ليلة فشل الانقلاب العظيمة

ليلة فشل الانقلاب العظيمة

عنب بلدي عنب بلدي

محمد رشدي شربجي

في تاريخ الانقلابات الفاشلة نستطيع أن نذكر الانقلاب الذي خاضه الجيش الفنزويلي ضد الرئيس المنتخب هوغو تشافيز في عام 2002، حينها ابتعد تشافيز عن السلطة عدة أيام، ثم أعادته للسلطة مظاهرات شعبية وقفت بوجه الانقلاب، حكم بعدها فنزويلا حتى عام 2013 حيث توفي بعد صراع طويل مع مرض السرطان.

في تركيا كان تدخّل الجيش في حكم البلاد سابقًا على تأسيس الجمهورية التركية الحديثة نفسها عام 1923، ولطالما تدخّل الجيش للإطاحة بقادة إسلاميين منتخَبين بحجة الدفاع عن العلمانية، كان أولهم عدنان مندريس الذي أعدمه الجيش بعد عشر سنوات من الحكم، وآخرهم نجم الدين أربكان، أستاذ أردوغان و”أبو الإسلام السياسي التركي”، كما يطلق عليه أتباعه، الذي أطاح به الجيش في انقلاب أبيض.

إعلان

وما حصل داخل تركيا يشابه ما حصل في العالم العربي، انقلب الجيش على جبهة الإنقاذ في الجزائر، كما رفض العالم وسلطة محمود عباس الوهمية الاعتراف بنتائج الانتخابات الفلسطينية التي أوصلت حركة حماس الإسلامية إلى السلطة، وآخرهم انقلاب الجيش المصري على محمد مرسي.

الانقلابات كانت مدعومة من الغرب أو مرحبًا بها، فالجيوش هي استثمار الدول العظمى الأبرز في بلادنا، وهناك حالات شاركت فيها المخابرات الأمريكية بشكل مباشر كما هو حال الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مصدق في إيران، ولعقود سادت داخل الدائرة الإسلامية نقاشات ماتزال مستمرة حتى اليوم، مفادها أنه كيف يمكن الحفاظ على المبادئ التي يؤمن بها الإسلاميون دون تعرّضهم للانقلاب العسكري والعودة إلى السجون مرة أخرى.

شكلت حالة حزب العدالة والتنمية خرقًا للمألوف، وخروجًا من هذه الدائرة المعيبة التي كرر فيها الإسلاميون -وما زال بعضهم يكررون طبعًا- أخطاءهم بتشابه عجيب. الحزب ذهب بالبراغماتية إلى أبعد ما يمكن، وحرص ما استطاع على تجنب استفزاز الجيش ولو بشق كلمة، وأجرى مراجعات فكرية حادة (بالأصل مسار الإسلام السياسي التركي مختلف عن غيره لأسباب لا مجال لذكرها هنا) آمن بموجبها أن أيام الخلافة الإسلامية الإمبراطورية ولّت إلى غير رجعة، وتصالح فيها مع فكرة العلمانية، وأن ما يطلبه الإسلاميون غير واقعي وسيعيدهم للسجن كلما خرجوا منه. وليس غريبًا لذلك أن أول ما قاله أردوغان للإسلاميين في مصر وهم يستقبلونه استقبال الأبطال بعد الثورة أن عليهم كتابة دستور علماني.

خلال ساعات قليلة بدا أن عمل عقود آيل للانهيار، وأن كل الكلام عن الواقعية والبراغماتية والمرونة والديمقراطية هو مجرد هراء، ولساعات ظهرت رسالة واحدة على عواجل الشاشات أمام الملايين “مهما فعلت وسعيت لا تحاول! طالما أنك متهم بالإسلام فلن يروا مكانًا لك إلا السجن وأعواد المشانق”.

لو نجح هذا الانقلاب لكان يوم عيد لكل ديكتاتوريات العالم العربي بداية، ولحكومات غربية ديمقراطية وصفت ما حدث بالانتفاضة ثانيًا، ولـ”أبو بكر البغدادي” أخيرًا، الذي كان سيرقص فرحًا وهو يرى عشرات ملايين الإسلاميين في العالم العربي يهرعون إليه بعد أن سدت في وجههم كل الطرق، ولاشتعلت المنطقة المنكوبة أصلًا بحكامها والإرهاب بحروب لا حصر لها.

لم ينجح الانقلاب، ومنيت الثورة المضادة بفشل ذريع هذه المرة، لتعيد لملمة صفوفها مرة أخرى وتعيد الانقضاض على قطر بعدها بعام، بحجج مكافحة الإرهاب الذي زادته الحرب عليه قوة وتوحشًا وانتشارًا.

سيبقى فشل الانقلاب من اللحظات النادرة الجميلة في حياتنا المكلّلة بالهزائم والكوارث، مثلها مثل تلاوة عمرو سليمان لبيان تنحي حسني مبارك عن السلطة، أو ذلك الشاب الصارخ في شوارع تونس “بن علي هرب”، أو مواطنه الذي “هرم من أجل هذه اللحظة التاريخية”، أو تلك اللحظة التي يذكرها كل من صرخ بأعلى صوته لأول مرة في مظاهرة في الثورة السورية “ الله سوريا حرية وبس”، لحظات شعرنا بها أن الدنيا لا تسعنا، وأن أنظمة الحكم هذه جبال من وهم رأيناها تنهار أمام أعيننا واحتاجت لجيوش خارجية مدججة بالسلاح لحمايتها، وأن الهزيمة ليست لنا قدرًا أبديًا، وأن لنا صوتًا، وأن له وظيفة أخرى غير الهتاف لصالح الحاكم المفدى.

لست متفائلًا بما حدث بعد الانقلاب، ولست متفائلًا بمسار تركيا الحالي، وأخاف أن ينتهي الأمر بتركيا كما انتهى بفنزويلا اليوم، دولة فقيرة على حافة الإفلاس مليئة بالاضطرابات، ولكن الأهم لي، أنا ابن جيل الهزائم، من كل ذلك تلك اللحظات، وهي ما تدفعني للاستمرار.

مقالات متعلقة

  1. حظره عندما كان رئيسًا.. أحمدي نجاد رسميًا على "تويتر"
  2. تخبّط وانحياز.. الانقلاب التركي في عيون الإعلام العربي
  3. الانقلابات العسكرية في سوريا
  4. تركيا تنتصر على الانقلابات

Top