عيد الفصح.. والاستثمارات الإرهابية

عيد الفصح.. والاستثمارات الإرهابية

عنب بلدي عنب بلدي

إبراهيم العلوش

فصح مجيد لكل إخوتنا وشركائنا في الوطن السوري من المسيحيين، فالفصح رمز للخلاص وللربيع وللتجدد، وكانت الحركة التصحيحية قد سرقت لقبه، ووصفت عدوانها على الحريات، بالتصحيح المجيد، كما تردّد وكالات وأبواق النظام.

منذ بدء الثورة انضم كل حرّ إليها، وراح شهداء أبرار من كل الطوائف السورية، ولم تسلم أي طائفة من العدوان، فالحرية هي عدوة نظام المخابرات الذي يحاول أن يصور نفسه بأنه مدافع عن الأقليات، ويبتز الغرب بأنه يدافع عن مسيحيي الشرق، الذين يعيشون بسلام في بلادهم منذ ألفي سنة، وقد استثمر كل أنواع الأعمال الإرهابية، ليبين أن هذه الثورة هي مجرد عصيان جنائي، وإرهابي يحاول أن يعتدي على الطوائف الصغيرة، واستعمل الكثير من أدوات الترهيب ضد الطوائف، وقام بأعمال التفجير المبرمج، ونشر روح الكراهية بين مكونات المجتمع السوري، الذي عُرف بالتسامح من مئات السنين وقبل مجيء حافظ الأسد وأدواته الإجرامية التي صارت كابوسًا اليوم، ليس للشعب السوري وحده بل للعالم أجمع.

إعلان

قبل الفصح المجيد بأسبوع، في يوم الشعانين، استثمر نظام السيسي تفجير داعش للكنيستين القبطيتين في طنطا وفي الإسكندرية، الذي قُتل فيهما العشرات من الأبرياء، وقام بتمرير قانون الطوارئ، بدلًا من الاستقالة، ومحاسبة حكومته، وكانت ضحكة الرئيس السيسي عريضة، وغامرة، وهو يزف خبر فرض الأحكام العرفية، التي تعتبر جنّة المستبدين، وجدارهم الفولاذي لحماية استمرارهم على كراسي الحكم، التي سلبوها بمختلف أنواع الخداع والتحايل.

يأتي ذلك بعد أن نجح النظام السوري بالاستثمار بهذا المخلوق الأشوه، الذي يخلط الدين بمبادئ حزب البعث النازية، ويسترشد بمفكري تورا بورا، ويستمد الحماية من دولة الخامنئي التي لم يتمكن التنظيم منها، ورغم أن جرائمه وصلت إلى أقصى الغرب، وأقصى الشرق، لم تصب دولة آيات الله التي تستضيف وعبر سنين طويلة قادة تورا بورا، الذين يفرّخون كل يوم اسمًا جديدًا وشكلًا مبتكرًا للإرهاب، ويبرعون باستعداء العالم ضد المسلمين، وتصويرهم كمليار ونصف المليار إنسان منكبّين على الإرهاب، وقد تركوا مزارعهم وأشغالهم وتربية أولادهم ليتحولوا جميعًا إلى إرهابيين!

من أباح لهذه السلالة من الإرهابيين تشويه سمعة الإسلام والمسلمين، ومن أباح لهم سحب الاعتراف من الدين المسيحي وعدم اعتباره دينًا سماويًا، وقد نشأ في بلادنا وهو جزء من تاريخنا، وساهم أتباعه بإغناء الحضارة الإسلامية وترجموا الكتب، وطببوا الخلفاء وعموم البشر، ولم ينظر إليهم أحد إلا كشركاء في تاريخ بلادنا، والدليل وجودهم الدائم في بلادهم وبلادنا جميعًا.

اليوم، الاستثمار الإرهابي ضد إخوتنا المسيحيين لم يعد يقتصر على التنظيمات الإرهابية التي تكفّر المجتمعات كلها، بل أيضًا صارت الأنظمة الاستبدادية تستثمر بهذا الإرهاب، وترفعه فزاعة تغطي على جرائمها وتضمن استمرارها الأبدي في الحكم القائم في جوهره على الإرهاب والتعذيب، والذي يولد دفعات جديدة من الإرهابيين، ومن أنواع مختلفة تستغل المفاهيم والقيم الدينية، والوطنية، والطائفية، من أجل نشر الكراهية وإعادة الاستثمار فيها.

الاحتلال الروسي حاول أن يصوّر نفسه أيضًا كمدافع عن مسيحيي الشرق عندما صور راهبًا يبخّر الطائرات الروسية، وهي تنطلق من مطار حميميم لقصف المدنيين وتطويبهم كإرهابيين، ولكن مسيحيي سوريا لم تنطلِ عليهم مثل هذه الأكاذيب، منذ أن ألقى فارس الخوري خطبته الشهيرة في الجامع الأموي أيام الحكم الفرنسي، الذي ابتكر هذه الصورة الزائفة.

كان النظام ينسحب أمام داعش من البلدات والقرى المسيحية من أجل أن يصور للعالم القوى التي تهاجم مسيحيي الشرق، في تواطؤ مكشوف وعلني مع داعش أو النصرة، في بلدة صدد، وفي معلولا، وفي الأحياء المسيحية في مختلف المدن، من أجل أن يجبر أبناء الطوائف على الانضمام اليه أيضًا، والتصديق بأن استبداده هو ما يحميهم، ويؤمّن استمرارهم في وطنهم.

لسنا بصدد استعراض تاريخ انتهاكات النظام ضد الكنائس والحواري المسيحية، ففي لبنان، حيث تدربت قوات النظام على الإرهاب، وعلى قتل المدنيين ببرودة أعصاب، انتهكت كل المحرمات ضد المسيحيين، وضد كل أنواع الطوائف الصغيرة والكبيرة.

والنظام اليوم في حالة إفلاس كبير، ولن يتورع عن ارتكاب الجرائم ليس ضد الكنائس المسيحية فقط، بل حتى ضد المدنيين من أنصاره في مسرحيات إعلامية متقنة التمثيل، وبالغة الوحشية، من أجل إعادة قبول العالم بهذا النظام كمقاتل ضد الإرهاب، خاصة بعد جريمة الكيماوي في خان شيخون، وبعد الضربة الأمريكية التي أفقدته المصداقية، بعدما تعب الخبراء الروس والمشايخ الإيرانيون في فبركتها ولصقها على وجه النظام لتجميله.

لقد نجح النظام بخطف أجزاء كبيرة من الطائفة العلوية، وأتقن استغلالها وتوريطها بالجريمة المشرّعة منذ ست سنوات، ففي بداية الثورة شارك كثير من الشباب العلويين في الجامعات في التظاهرات للمطالبة بالحرية، وخاصة في جامعة القلمون، وغيرها من الجامعات، ولكن أجهزة المخابرات، ووسائلها الدعائية، وأساليب الضغط العائلي، والمادي، سرعان ما أخافت الكثيرين وأخضعتهم للابتزاز، وقد تورط الكثيرون بارتكاب جريمة العصر ضد الشعب السوري، مثلما تورّط النازيون بجرائمهم في الحرب العالمية الثانية.

اليوم يقوم الغرب بسحب الوكالة الحصرية من عائلة الأسد في حكم البلاد والاستفراد بها، ولا بدّ من التنبه إلى أساليب العائلة المافيوية، فلن تفوت هذه العصابة كل الطرق في الاعتداء والابتزاز، بما فيها ابتزاز رجال الدين المسيحيين وتهديدهم بالإرهاب الداعشي المبرمج من قبلهم ومن قبل إيران.

في يوم الفصح المجيد صعد المسيح إلى السماء، وتخلص من عذاباته، فهل سيكون هذا اليوم مناسبة لاقتراب خلاص سوريا المعذبة من هذا النظام ومن مستثمريه الروس والإيرانيين؟


Top