× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد مجالس ومنظمات رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة ثقافة سوريون في الخارج مارس النسخة الورقية

عندما تكون حافلة الإسكان العسكري شاهدًا

كاريكاتير للفنان علي فرزات (موقع علي فرزات)

كاريكاتير للفنان علي فرزات (موقع علي فرزات)

ع ع ع

ديار حاجي

مايزال مشهد حافلة مؤسسة الإسكان العسكري ذات اللون الأحمر ماثلًا أمام ناظري، والتي كانت تقل عمالها وموظفيها من مدينة الحسكة إلى بلدة الشدادي الغنية بحقول النفط والغاز في ريف المحافظة الجنوبي، وتبعد عن الحسكة 60 كيلومترًا.

كانت هذه المؤسسة تنفذ مشروع إنشاء المشفى الكبير في الشدادي، وكنت أعمل في إحدى الورشات الكهربائية في المشروع لصالح أحد المتعهدين خارج المؤسسة، إلا أننا كنا نستخدم الباص نفسه في الذهاب إلى العمل، فتحولت إلى شاهد حي على قصة الباص الذي كان ينبعث منه الكثير عن تفاصيل الواقع الإداري والأمني والحياتي في الحسكة مع انطلاقة الثورة في سوريا، وكنت أتابع رد الفعل المباشر للأحداث التي تحصل في عموم المناطق السورية.

دفعني الفضول إلى الغوص في تفاصيل المؤسسة التي أنشئت عام 1975 بمرسوم تشريعي، فكانت الإصدار الجديد عن المؤسسة العامة للإسكان في سوريا ذات الطابع المدني، والتي تم إنشاؤها قبل تولي حزب البعث زمام الحكم بسنوات، وأوكلت في البداية لهذه المؤسسة العمرانية العسكرية الجديدة مهمة إنشاء المباني السكنية الملائمة للعسكريين في الجيش السوري، إلا أنه كان من الواضح أن من خطّط لاستحداثها، كان يضع نصب عينيه مهمة بناء “سوريا الأسد”، أراد أن يكون لها طابع عمل واسع النطاق، ليس فقط ضمن إطار المؤسسة العسكرية بل أن تمتد أذرعها إلى كافة المشاريع الحيوية والاستراتيجية والتنموية في البلاد، فأضاف عليها الطابع والتخطيط العسكري بعيد المدى والذي يخضع لشروط ومعايير أمنية واعتبارات خاصة بالسلطة الحاكمة وحدها.

سرعان ما أخذت هذه المؤسسة طابعًا إنشائيًا وبنائيًا وصناعيًا وزراعيًا أيضًا، لتصبح الراعي الأول والحصري للإعمار والبناء، راسمة المعالم والتفاصيل والملامح الأساسية في سوريا طوال عشرات السنوات، ابتداءً من الطرق والجسور والأنفاق وانتهاءً بالمراكز الثقافية والجامعات والمسارح القومية والوطنية والمجمعات الرياضية في كافة المحافظات السورية، في مشهد جدلي بين العسكرة والعمران الممزوج برغبات السلطة الحاكمة ومخططاتها الأمنية. بدت هذه الأشياء كلها واضحة أمامي مع ترنّح ذلك الباص القديم المنهك وكأنه كان يرمز إلى أشياء أكبر منه ومن أحاديث أولئك الموظفين الحزبيين.

لم يكن يخطر في بالي حينها أن ذلك المبنى الكبير الذي أعمل فيه سيصبح بعد عدة سنوات أكبر مقرات القيادة لتنظيم داعش في تلك المنطقة، كان بركان من التغييرات يهيئ نفسه كي يجتاح الحسكة وسوريا كلها، وكان الاستغراب سيد الموقف لدى كثيرين، من السياسة الهادئة التي يتبعها النظام السوري في محافظة الحسكة، رغم أنه استخدم العنف المفرط في الكثير من المناطق. ربما كنا نحتاج لسنوات حتى نعلم أن تلك السيادسة الهادئة كانت تندرج تحت مسمى سياسة المناطق الهادئة.

استمرت الأحداث في سوريا بالتطور التدريجي، السرقات باتت تنتشر في المشروع دون رقيب أو حسيب، والموظفون باتوا في أكثر الفترات إهمالًا للعمل والدوام، وباتت الفوضى سيد الموقف في كل شيء. سمعت أحد المشرفين على العمال يقول لهم إن عليهم جميعًا أن يحضروا في المساء إلى مقر حزب البعث في البلدة حتى يوزّع السلاح على كافة الأعضاء. ربما أسهم ذلك في إدراكي للغاية من إنشاء هذه المؤسسة وتوسيع نطاق عملها في إطار أمني حزبي استخباراتي، فها هي اليوم بصدد تحويل الموظفين الحزبيين إلى جنود مدافعين عن نظام سوف يحرق كل شيء، وربما سيصبح المشفى الذي لن يكتمل بناؤه الشاهد الأبرز والوحيد على التغيرات التي سوف تعصف في مدينة الشدادي التي كان سكانها من أكثر الناس بساطة في العيش وطيبة في القلب والمعشر.

أما الموظفون فكانت نقاشاتهم السياسية ذات سوية فكرية محدودة، تأخذ وقتهم طوال الطريق وفي العمل، البعض كان مدافعًا شرسًا عن النظام وتعامله الأمني ضد المتظاهرين، والبعض كان يستبشر الخير بقرارات الإصلاح المزعومة والحكومة الجديدة، وآخرون ممن يخافون قول ما في قلوبهم كانوا يرمقون النظرات إلى بعضهم البعض يسكتهم ذلك الراتب الشهري الذي هو سبيل الحياة في هذه الأرض القاحلة.

كان المشهد يترنح مع الحافلة بين التناقض والمنطق والمجهول، وكإنسان كردي، كان دوري يقتصر كرفاقي على الصمت والتعاطف القلبي مع الثورة، وكنت أستمع طوال الطريق بخلسة إلى أغاني سميح شقير وإلى أغنية الفنان الكردي شفان برور، التي أطلقها لنصرة الثورة السورية ملبيًا نداء شقير. بعد عشرات السنين تلك الكلمات كانت رياحًا تدخل إلى داخل الروح لأول مرة.

توالت الأيام والأحداث وأتى ذلك اليوم الذي انتهى فيه مخزون مؤسسة الإسكان العسكري من مادة المازوت ولم تستطع تأمينها مع تدهور الأوضاع الأمنية، توقفت الحافلة وتبعثر المشهد كلّه لتتحول سوريا كلها إلى حافلة حمراء مترنحة نحو المجهول.

مقالات متعلقة

  1. بالصور.. رويترز ترصد "التعفيش" في الشدادي
  2. "الدولة الإسلامية" تخسر بلدة استراتيجية في الحسكة
  3. "التحالف" يقتل العشرات من تنظيم "الدولة" في الشدادي
  4. شركات إيرانية لتنفيذ مشاريع الإسكان في سوريا

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة