ثورة الكوميديا السورية على “يوتيوب”

ثورة الكوميديا السورية على “يوتيوب”

عنب بلدي عنب بلدي
hamsood.jpg

فريق برنامج حمصوود (صفحة البرنامج في فيس بوك)

عنب بلدي – علي بهلول

في عام 2005 أنشأ ثلاثة مبرمجين شباب موقعًا إلكترونيًا من أجل المواعدة عبر الفيديو، لكن حادثتين سببتا بتغيير مصير هذا الموقع.

كانت الأولى حين لم يتمكن أحد مؤسسي الموقع من العثور على مقطع فيديو لأحد المطربات على الإنترنت، والثاني حين لم يتمكن المبرمجون الثلاثة من مشاركة مقطع فيديو فيما بينهم، لأن خدمة البريد الإلكتروني لا تتيح لهم ذلك.

وهكذا قرروا التعديل على موقعهم بحيث يلبي حاجاتهم، لكن تعديلاتهم هذه أدت إلى ولادة موقع يستخدمه ثلثا مستخدمي الإنترنت حول العالم، “يوتيوب”.

ويبدو أن حاجة الشباب الثلاثة كانت مشتركة مع عدد هائل من البشر، لذلك بات موقعهم اليوم مصدرًا مساعدًا للعديد من مراكز الدراسات النفسية، التي تعتمد على تحليل محتوى الفيديوهات، وأعداد مشاهدتها، لاستنتاج نمط جمهورها وحاجاته.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بات اسم الموقع مقترنًا بأحداث هزّت العالم، سياسيًا واجتماعيًا، كان أبرزها الصفة التي اقترنت بثورات الربيع العربي، التي اعتمدت على “يوتيوب” كمنصّة لتوثيق الأحداث، وعلى “فيس بوك” و”تويتر” لنقلها، حتى سُميت بـ “ثورات اليوتيوب”.

البدايات السورية

البدايات الطاغية من الاستخدام السوري لـ “يوتيوب” كانت بلا شك لتحميل المظاهرات ومشاهدتها، وما تلاها من اشتباكات ومعارك.

لكن في ذروة الحراك السلمي من الثورة التي اعتمدت في الكثير من مظاهراتها على السخرية، إما من رموز النظام أو المجتمع الدولي، ولاحقًا المعارضة نفسها، برزت مقاطع الفيديو التي تسخر من الحياة اليومية للثوار أنفسهم، فيما يمكن تسميته بالكوميديا السوداء.

السخرية إذن هي السلاح الأكثر فتكًا الذي اعتمد عليه السوريون، لما تحمله من خاصية خلق مسافة تفصل بين الساخر وموضع سخريته، وتبرئه منه.

هكذا سخر السوريون من كواليس السياسة، الأعمال الحربية، التنظيمات الإرهابية مثل “الدولة الإسلامية”، ووصل الأمر حد السخرية من بنية النظام الاجتماعي، والذاكرة الشعبية للسوريين.

إنهم يرفضون كل شيء، ولا يستطيعون تقبل ما وصلت إليه حالهم، لذلك يسخرون دومًا.

مساحة للحياة

حرمت مواقع التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا، التلفزيونات ووسائل الإعلام التقليدية من احتكارها لصناعة المحتوى، ولأول مرّة بدأ الجمهور بإنتاج محتواه، والتفاعل معه، ولا رقيب عليهم سوى مبادئ عامة مستندة غالبًا إلى حقوق الإنسان، مثل عدم الإتجار بالبشر، أو التحريض على العنف والكراهية، أو الإساءة للأطفال، وما إلى ذلك.

وفي الحقيقة لم تكسر هذه الثورة التكنولوجية السلطة الإعلامية فقط، بل استهدفت ما هو أبعد منها بقليل، ويقف خلفها تمامًا، السلطة السياسية.

في بلدان مثل الشرق الأوسط، كانت الثورة التكنولوجية استهدافًا حقيقيًا للأنظمة البوليسية المتوحشة، لذلك يُلاحظ حضور كثيف للسوريين مثلًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى إنهم يسخرون من هذا الأمر أيضًا، فقلما تجد شابًا في أوروبا أو تركيا، بعيدًا عن سلطة النظام السوري، وليس صانع محتوى على “يوتيوب”.

لأول مرّة، يستخدم السوريون أجسادهم وأصواتهم للتعبير عن شخصيتهم، وليس كأدوات في سجلات النظام الرسمية، أو صور في الهويات الشخصية التي تطلبها الحواجز، أو أصوات مرتعبة تنفي التهم الموجهة إليها، أو تعترف بما يريده الجلادون.

وبعد أن خسر الشباب شوارعهم التي تظاهروا فيها، وعبّروا عن أنفسهم من خلالها، توجهوا نحو الفضاء الذي لا يضيق.

وربما تُفسر هذه الاستنتاجات سبب وجود الكثير من المحتوى الرديء فنيًا في “اليوتيوب السوري”، إنهم يعبّرون عن أنفسهم، سواء كانوا أشخاصًا جيدين أم لا، يتمتعون بحق أن يكونوا ما أرادوا، وليس ما يتوجب عليهم أن يكونوا. “يوتيوب” إذن ليس منصّتهم الفنية، إنما فسحتهم للحياة.

الكوميديا كقاسم وطني

بالرغم من وفرة المحتوى السوري السياسي الساخر على “يوتيوب”، وإذا سلّمنا جدلًا بصحّة الافتراض حول ارتباط الوضع السياسي بالتوجه نحو السخرية، إلا أن عزوفًا واضحًا عن الخوض في معركة النظام والمعارضة، يبدو جليًا في المحتوى الذي ينتجه شباب سوريون.

يُفسر صانعو المحتوى هذه الحالة إما بضياعهم هم أنفسهم، وعدم قدرتهم على تقديم شيء يرضيهم حول الموضوع، وإما بعزوف المشاهدين أنفسهم عن متابعة محتوى سياسي، بالرغم من أنهم ومنذ سنوات الخبر السياسي الرئيسي في وسائل الإعلام حول العالم.

يتشارك معظمهم في مبدأ عام، نحن هنا للضحك والمرح فقط، حتى إننا نشكّك في قيمة المحتوى الذي نصنعه، رسالتنا تتلخص بالوسيلة نفسها، أن نضحك، ونصنع من هذا الضحك مساحة حيادية تجمعنا، هو كل ما نريد.

هذا ما يمكن استنتاجه من متابعة مقاطع الفيديو للعديد من اليوتيوبر السوريين، وما يكتبونه عن أنفسهم ومشاريعهم. هكذا تتجلى الكوميديا على براعتها ورداءتها، كقاسم وطني مشترك بين السوريين.

المكاسب المادية

لا يتوقف الأمر عند الأهداف الفكرية، فـ “يوتيوب” الذي هزّ عرش القنوات التلفزيونية، وأحدث ثورةً في أسلوب متابعة الجمهور، سرعان ما استقطب المعلنين، وبات مستخدمو الموقع يصادفون الإعلانات داخل مقاطع الفيديو.

وهكذا بات صانعو المحتوى في منافسة لاستقطاب المشاهدين، ما يرفع نسبة حصولهم على إعلانات تحقق لهم أرباحًا مادية.

هذا لا يعني بالضرورة أن المحتوى الجيد يجذب مشاهدين أكبر، فالقاعدة تحتمل الوجهين، إما أن يكون شديد الرداءة، وإما أن يكون مبتكرًا بارعًا، فكلاهما ولشدة تناقضهما يثيران فضول الجمهور، وفق ما يوضح شباب سوريون يعملون في مجال استقطاب المعلنين.

ويضيف تقنيون في عنب بلدي أن “يوتيوب” يدعم المحتوى الغزير وليس المحتوى الجيد، ومعظم الذين حققوا اليوم أرباحًا طائلة بسبب عدد المشاهدات، لديهم تاريخ طويل من الفشل والمحتوى الرديء، لكنهم حافظوا على غزارة إنتاجهم.

ويوضح التقنيون أن جذب أكبر عدد من المشاهدين خلال فترة زمنية محددة يرفع نسبة الأرباح، ويختلف هذا بالطبع من بلد إلى آخر، فكل مشاهدة يختلف سعرها باختلاف مكانها الجغرافي، المشاهدون من سوريا مثلًا لا يتلقى صانعو المحتوى تعويضًا ماليًا عنهم.

كما أن أعلى أرباح مادية تذهب لأولئك الذين يقدمون مراجعات لأدوات تقنية، مثل الموبايلات والكاميرات وغيرها، فهم بهذه الطريقة يُقيمون علاقة مستقلة مع المعلِن، ويحصلون على أرباح صافية لا تشاركهم فيها “يوتيوب”.

تجارب سورية

تعتمد قوّة المحتوى في أحد أهم جوانبها على شخصية المقدّم، من خلال لغة جسده، أسلوب كلامه، واختراعه لهوية لفظية افتتاحية تميّزه عمّن سواه.

حمصوود

نجد مُقدم أوّل برنامج نقدي ساخر من الدراما السورية والعربية، عبد الرحمن دندشي، يبدأ فيديوهاته دومًا بعبارة “كل أربعا وأنتو بخير”، وقد استغل أصوله التي تعود إلى مدينة حمص، وما ارتبط بها من دعابات شعبية حول جنون أهلها، و”النكتة” التي تقول إنهم يحتفلون بكل يوم أربعاء بـ “عيد المجانين”، ليخلق صلة حميمية بينه وبين ذاكرة المشاهد.

وقد بدأ دندشي تجربته عام 2015، من خلال برنامجه الذي حمل اسم “حمصوود”، ويُعتبر اليوم من أشهر مقدمي البرامج السوريين عبر “يوتيوب”، بالرغم من الانتقادات التي طالته بسبب التكرار وعدم التجديد بحسب بعض المتابعين له.

فضلًا عن محاربة شركات الإنتاج له بسبب انتقاده للمسلسلات التي تنتجها، ما أدى إلى حذف العديد من فيديوهاته بسبب الشكاوى.

وسام تيكت

كذلك برزت تجارب حاولت تفعيل دور الجمهور في صناعة المحتوى، ما جعلها أشبه بالمسرح التفاعلي، كما فعل وسام فخر الدين، الذي تمكن من تحويل تعليقات الجمهور إلى سكيتشات كوميدية، ليري المشاهد ما كان يُفكر به بالصوت والصورة.

برنامج فخر الدين الذي يحمل اسم “وسام تيكت”، إشارة إلى إستعداد السوريين للتخلي عن كل شيء مقابل الحصول على “تيكت” الطائرة الذي سينقذهم من الموت، لكن هذه المرة “التيكت” ستكون تذكرة عبور نحو الضحك.

أُغلقت قناة فخر الدين الأولى بسبب شكاوى تتعلق بالتنمّر الإلكتروني (استخدام الإنترنت بهدف إيذاء الآخرين)، فيما يبدو أنه كان سخرية لاذعة، ما يشير إلى ضرورة توجيه هذا المحتوى، وتحميله رسالة، لا سيما وأن تجربته باتت اليوم تصل إلى أكثر من مليون مشاهد.

عمرو مسكون

أيضًا قدم عمرو مسكون، الذي لم يتجاوز العشرين من عمره، تجربة فريدة في إعادة تصوير العلاقات الأسرية النمطية، بجهد فردي وأدوات بسيطة، حيث يقوم وحده بتأدية جميع الأدوار.

مسكون حظي بشهرة واسعة بعد مشاركة قناة “MBC” لأحد فيديوهاته، التي تناول من خلالها خبر زواج تيم حسن من وفاء الكيلاني، والذي شغل مواقع التواصل الاجتماعي لفترة طويلة.

هذه التجربة اعتمدت على منافس مثل التلفاز لتأكيد نجاحها، واليوم قلما تجد مقطع فيديو لمسكون لم يشاهده مليون شخص.

هيلا غزال

ودخلت الشابة هيلا غزال (22 عامًا) عالم “يوتيوب” من بوابة العلامات التجارية، فأغلب محتواها قائم على تقديم قصة كوميدية للترويج لمنتج معين.

وصل عدد المشتركين في قناة هيلا إلى أكثر من أربعة ملايين متابع، وبدأت إنتاج برامج ساخرة، تشاهَد كل حلقة منها ما لا يقل عن مليوني مرة.

وقد اختارتها الأمم المتحدة سفيرة لبرنامج التغيير عام 2016، كون محتواها يحرص أيضًا على تمكين المرأة وتعزيز الروابط الأسرية.

بالتأكيد لا تحظى هذه التجارب بتوافقٍ عامٍ، ويقول كثيرون إنها ليست ساخرة حتى، لكن التفاعل عليها وما تثيره من نقاشات يثبت نجاحها في اختراقها حياة الشباب السوري.

من جانب آخر ظهرت تجارب أثارت غضب الجمهور، مثل تجربة آدم كدورة، الذي قدم العديد من الفيديوهات التي اعتبرها الكثير من المتابعين مسيئة للمرأة بسبب التعدي على حريتها، أو تهديدها، أو التقليل من شأنها، فضلًا عن منح نفسه حق التعميم على المجتمع السوري، لا سيما بعلاقة الذكر بالأنثى، حيث أسقط عن الأخيرة كل قيم الشرف وفق معايير لم يسمع بها أغلب السوريين، كأن تصافح الفتاة ابن عمها.

ولم تخلُ ساحة النظام من بعض التجارب، إذ سعى من بداية الثورة إلى محاكاة النشاطات السلمية المناهضة له، وفسح المجال أمام بعض الشباب لإنتاج المحتوى، مثل محمود الحمش الذي اعتمد على أسلوب الكوميديا اللفظية، والتلاعب بالكلام، والذي يعود تاريخه إلى قرونٍ خلت، وسرعان ما خرج الشاب من المنافسة ودخل استديوهات قناة “سما”.

ثورة الكوميديا

يستخدم “يوتيوب” يوميًا أكثر من أربعة مليارات إنسان حول العالم، ما يعني نصف سكان كوكب الأرض، أي لا يمكن تجاهل دوره في تكوين الشخصية إلى جانب العائلة والمدرسة.

بل إنه يحوز بالتأكيد على النصيب الأعلى في تكوين الرأي العام، كونه يُقدم المحتوى بالصوت والصورة التي تقطع الشك باليقين.

ومع تشتت السوريين في دول العالم، باتت منصة مثل “يوتيوب” مساحة مهمة لالتقائهم، والتأثير بهم وتوجيههم، ما يعني أن مسؤولية كبيرة تقع على كاهل من قبل أن يكون منتج محتوى على هذه المنصّة.

وحتى لو كانت الكوميديا هي الأداة الأكثر رواجًا التي يعتمد عليها السوريون، فإنها بكل تأكيد تحمل العديد من الرسائل، كونها وسيلة لتفكيك الزيف، وكشف التناقض بين الخطاب الإعلامي، وما يجري على أرض الواقع، وفق ما يفسرها بعض الفلاسفة.

وفي ظل تداخل الثقافات التي تتميز بها مجتمعات اللجوء، وما ينتج عنها من تنافر واختلاف، يبدو أن السوريين سيجدون تربة خصبة للعمل عليها كوميديًا كما يرغبون، وبما يُساهم بتخفيف حدة الصدام بين اللاجئين والمستضيفين.

الكوميديا عبر “يوتيوب” أداة ثورية أيضًا، ولا يمكن تقديمها خالية من هدف أو رسالة، وإلا تحوّلت إلى تهريج أشبه بالسيرك، وكثيرًا ما أضرّت مثل هذه التصرفات بسلامة أفراد وجماعات من اللاجئين، كما رأينا مؤخرًا بعد تداول مقاطع فيديو تدعي بأنها “كوميدية” لشاب سوري يحاول مغازلة فتيات تركيات “إثباتًا للفحولة”.

مقالات متعلقة

  1. لا مشكلة بتحميل الفيديو من الإنترنت بعد الآن
  2. أكثر 10 فيديوهات مشاهدة على يوتيوب لعام 2015
  3. لمـاذا الانتـرنت بطـيء جـدًا
  4. احصل على فيديو يوتيوب بدون برامج

Top
× الرئيسيةأخبار وتقاريراقتصادرأي وتحليلناسفي العمقملتيميديارياضةتكنولوجياثقافةصحافة غربيةسوريون في الخارجالنسخة الورقية