ع ع ع

عنب بلدي – عبادة كوجان

رفضأبو المثنىالتوجه إلى الرقة مع أصدقائه فيلواء الأقصى، لأسباب تتعلق بعدم قبولهبغي الدولة الإسلامية، رافضًا في الوقت ذاته مهاجمة التنظيم أو نكران فضله في إقامةشرع اللهفي الأرض، في ظل موالاةالثوارللغربالكافر، والاتفاق معًا على استئصالالمجاهدينوإفشال مشروعهم في إقامةخلافة راشدةفي سوريا، بحسب توصيفه.

أبو المثنى، اسم حركي لشاب عشريني من محافظة حماة، لم يتمّ دراسته الجامعية بسبب ظروف الثورة، وتدرّج من الحراك السلمي إلىالجيش الحرثمجند الأقصى، فـالحزب الإسلامي التركستاني“. تحدث إلى عنب بلدي عبر وسيط ارتضاه أخيرًا، معتبرًا إياهاجريدة علمانية تدعم المرتدين وتشوّه صورة المجاهدين“.

عناصر من جبهة النصرة في مدينة حلب 24 أيلول 2014

عناصر من “جبهة النصرة” في مدينة حلب 24 أيلول 2014 (AFP)

لا يختلف الفكر الذي تبنّاه “أبو المثنى” عن فئة ليست قليلة من الشباب السوري، بل بات مزاجًا عامًا لا يقتصر على فصائل جهادية بعينها، وأصبح يهدّد بنية المجتمع في المناطق السورية الخاضعة لسيطرة النظام والخارجة عنه، ليصنع الأب من طفلته قنبلة حية تفجّرت أشلاؤها في أحد المخافر الأمنية في دمشق “تقرّبًا إلى الله”، كما وصف، ويقتل الفتى والده “المرتد” في ريف إدلب دون أن يرفّ له جفنٌ، قبل أن يلتحق بـ “دولة الخلافة” في الرقة.

يتبنى ذوو الفكر المتطرف في سوريا، تيار “السلفية الجهادية” كمبدأ مسيّر لظروف السلم والحرب، وما يتضمنه من أحكام “الولاء والبراء” و”الحاكمية”، في إطلاق أحكام الكفر والردة، وإسقاط شرعية الحكومات التي تؤمن بالديمقراطية بعيدًا عن “الشريعة الإسلامية” ومحاربتها في السر والعلن. وأسهم تحوّل الثورة السورية من الحراك السلمي إلى المواجهات المسلحة في تكوين بيئة خصبة لتأسيس جماعات جهادية تتبنى هذا الفكر، وجعلها نواة لاستقطاب المقاتلين من شتى أنحاء العالم.

وتحاول عنب بلدي من خلال هذا الملف، الوقوف على أسباب انتشار التطرّف في المجتمع السوري عمومًا والمناطق “المحررة” بشكل خاص، وطرق معالجة الآثار والقضاء على الأفكار السلبية المترتبة عليها، من خلال حوار أجرته مع مختصين وباحثين سوريين.

السلفية الجهادية

هو تيار إسلامي برز في ثمانينيات القرن الفائت، وتأثر بأفكار وأدبيات الكاتب والمنظر الإسلامي سيد قطب في ستينيات القرن الماضي، والعالم الدمشقي في العهد المملوكي أحمد ابن تيمية، وكانت انطلاقته في جمهورية مصر في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، والذي اغتيل في 6 تشرين الأول 1981 على يد ضباط ينتمون إلى “الجماعة الإسلامية”، إذ تعتبر أول جماعة تتبنى هذا التيار وتصبح منبعًا لقادات ومنظري التيار السلفي الجهادي.

تختلف السلفية الجهادية عن السلفية العلمية أو حركات الإسلام السياسي كجماعة “الإخوان المسلمون”، في تأكيدها على أن “الجهاد” هو “فرض عين على كل مسلم”، مشددة على وجوب “الخروج على الحاكم” الذي لا يحكم بمبادئ الشريعة الإسلامية، وضرورة اتباع مبدأي “الولاء والبراء” و”الحاكمية”.

يرى منظرو السلفية الجهادية في “الولاء والبراء” أهم أركان العقيدة الإسلامية، وهو مصطلح طرحه ابن تيمية في مؤلفاته، معتبرًا إياه شرطًا من شروط الإيمان، فالولاية هي “النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهرًا وباطنًا”، والبراء هو “البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار”، وفق تعريف موسوعة “الدرر السنية”.

لكن مفكرين إسلاميين حذّروا من التطرف والغلو في تفسير هذين الركنين “فما نقص عن حدود الولاء المطلوب فهو تفريط، وما زاد على حدود الولاء المشروع فهو غلوٌ مذموم”، بحسب ما جاء في كتاب “الغلو في الدين” للباحث السعودي عبد الرحمن اللويحق.

وحذّر الباحث في كتابه من خمسة مظاهر للغلو بدأت بالانتشار بين متّبعي التيار السلفي، وهي “الغلو في مفهوم الجماعة، الغلو في التعصب للجماعة، الغلو بجعل الجماعة مصدر الحق، الغلو في القائد، الغلو في البراءة من المجتمعات المسلمة”.

ويُعتبر مبدأ “الحاكمية” رائجًا عند الجماعات التي تتبنى السلفية الجهادية، ويؤصل الموقف من الحكم والحاكم ومؤسسات الدولة، وترفض من خلاله أعمال البرلمان والقوانين التي يشرّعها، والدستور الذي يحكم البلاد، باعتباره يحتوي قوانين وضعية تخالف “الشريعة الإسلامية”.

أبرز منظري التيار السلفي الجهادي في الوقت الراهن، أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني وهاني السباعي، بينما أبرز قادته العسكريين هم: أيمن الظواهري (زعيم تنظيم القاعدة)، أبو بكر البغدادي (زعيم تنظيم الدولة)، أبو محمد الجولاني (مؤسس جبهة النصرة)، وأبو بكر شيكاو (زعيم جماعة بوكو حرام).

جهل واندفاع عاطفي ضد الظلم

يتفق معظم من حاورتهم عنب بلدي على أن انتشار الفكر المتطرف في الشارع السوري، يعود إلى أسباب وتراكمات كبيرة، أبرزها الجهل والاندفاع العاطفي في مواجهة الظلم، والإشكاليات التي خلّفتها الأنظمة الشمولية لعقود طويلة.

الشيخ محمد الخطيب، رئيس المكتب الشرعي في “الجبهة الشامية” بمحافظة حلب، اعتبر أن السبب الرئيسي في انتشار الفكر واستمراريته حتى اليوم هو الجهل، وقال “الجهل هو أعظم المفاسد، وهو شجرة ينبت فيها كل الشرور، فكل الطامات التي وصلنا لها وكل الآفات التي وقعت في ثورتنا سببها الجهل”، موضحًا أن “الإنسان البسيط الذي لا يملك أي فكرة عن الفكر الخارجي، وماهية الفرق بيننا وبينهم، يرى عندهم صورة ناصعة، صورة جميلة، يرفعون راية الإسلام والخلافة الإسلامية وتطبيق الحدود وشرع الله، فصورتهم أفضل من الصورة التي عليها نحن الآن بمقياسه”.

وأضاف “يقول لك المتأثر بفكرهم: هم يطبقون الحدود ونحن لا، هم يأمرون بالصلاة ونحن لا نأمر، هم يفرضون الحجاب ونحن لا.. لا يعرف أن الخلل الرئيسي الذي يفرق بيننا وبينهم هو التكفير وقتل المسلمين، هذه الصفة الرئيسية التي نخالفهم فيها، لا نخالفهم بكثير من الجزئيات التي يسعون إلى تطبيقها، بل نخالفهم في طريقة التطبيق، فالخلاف الجوهري هو القتل والتكفير، وهو ما يجب أن نوضحه للشباب الجاهل”.

وشدد الخطيب، الذي حضر نقاشات مع قادة وشرعيي التنظيم فيما مضى، على أن اندفاع الشباب وعاطفتهم تجاه دينهم يساعد على انتشار “الغلو”، وأضاف “عندما ترى الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين، أو التصريحات الغربية غير المنضبطة، والتي يعادون فيها الإسلام بمجمله، دون التفريق بين أصحاب الغلو والاعتدال، يؤدي هذا إلى رد فعل عكسي عند الشباب المتحمس، وإلى عداء مسبق لكل من لا يكون مع الفكر الخارجي، يعادي الفصائل وكل إنسان يملك نفَس اعتدال، فيقول لك هؤلاء يقتلون وبقصفون ويضربون وأنتم تتكلمون بوسطية واعتدال.. هذا الخطاب لا يلقى رواجًا عند الشاب العاطفي”.

“لواء الأقصى” يضم مجموعة مقاتلين من محافظتي حماة وإدلب، ينتمون إلى التيار السلفي الجهادي، أيدوا أفكار القاعدة وتنظيم “الدولة”، ومنهم بايعوا التنظيم سرًا.

عقب انطلاق معركة “مروان حديد” في ريف حماة الشمالي، أيلول 2016، قدم 80 عنصرًا من تنظيم “الدولة” ليقاتلوا تحت قيادة “لواء الأقصى”، معظمهم من أهالي المحافظة، ثم لحق بهم قادة من التنظيم أبرزهم “أبو الوكيل العراقي”، والذي يعدّ المحرك الرئيسي للأحداث الأخيرة، والإعدامات الميدانية التي نفذها الفصيل الجهادي في ريفي حماة وإدلب، والتي طالت نحو 200 مقاتل من المعارضة.

انحل الفصيل بشكل كامل، فمنهم من بايع “هيئة تحرير الشام”، وآخرون انضووا في “الحزب الإسلامي التركستاني”، والقسم الأكبر انسحبوا إلى مناطق تنظيم “الدولة” شرق سوريا، ومعظم الفصائل المذكورة تتبع التيار السلفي الجهادي.

وأوضح رئيس المكتب الشرعي أن الشاب المائل إلى التطرّف يملك اندفاعًا وحماسًا زائدًا، ويريد شيئًا مستعجلًا يرى من خلاله صورة “الإسلام المنتصر” بأقل الخسائر وأقصر الأوقات، وتابع “عندما تتكلم معه بالروية والرحمة والتدرج، فيقول لك أتريدني أن أنتظر سنوات طويلة في التربية والتعليم وبناء الجيل؟ فيجد العاطفة الرائجة لديه عند الخطاب المزاود وخطاب التنفع لدى داعش، عندما يقولون (سنغزو العالم، ونكسر الصليب، ونحارب ملة الكفر..)، فيجد شيئًا بداخله يدفعه إلى هذا الخطاب وينسجم معه”.

من جهته، أوضح الشيخ عصمت العبسي، رئيس محكمة “دار العدل في حوران” العاملة في محافظتي درعا والقنيطرة، أن بيئة القتال تنزع إلى العاطفية، وهي بيئة خصبة لأفكار الغلو والتطرف، موضحًا أن أحد أهم أسبابه أيضًا “عدم وجود مشروع وطني واضح المعالم تجتمع عليه الأيدي”، ما يؤدي إلى “توجه بعض الشباب إلى مشروع الغلو الذي يرون فيه مناهضة للطغيان ومشروع التجبر العالمي”، موردًا حديث الصحابي عمر بن الخطاب حينما قال “إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإن لم تشتغل في طاعة اشتغلت في معصية”.

الدكتور محمد اسكاف، الناشط في المجال الحقوقي في ريف إدلب، اعتبر من وجهة نظره أنه “حتى وإن تم القضاء على تنظيم داعش وطرده من جميع الأراضي السورية، فنحن مستقبلًا  بانتظار تنظيمات مشابهة تكون أكثر قوة وضراوة من التنظيم، الذي اعتبر طفرة من ناحية القوة والتنظيم في عالم الجماعات الإسلامية المتطرفة”.

وأوضح اسكاف أن المسألة تكمن في علاج الأسباب لا الظواهر، وقال “علينا كسوريين، وعلى المجتمع الدولي أيضًا، الإلمام بالمسببات أولًا، وعلاجها بشكل جذري ثانيًا”، مضيفًا “من منطلق المسببات، نذكر على رأس القائمة الأنظمة الديكتاتورية، التي أعطت لهؤلاء المتشددين القدرة الكبيرة على غسل الأدمغة، واقتناعهم بقداسة الأعمال التي يقومون بها… تلك الأنظمة، وعلى رأسها النظام السوري، حرصت دومًا على إفشاء الجهل، والاستعانة بهؤلاء في خلق الشر، وتصوير نفسها دومًا بأنها الأمل والمخلص من إرهابهم، فلا يخفى على متابع أن وجود هذه التنظيمات مرتبط حتمًا بوجود الأنظمة الديكتاتورية، وللتخلص منها يجب القضاء عليهما معًا”.

وقال الناشط الحقوقي “بالنسبة لي، وعبر سنوات الثورة، التي أوشكت على دخول عامها السابع، فقد شهدت الكثير من القصص لأصدقاء ومثقفين ونخب قد هجرت صفوف الثوار، والتحقت بهذه التنظيمات، على رأسها تنظيم داعش، وعند التعمق أكثر في الأسباب التي دفعتهم لذلك، نجد أن غريزة الثأر والاندفاع للوجود مع الطرف الأقوى، كانت من أهم الأسباب الدافعة لذلك، يضاف أيضًا إلى جملة الأسباب، حالات كثيرة أقرب ما تكون لحب الانتحار”.

أبو الوليد الحموي، وهو قائد سابق لفصيل في “الجيش الحر” بريف حماة، لخّص الفكر المتطرف بأنه “كالوباء لايمكن علاجه بسهولة”، وقال “يبقى التطرف منتشرًا بعدة حالات، أخطرها تتمثل في الخلايا التي زرعها داعش لتنفيذ إجرامه الأمني، ومن هذه الحالات أيضًا جمهور الفكر المتطرف ومؤيدوه الذين أعجبهم جذّ رأس شخص كانوا يكرهونه في يوم من الأيام، ومن أعجبتهم قوة التنظيم في بعض معاركه التي خاضها ضد النظام السوري، ومنهم من يكونون ذوي قربى لمقاتل داعشي كان وأثناء وجوده يبث سموم الغلو في رؤوسهم”.

واعتبر الحموي، الذي كان شاهدًا على أحداث “لواء الأقصى” الأخيرة في ريفي حماة وإدلب، أن أهم أسباب انتشار التطرف هو “غياب الدُّعاة للفكر الوسطي والإسلام الحقيقي في الأراضي المحررة، وعدم ثقة المقاتلين فيهم في حال وجدوا، وذلك لتشظي الفصائل ذات اللون الواحد والحيلولة دون تكوينها مظلّة جامعة”.

مظلة جامعة تقي من التطرّف

لا حلول قريبة في المناطق المحررة خصوصًا، لدرء خطر هذه الظاهرة وانتشارها المتزايد، سوى تكوين مظلة سياسية واقتصادية وفكرية جامعة، تواجه قطب تنظيم “الدولة” وماكينته الإعلامية في نشر أفكاره الدخيلة.

وعلى سبيل المثال، أوضح الشيخ عصمت العبسي أن القضاء في درعا “المحررة” يعالج ممارسات فكر الغلو، وهو صلب عمل محكمة “دار العدل” في المجالين القضائي والقانوني للمسألة، لكن المعالجة الأمنية لا تكفي من وجهة نظره، بل تحتاج إلى معالجة نفسية واجتماعية واقتصادية من جميع النواحي، “لا بدّ من معالجة أسباب التطرف بداية ومعالجة الفكر المتطرف حتى نستطيع القضاء على جميع بذوره”.لا حلول قريبة في المناطق المحررة خصوصًا، لدرء خطر هذه الظاهرة وانتشارها المتزايد، سوى تكوين مظلة سياسية واقتصادية وفكرية جامعة، تواجه قطب تنظيم “الدولة” وماكينته الإعلامية في نشر أفكاره الدخيلة.

ورأى العبسي أن الشباب الذين أوقفوا وعوقبوا بالسجن وأخضعوا لدورات شرعية، يحتاجون إلى علاج نفسي أيضًا، وقال “لا يخفى على إنسان أن فكر التطرف والغلو وممارسة أفعال إجرامية ترتقي إلى السادية، بحاجة إلى علاج نفسي لهؤلاء الذي تلوثت أدمغتهم بهذا الفكر”.

القاضي العبسي، والذي تعرض لمحاولات اغتيال فاشلة أشارت أصابع الاتهام إلى وقوف “جيش خالد بن الوليد” المقرب من تنظيم “الدولة” وراءها، أفصح عن نشاط دعوي يمارسه في هذا الاتجاه بعيدًا عن وظيفته في “دار العدل”، وقال “بغض النظر عن صفتنا القضائية نحن أعضاء في أكثر من مؤسسة دعوية تقوم بدور توعوي لفئة الشباب والمجاهدين والمجتمع بشكل عام، من خطر الدواعش والغلو والتطرف، وإن ديننا وسطي حنيف.. نحن حريصون على إبقاء الثورة بثوبها الأبيض ووسطيتها الإسلامية، نحن لسنا مع قوى ضد أخرى، خرجنا ضد الطغيان والظلم وأيضًا ضد التطرف والذي يعدّ ظلمًا بوجه آخر”.

القضاء على الجهل، وتقديم مشروع جامع يكون بديلًا ناجعًا عن تنظيم “الدولة”، هي الحلول التي طرحها الشيخ محمد الخطيب، رئيس المكتب الشرعي في “الجبهة الشامية”، وقال إن “علاج الغلو يكمن في القضاء على أسبابه ومعالجة الجهل، فعندما تعطي العلم الصحيح السليم لهذا الشاب سوف يرتدع عن كثير من الأفكار التي زرعت في ذهنه، ويعود عنها، وينتهي من هذه الإشكالية والشبهة التي يحتاج إلى من يفندها، فموضوع العلم ونشره وتفنيد الشبهات ومحاججة الغلاة هو موضوع رئيسي يؤدي إلى عودة الكثير من الشباب”.

وأضاف الخطيب في طرحه حلولًا لهذه الظاهرة “يجب أن نقدم بديلًا، نحن لا نملك بديلًا إلى الآن، مشتتون ومتصارعون في فصائل متشظية، فعندما يجد أحدهم هذا الواقع المرير يلجأ إلى داعش، باعتبارها ذات رأس واحد وتنظيم واحد ويسيطرون على مساحات واسعة، نحن إن لم نقدم بديلًا فسنكون شركاء في ضلال هؤلاء الشباب”.

وكشف رئيس المكتب الشرعي في “الجبهة الشامية” عن مسارات يعملون عليها في هذا الإطار، “الأول هو المكتب الشرعي والدعوة الشرعية في الفصائل العسكرية، ويعمل على توضيح الخلل عند الغلاة، والفوارق بيننا وبينهم، ما هو منهجنا وما هو منهجهم، والمسار الثاني هو موضوع السجناء الذين كانوا منتسبين للتنظيم أو من كانوا يريدون الانضواء، فكذلك نعمل على توعيتهم بدورات شرعية، بحيث نعمل على غسل هذا الفكر، ويعودون إلى فطرتهم السليمة”.

الحلول لهذه الظاهرة موجودة رغم صعوبتها، بحسب القيادي أبو الوليد الحموي، وتابع “منها الأمني الذي عليه معالجة الخلايا والترسبات المسمومة التي بقيت لتنفذ أجندات التنظيم، من تفجيرات مستقبلية أو اغتيالات للقيادات والدعاة، ومنها الشرعي بتوفير حماية أمنية للعلماء الثقاة بدايةً، ومن ثم دعوتهم لكي يتواجدوا بشكل مستمر، ويملؤوا الفراغ الذي كان سببًا لانتشار الفكر المغالي بسهولة”، بحسب تعبيره.

 

قصص عن التطرّف فيالمحرر

روى الدكتور والناشط الحقوقي محمد اسكاف قصة صديقه من مدينة حماة، والذي أنهى حياته داخل عربة مفخخة، وقال الدكتور “كان من أوائل من حملوا السلاح في المدينة، نزح مطلع عام 2012 إلى ريف حماة الشمالي، واُستهدف مكان نزوحه بقصف صاروخي من قوات النظام السوري في أيار 2013، ما أدى إلى فقدانه طفليه وإصابة زوجته إصابة بليغة تعافت منها لاحقًا”.

“بعد تلك الحادثة، تغيرت تمامًا طريقة تفكير صديقي، وبدأ يتحدث عن وجوب قتل جميع من يساند النظام وحتى عوائلهم، ومع مرور الأيام، وازدياد الضخ الإعلامي لماكينة داعش الدعائية، انتقل صديقي إلى مناطق سيطرة التنظيم، لأشاهده عبر مقطع فيديو وهو يقود عربة مفخخة استهدفت قوات الإدارة الذاتية الكردية في محيط الحسكة عام 2014″، أضاف اسكاف مشدّدًا على أن تطرّف صديقه لم ينشأ من فراغ أبدًا “هناك من دفع به إلى كل هذا الحقد، فأشلاء أطفاله التي حملت أمام عينيه، كانت كافية لتكون سببًا لا مبررًا”.

الفكر “الداعشي” موجود وبكثرة في المقرات التي تخلو من الدورات الشرعية والتوعوية، بما فيها فصائل “الجيش الحر” في حماة وإدلب وحلب، وتقل النسبة لدى الفصائل المؤدلجة، بحسب أبو الوليد، وروى قصة ثلاثة أصدقاء في ريف إدلب جمعتهم الثورة وقتلهم التطرّف، أحدهم مقاتل في “لواء الأقصى”، والآخر في هيئة “تحرير الشام”، والثالث لم يحمل السلاح بالأصل.

وعند احتدام المواجهات بين “لواء الأقصى” و”تحرير الشام”، قتل الأول صديقه الثاني في الاشتباكات المباشرة، وقبيل خروجه مع فصيله إلى الرقة الشهر الفائت، استدعى صديقه الثالث ليعدمه ميدانيًا بدم بارد، وهي قصة ضجّ بها الريف الجنوبي للمحافظة بحسب تعبيره.

“أ.ح” شاب عشريني من مدينة حماة، قاتل في مجموعة يقودها عمه شقيق والده تتبع لـ “حركة أحرار الشام”، ثم انتقل إلى “لواء الأقصى” في خان شيخون، وقالت مصادر عنب بلدي إنه ذو سمعة سيئة في الشمال السوري، وصادر أملاك المدنيين دون وجه حق، وتزوج خمس نساء تركهنّ وراءه دون أن يطلقهنّ، حينما غادر إلى الرقة الشهر الفائت.

وحصلت عنب بلدي على تسجيل صوتي للشاب، يهدّد من خلاله بقتل قادة من “الجيش الحر” في حماة، بمن فيهم شقيق والده، ليشمل التهديد القائد العسكري في “هيئة تحرير الشام”، أبو محمد الجولاني، واصفًا الجميع بـ “المرتزقة المرتدين”.

لدى سؤال “أبو المثنى”، الشاب الذي كان منضويًا في “جند الأقصى”، عن حنينه لعائلته النازحة من الريف الحموي إلى مدينة تخضع لسيطرة النظام حاليًا، أجاب عبر الوسيط “أخشى أنهم دخلوا في الردة، وليتني أدخل المدينة فاتحًا مع المجاهدين، لأحثهم على الاستتابة، فالعيش الرغيد في ظل حكم كافر هو بمثابة الموالاة له، ويجب عليهم البراء منه”، جملة مصطلحات لم يكن يعرفها الشاب العشريني في جامعته أو منزله، قبل تشظّي المجتمع السوري عمومًا، فهل تنجح مساعي المعنيين في القضاء على “الفكر الداعشي” أم أنها تبقى مؤجلة ومرتبطة برحيل نظام الأسد؟

 

عناصر من جبهة النصرة في مدينة حلب 26 أيار 2015 (AFP)

عناصر من جبهة النصرة في مدينة حلب 26 أيار 2015 (AFP)


عمر الخطيب - كاتب وصحفي سوري

عمر الخطيب – كاتب وصحفي سوري

عن الأصولية والتطرّف وأسّ البلاء

عمر الخطيب –  كاتب وصحفي سوري

أعتقد أن تسمية “الفكر الداعشي” مغلوطة، وتستخدم لتنزيه المجتمع عن هذا الفكر، والادعاء بأنه فكر دخيل، بينما من الواضح أن أدوات وأساليب التنظيم هي الدخيلة، أي أن الفصل بين الفكر والفعل ضروري لفهم سرّ تغلغل الأول ورفض الثاني.

الفكر الرائج اليوم ينتمي للفكر الأصولي، ويحب البعض تسميته بالمتطرف، ولذلك البحث في تغلغل هذا الفكر يجب أن ينطلق من فهم آليات انتشار الفكر الأصولي نفسه ودينامكيته، فانتشار الأصولية مرتبط بعدة عوامل، منها الدفاع الذاتي بوجه قيم وأفكار الآخر المتطور، ويعتبر الفقر واليأس والتهميش من العوامل المهمة ولكنها ليست أساسية، فالأصولية جذبت الكثير من ميسوري الحال ومن الجامعيين وأصحاب المكانة المجتمعية.

لم ينشط الفكر “الداعشي” في المناطق المحررة، بل وجد مجالًا في المناطق المحررة لينشط ويعلن عن نفسه، فالفكر الأصولي موجود في كل المجتمعات وبكل الأديان، يظهر للعلن فقط بشكل نخبوي، أما البقية فيبقى ضمن حلقات خاصة، ويحتاج لشروط معينة ليظهر، كحالة اجتماعية عامة علنية.

يسود بين الدارسين أن الأصولية في العالم العربي ظهرت مع بداية القرن الماضي، كرد فعل على الغزو الغربي، لا سيما بشكله الثقافي والقيمي، حيث شكل تهديدًا مباشرًا للمجتمع العربي وتقاليده، فكانت الأصولية رد فعل على هذا الغزو، وخطوة للدفاع عن الذات والهوية.

ولكن انتشاره الكبير وظهوره على شكل حركات وتنظيمات بدأ في سبيعينيات القرن الماضي، وارتبط ذلك بشكل أساسي بأنظمة الحكم العربية التي دعمته وعملت على تكريس العنصرية القومية والدينية في المجتمعات، وهنا الكلام عن النظام العربي بأشكاله، وكانت الأنظمة التي ادعت “العلمانية”، وللمفاجأة، هي من أكثر من دعم هذه الاتجاهات للتحكم بالمجتمعات وخلق الوهم والخوف من الاقتتال الداخلي.

تنظيم “داعش” مثله مثل الحركات الأصولية الأخرى، هو وبعكس الفكرة الشائعة استوعب أحدث ما توصلت إليه الحضارة الإنسانية في كل المجالات، لا سيما الاتصالات، وبذلك فهو يستخدم طرائق حديثة للتعبير عن نفسه ونشر فكره، كما أنه يعتمد على حالة عدم اليقين في الحالة السورية وتعدد الخطابات والاتجاهات، ليقدم أجوبة بسيطة للمشاكل، أجوبة تكفر الآخر وتلغيه بينما تقول لصاحبها بأنه الوحيد الذي يملك الحقيقة، وأنه رائع لا عيب فيه، وإنما كل الأخطاء والذنوب هي عند الآخر، ومثل هذه الأفكار من السهل والمطلوب قبولها.

مواجهة انتشار التنظيم ترتبط بالقضاء على عوامل وجوده وقوته، وفي سوريا لا يمكن التفكير بالقضاء على داعش قبل القضاء على أسّ البلاء وهو نظام الأسد، فبزوال النظام الكثير من عوامل اليأس وعدم اليقين تزول، ويصبح التركيز على الحياة، وكلّما تقدم الإيمان بالحياة كلما تراجعت داعش وقل تأثيرها، الكلام هنا عن الفعل، أما الفكر الأصولي فهو باق وسيبقى، ولكن من الممكن التحاور معه والوصول لصيغة تفاهم مجتمعية.

مقالات متعلقة

  1. مصادر لعنب بلدي: مقتل "أبو عمر صواعق" الرجل الثاني في "المثنى"
  2. شرعي "حركة المثنّى" السابق في قبضة "أحرار الشام"
  3. مناظرة "تحرير الشام" و"لواء الأقصى" تنتهي بعمليات انتحارية
  4. سوريا بين باصين