الكلاسيكو يعيد توحيد السوريين

الكلاسيكو يعيد توحيد السوريين

عنب بلدي عنب بلدي

إبراهيم العلوش

  • شنو تريد؟
  • ريال مدريد!

قبل عشر سنوات كنا نعمل على ترميم مدرسة في الريف الشرقي للرقة، وشهدنا التلاميذ الصغار يهتفون أمام المدرسة بكل ما أوتوا من قوة بهذه الهتافات الحماسية المتبقية من ليلة صاخبة قضاها السوريون وهم يشاهدون مباراة الكلاسيكو بين فريقي ريال مدريد وبرشلونة.

كانت طرقات القرية مغبرّة صيفًا وموحلة شتاء، والأطفال بملابس رثة، وشبه جائعين، ولكنهم يواظبون على هتافهم الحماسي، الذي يرافقهم بترداده نصف السوريين، في حين يصمت بقهر النصف الآخر المؤيد لبرشلونة وهم يمضغون مرارة الهزيمة.

إعلان

لا أعرف اليوم، ما هو مصير الأطفال الذين كانوا يهتفون لريال مدريد تلك السنة، فقد احتلت داعش قريتهم في أوائل ظهورها في سوريا، وانطلقت منها إلى الرقة لتغتصبها عاصمة لها، فهل تطوعوا في داعش، وغيّروا هتافاتهم من مناصرة ريال مدريد، إلى مناصرة دولة الخلافة المزعومة، والهتاف للبغدادي، أم فروا مع ذويهم إلى إحدى المحافظات السورية المؤيدة وعادوا يهتفون لبشار الأسد، أم فروا إلى تركيا وصاروا يهتفون لأردوغان الذي أعطاهم “الكيملك”، وآواهم في المدن وفي المخيمات، أم فروا عبر إزمير إلى أوروبا وعاودوا الهتاف لريال مدريد من جديد، على هامش غربتهم وضياعهم الذي وجدوا أنفسهم وأهلهم فيه!

لكن المدهش، بعد مباراة ريال مدريد وبرشلونة الأخيرة، أن معظم السوريين ومن كل الانتماءات، وبالإضافة إلى هتافاتهم السياسية المتناحرة، مايزالون يواسون ريال مدريد أو يهتفون لبرشلونة، عبر “فيس بوك”، وعبر الأقنية التلفزيونية المعارضة والمؤيدة، في إجماع على متابعة الكلاسيكو الإسباني.

تجد السوري عاطلًا عن العمل، ويعاني من إجراءات الدول المضيفة، وتفتيشها الدائم، وشكّها المتواصل بشخصه وبغاياته، ولكنه مهتم بمتابعة الكلاسيكو، أحيانًا، أكثر حتى من متابعة مصير أقاربه الذين ذابوا في دوامة الهجرة والنزوح والاعتقال والتفتيش والتعفيش.

يتمنى أنصار ريال مدريد انتصار فريقهم، ويتمنى أنصار فريق برشلونة انتصار فريقهم، ويبدؤون برواية التفاصيل عن مهارات لاعبيهم ونقائص لاعبي الفريق المقابل بدقة، وبحذاقة، واحترافية كبيرة في كثير من الأحيان.

لم يتوحد الشعب السوري مثلما توحد على متابعة الكلاسيكو إلا في السنة الأولى للثورة، فقد كان الناس جميعًا مهتمين بالمظاهرات وبرفع الأعلام، وبالهتافات، وبالأمل في الحصول على الحرية من قبل أنصار المعارضة، أما أنصار النظام فقد كانوا شديدي التحمس لانتصار الأسد والفتك بالمتظاهرين، وكانوا يفاخرون بقدرات أجهزة المخابرات وسجونها، وكان المتحمسون منهم يتوعدون أنصار المعارضة بتوزيع الدبابات أمام كل بيت من بيوتهم، وسيحاسبون كل من ابتسم، أو فرح، أو ردد ولو هتافًا عابرًا ضد بشار الأسد، مالك سوريا إلى الأبد.

أمام هذا التجاذب الشديد تم تدمير البلاد، وتهجير نصف السكان، وتعذيب عشرات ألوف الشبان حتى الموت، ومايزال أنصار الأسد يهتفون الأسد أو نحرق البلد، ذاهلين عن الواقع، وعن موت عشرات الألوف منهم ومن أقاربهم ومن أنصارهم، وترمل وتيتم مئات الألوف من أبنائهم وأبناء مناصريهم لفرض انتصار الأسد وفريقه.

في خبر متأخر من أحد أبناء القرية، قال لي صديق إن باصات داعش كانت تأتي إلى القرية إبان معركة عين العرب (كوباني)، وكان شيخ داعشي يخرج صائحًا: من ينصر أمة الإسلام، من ينصر الخلافة؟

ويظل يبتز عواطف الناس الدينية، حتى يمتلئ الباص بالمتطوعين، ويقلع إلى أرض المعركة حاملا الأطفال والشبان الصغار وغير المدربين، ليرجعوا بعد أيام قليلة قتلى وجرحى ومعوقين، ومن نجا منهم يؤخذ إلى العراق أو إلى جبهات البغدادي التي يحارب بها كل العالم، ولعل الكثير منهم من تلاميذ تلك المدرسة التي كانوا يهتفون أمامها (شنو تريد؟ ريال مدريد!).

تفاقم الانقسام اليوم بين السوريين، وحتى ضمن أنصار الفريق الواحد، فالمؤيدون تنوعت ولاءاتهم بين الولاء لإيران أو لروسيا أو البقاء تحت السلطة المباشرة لأجهزة الأسد، من النمر إلى ماهر الأسد إلى مختلف أنواع المخابرات والتشكيلات والفيالق، التي تتناسل كل يوم بالمزيد من القتل والتعذيب والتدمير.

أما المعارضون فقد تناثروا بين مؤيد للائتلاف وبين شاتم له، وبين مناصر للتنظيمات الإسلامية، وداعم لها ولممارساتها مهما بدت متطرفة، وبين متهم لها بالإرهاب بكل أنواعها وأشكالها لا يستثني منها أحدًا.

الكثير من السوريين اليوم في أسوأ أحوالهم، مؤيدين ومعارضين، ورغم ذلك مايزالون يتجاهلون حياتهم، وحياة مواطنيهم، ويحلّلون أحوال العالم والتوازنات الاستراتيجية، وغير الاستراتيجية، والمؤامرات العالمية والكونية، وعلاقة محور الممانعة بدول بريكس، وتوحيد الأمة العربية، أو إعادة الخلافة العثمانية وتوحيد الأمة الإسلامية، ذاهلين عن حالتهم اليومية وحالة بلادهم، كذهول أبناء تلك القرية عن حالة طرقاتهم المغبرة صيفًا، والموحلة شتاءً، ورثاثة ثيابهم، مندمجين بنقاشات خيالية، لعل أكثرها ديمومة وحماسة هي صراعهم السحري على فريقي الكلاسيكو ريال مدريد وبرشلونة.

ربح الكلاسيكو وخسرت سوريا، ربح الكلاسيكو بتوحّد أنصاره السوريين واستمرارهم بدعمه، وخسرت سوريا بتفرق أبنائها وانتشار التدمير والتهجير فيها، رغم أن كل الأطراف قد تدمرت حياتها، وتدنّت معيشتها إلى أقل من وضع تلك القرية الصغيرة شرق الرقة، فقد تدهور الفريقان السوريان إلى الجوع والتعذيب واليتم والترمل والتهجير والدمار الوحشي، وتناحروا بعددٍ لا نهائي من الاتجاهات، ولكن أنصار الكلاسيكو من الطرفين السوريين مايزالون يهتفون بإيمان، وبصدق كل لفريقه، وبمنتهى السلمية، والحضارة والبعد عن العنف:

  • شنو تريد؟
  • ريال مدريد!


Top