× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة تكنولوجيا ثقافة سوريون في الخارج مارس النسخة الورقية

إيران دولة طائفية في سن اليأس

ع ع ع

إبراهيم العلوش

منذ انتصار الخميني في شباط 1979 وفرضه الحكم الديني على الدولة الإيرانية قبل ثمانية وثلاثين عامًا، باتت إيران مصدر قلق خطير لدول المنطقة، فالمذهب الديني الشيعي القائم على المظلومية، أصبح بعد استيلاء الخميني عليه من أكبر مصادر الظلم والتخريب في المنطقة، وخاصة في سوريا، فإيران هي الضامن الأكبر لحماية النظام البوليسي البعثي، والمشجّع الأكبر لتهجير السوريين من بيوتهم ومن بلادهم، لرسم سوريا جديدة خالية من السكان، ولا يدخلها إلا من يركع لعبادة الأسد، أو من يبايع المستشارية الإيرانية التي أصبحت صاحبة القرار السوري، وما مثال نوّاف البشير الذي عاد مؤخرًا إلى حضن النظام عبر الحضن الإيراني، إلا رسالة لكل المعارضين ولكل السوريين، ترشدهم إلى الطريقة المثلى للعودة إلى وطنهم وبيوتهم التي هُجّروا منها!

قبل اندلاع الثورة السورية، حاولت إيران أن تنفذ مشروعها بالطرق الناعمة، عبر نشر مذهب ولاية الفقيه في القرى والبلدات الفقيرة، ولكنها فشلت بذلك، بل أدّى نشاطها الطائفي إلى يقظة رد فعل من نفس نوعه، ولكنه يعاكسه بالاتجاه، وهو المذهب السلفي المتطرف، الذي شجّع نمو داعش ومشتقّاتها!

عندما عاد الخميني إلى إيران في الأول من شباط عام 1979 بقرار مباشر من شابور بختيار، رئيس الوزراء الإيراني الذي مارس صلاحيات الشاه المخلوع، دعاه الى إقامة فاتيكان ديني، وممارسة الشعائر الدينية بكل حرية، وخارج سيطرة السافاك والبوليس الإيراني الذي استخدمه الشاه بكل وحشية ضد المعارضين السياسيين له.

لكن الخميني الذي وصل إلى طهران من فرنسا في الأول من شباط 1979 كانت عقليته وذهنيته عميقة الغوص في التاريخ، وفي الأحقاد الدينية المذهبية، وقرّر وهو في المطار خلع شابور بختيار، وتعيين ربيبه مهدي بازركان رئيسًا للوزراء، وشن حملة على اليساريين والأحزاب الإيرانية الأخرى التي قامت بالثورة مع رجال الدين، وخلال أشهر كانت صيغة الحكم الديني الطائفي قائمة بإيران تحت مسمى (ولاية الفقيه)، الذي يستمد أفكاره وقيمه من مجريات التاريخ الديني والطائفي، ويعاود الانتقام لها، ووضعها كبوصلة عمل للدولة والمجتمع، على طريقة الدساتير البعثية التي تنصب حزب السلطة قائدًا للدولة والمجتمع.

وخلال عام واحد شن الخميني أكبر حرب في تاريخ المنطقة ضد العراق، ودامت تلك الحرب مدة ثماني سنوات (1980 – 1988)، تلك الحرب التي سحق فيها مقومات الدولة المدنية الإيرانية داخليًا، ودمر فيها العراق، ومهد لاحتلاله بالمشاركة مع الأمريكيين في عام 2003.

كان حافظ الأسد الأمين القطري والقومي لحزب البعث في سوريا، من أهم الداعمين لإيران، ضد العراق الذي يرأسه الأمين القطري والقومي لحزب البعث صدام حسين، وكانت المواد الغذائية تجمع من الأسواق السورية، وحتى البيض كان يؤخذ من أفواه المواطنين السوريين من أجل تأمين وجبات للجنود الإيرانيين على الجبهات التي تقصف العراق وتدمّره، ونفس أولئك الجنود وصلوا في عام 2011م إلى سوريا ويساهمون حتى اليوم بتدميرها، مستكملين ما بدأه الخميني من تدمير للدولة الإيرانية، وللدولة العراقية، وللدولة اللبنانية التي يديرها حليفه حزب الله، ويتحكم بقرارات الحرب والسلم فيها، ناهيك عن تدمير الدولة اليمنية التي يحاول الحوثيون الموالون لإيران، ولمذهبها الديني أن يستولوا عليها وهم لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة من اليمنيين!

جاءت الثورة السورية كزلزال هزّ كيان النظام، وزعزع قوى الدعم الإيرانية، وكادت الثورة أن تنجح في إزالة هذا النظام القمعي والموالي لإيران إلى درجة الخضوع التام لها، ولكن الطائرات الروسية هبّت لمساعدة النظام والإيرانيين، وقامت بتحويل الكثير من البلدات والمدن السورية إلى خرائب تشبه خرائب غروزني، وأسهمت بشكل فعلي بعدم إفشال المخطط الإيراني، وبمساندة النظام الموالي لإيران، والذي يعمل بشكل منظم على إخلاء سوريا من مواطنيها تمهيدًا للاستيطان الإيراني وللميليشيات المذهبية، التي أضفى عليها رئيس النظام المشروعية ووصف أفرادها بأنهم السوريون الذين يستحقون المواطنة في دولة الاستبداد والاستيطان المذهبي.

وقد عادت الروح إلى النظام وإلى الإيرانيين بعد الانتصار الروسي الإيراني في حلب، والذي أعاد شبح الهيمنة الإيرانية على الخارطة السورية من جديد، هذه العودة الإيرانية لتصدّر الساحة السورية، وإن كانت بالمشاركة مع الروس والأتراك، فإنها تشكل خطرًا كبيرًا على مستقبل سوريا، فسقوط النظام الذي طالب المتظاهرون السوريون به، لم يعد كافيًا، إذ يتطلب الأمر سقوط النفوذ الإيراني بشكل رئيسي بالإضافة إلى سقوط كل نفوذ أجنبي، وإخراج كافة المقاتلين الأجانب من الساحة السورية، فإيران اليوم ليست تهديدًا للطائفة  السنية فقط، حيث تحاول استمالة الموالين منهم إلى مذهبها الديني، تحت الضغط والتهديد بالمخابرات والإذلال اليومي على الحواجز، بل سيكون التهديد كبيرًا على الطائفة العلوية نفسها، فإيران ومنذ سنوات تزرع مزاراتها المذهبية إلى جوار كل المزارات العلوية في الساحل السوري.

ولعل الطوائف الأخرى ستكون الهدف الأكيد للمذهبية الدينية الإيرانية، وخاصة الطائفة الإسماعيلية، والطائفة الدرزية، المهددتين بالاجتياحات الإيرانية الجذرية والمسلحة بالإرهاب، وبالميليشيات الطائفية المتمرسة بفنون الإخضاع والإركاع، وما بدء الهجوم عليها وترويج الشائعات ضدها إلا مسألة زمن فقط.

وهذا سيغير البنية الدينية والسكانية أيضًا لسوريا، من أجل أن يتم تفصيل سوريا على المزاج المذهبي الإيراني، وتحت سلطة الحرس الجمهوري الإيراني الذي يديره غلاة المتطرفين الدينيين المغمسين بالأبعاد القومية الفارسية المتطرفة، حيث يشعر هؤلاء بالحقد ضد المحيط العربي بكل تشكيلاته، ويصوّرونه عقبة أمام طموحاتهم الإقليمية وحروبهم التي لن تنتهي.

الدولة الطائفية الإيرانية اليوم أكثر عنفًا ووحشية بسبب وصولها إلى حالة اليأس، وتيقّنها من استحالة قبول قيمها الرثّة، فحروب إيران اليوم في الشرق الأوسط، أوسع من حروب الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط أيام عزّها، ومعظم مقدرات الدولة الإيرانية يتم صرفها على هذه الحروب الطائفية المدمّرة، والتي لن تجلب إلا الخراب لإيران نفسها، مهما بدت منتصرة اليوم، ومهما تفننت بطرق الاستيطان، أو بطرق التبشير المسلحة بالحقد والقتل والتعذيب!

مقالات متعلقة

  1. إيران وحرب تموز السورية
  2. الدكاترة المجاهدون وحصاد الشر
  3. وجهان لإيران
  4. طهران تشيع رسميًا "متطوعين" للقتال في سوريا

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة