروعة؟ هل نبحث عن أهالي المعتقلين لتوثيق آلامهم؟

من منا يتجرأ على القول إنه بذل استطاعته في سبيلهم؟

هل وصل بنا الحال إلى أن نغيب هذه القضية في زحام جرائم الأسد؟ هل تبلّدت مشاعرنا وجفت مآقينا؟ أم فشلنا في اختبار إنسانيتنا، قبل غيرنا ممن نوجه إليهم تهم الصمت والتخاذل والتواطؤ؟ هل وصلنا إلى درك أسفل من المجتمع الدولي في تعامله مع قضية معتقلينا؟

هل قتلْنا نبيل شربجي؟

نبيل شربجي، معتقل سياسي، قتل في معتقلات النظام السوري في أيار 2015

نبيل شربجي، معتقل سياسي، قتل في معتقلات النظام السوري في أيار 2015

اعتقل النظام السوري نبيل في 26 شباط 2012 من داريّا. قضى نبيل الفترة الأولى معتقلًا في قسم التحقيق بالمخابرات الجوية في مطار المزة بدمشق، ثم نُقل إلى سجن عدرا المركزي، وبعدها إلى سجن صيدنايا. قضى نبيل أكثر من ثلاث سنوات يصارع قدره، لم يكن يريد أن يموت، كان يغني “راجعين يا هوى”، همسًا لئلا يسمعه السجان، أراد أن يرجع إلى الحياة.

حاول جسده التشبث بروحه في هذا البرزخ، لكن قدم سجان صيدنايا ضربته على صدره، وأرسلت روحه إلى السماء، وجسده إلى مقبرة جماعية، أو محرقة ربما. ما نعرفه هو أننا لا ندري أين جسد نبيل، ولكني أجزم أن روحه فوقنا، تطلب المغفرة لنا، أو ربما تلعننا.

قتل زبانية نظام الأسد الصحفي نبيل شربجي في أيار 2015، وانضمّت روحه إلى أسراب الأرواح التي تحلق فوقنا، وتراقبنا من عل.

تحدث نبيل إلينا مرات عديدة، ولم نسمعه حقًا. وثّق لنا أسماء رفاقه المعتقلين من داخل زنزانته الإسمنتية الصمّاء، ولم نقّدر له هذه المخاطرة، ما قلنا له شكرًا.

فمن زنزانته خطّ نبيل بيده ودماء اللثة النازفة لدى رفاقه ممزوجة بالصدأ، أسماء وهواتف وأماكن سكن جميع رفاقه في الزنزانة، على قطع من قميص، لأهرّبها خارجًا.

قماش من قميص أحد المعتقلين، كتب نبيل شربجي عليها بالدماء والصدأ أسماء رفاقه في الزنزانة، وأخرجها الصحفي منصور العمري معه حين أطلق سراحه - (خاص عنب بلدي - منصور العمري)

قماش من قميص أحد المعتقلين، كتب نبيل شربجي عليها بالدماء والصدأ أسماء رفاقه في الزنزانة، وهرّبها الصحفي منصور العمري معه حين أطلق سراحه – (خاص عنب بلدي – منصور العمري)

نقل نبيل أيضًا إلينا ما يجري في أقبية الأسد من داخل سجنه، ففي رسالة هُربت من سجن عدرا، كتب نبيل:

“منصور، يا زلمي أديه زعلت لما طلعت من عندنا، وحاولت كمل اللي أنت بلشت فيه، وكنت ماشي فيه، بس ظروف كتير تغيرت وصارت صعبة كتير… صرنا أكتر من 90 واحد بالغرفة… اشتقت لنغني سوا، وتحكيلنا أفلام، وتجعزوني أنت و ****** طول فترة ترييحك… والله ورجعنا يا شريك على نغم راجعين يا هوى… سلام. عدرا المركزي. 15/4/2013”.

صورة من رسالة كتبها نبيل شربجي من داخل سجن عدرا المركزي في 2013.

صورة من رسالة كتبها نبيل شربجي من داخل سجن عدرا المركزي في 2013.

اعترى نبيل الأمل بالنجاة أكثر من مرة، وخذلناه كل مرة

قال عمر الشغري، أحد الشهود على وفاة نبيل في المعتقل: “كان السجان يأتي صباح كل يوم، ويصرخ “عرصات المهاجع مين عندو فاطس؟”، يومها أجاب شاويش زنزانة مجاورة أنه لديه أحدهم، فسأله السجان عن الاسم الكامل واسم الأم وتاريخ الولادة، أجابه الشاويش: نبيل شربجي. ثم ذكر اسم والده ووالدته وتاريخ ميلاده، أتذكر ذلك اليوم جيدًا، فقد كان صديق نبيل المقرب معي في الزنزانة ذاتها، وبكي حين سمع اسمه، وتدهورت حالته النفسية والصحية كثيرًا لسماعه خبر وفاة أعز أصدقائه”.

مقالات متعلقة

  1. "توثيق الظلام".. يطرق أبواب السجون السورية
  2. نبيل شربجي.. يا سوريا: لا تسجليه “غياب”
  3. 300 معتقل أفرج عنهم من سجن عدرا
  4. ذاكرة سوريّة.. عن داريا وأهلها مع محمد مظهر شربجي

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة