× الرئيسية أخبار وتقارير اقتصاد رأي وتحليل ناس في العمقملتيميديا رياضة تكنولوجيا ثقافة سوريون في الخارج مارس النسخة الورقية

القرحة الهضمية.. اعتقادات خاطئة تجاوزها الطب

ع ع ع

د. كريم مأمون

يعتبر داء القرحة الهضمية أحد أمراض الجهاز الهضمي الشائعة بين الناس، فهو يصيب ملايين الأشخاص حول العالم سنويًا.

وظلت الاعتقادات الخاطئة تحيط بهذا الداء لفترة طويلة في الماضي، إذ كان يعتقد أنه ينجم عن التوتر النفسي أو تناول الأطعمة المشبعة بالبهارات، كما أنه كان يعتبر مرضًا مزمنًا يتحتم على المصابين به اعتياد العيش معه طوال حياتهم، ولكن تبين أن الأسباب الحقيقية لداء القرحة الهضمية مختلفة عما كان سائدًا، وكذلك يكفي العلاج الدوائي المناسب لشفاء معظم الحالات، كما يساعد على التخفيف بشكل فوري من أعراضها.

ما المقصود بالقرحة الهضمية؟

هي تآكل أو جرح في الغشاء المخاطي المبطن لجدار المعدة أو الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة أو أسفل المريء، ما يؤدي إلى انكشاف الطبقة الداخلية من الجدار المعوي، وحدوث ألم شديد.

وتسمى القرحة الهضمية:

القرحة المعدية: عندما تحصل في المعدة.

القرحة الاثني عشرية: عندما تحصل في الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة المسمى بالاثني عشر.

القرحة المريئية: وتكون في الجزء السفلي من المريء، ويرتبط وجودها بوجود ارتجاع لحمض المعدة إلى المريء.

وخلافًا للاعتقاد السائد، فإن القرحات التي تظهر في الاثنى عشر تفوق عددًا تلك التي تظهر في المعدة، وبشكل عام يصيب داء القرحة الهضمية الرجال أكثر من النساء، فتقدر نسبة انتشاره بـ 12% من الرجال و10% من النساء.

ما أسباب الإصابة بالقرحة الهضمية؟

يرتبط حدوث القرحات المريئية بمرض الارتجاع المعدي المريئي، حيث يؤدي الحمض المعدي إلى التهاب الغشاء المخاطي للمري وتقرحه.

أما المسبب الأساسي لمعظم حالات القرحات المعدية والاثني عشرية (%90 من حالات قرحة الاثني عشر و%60 من قرحة المعدة) هو الإصابة بجرثومة الملوية البوابية (Helicobacter pylori) التي تعيش في الطبقات المخاطية المبطنة للمعدة، وهي في العادة لا تسبب مشاكل، ولكن في بعض الحالات تؤدي إلى التهاب الطبقات المخاطية وحدوث القرحة.

ورغم عدم وضوح آلية العدوى بهذه الجرثومة، فإنه يعتقد أن التواصل المباشر عن طريق الفم (التقبيل أو مشاركة أدوات الطعام مثلًا) ينقلها، كذلك عن طريق شرب أو تناول الأطعمة الملوثة، وقد تنتقل عن طريق التلامس، كما أن استعمال المراحيض المشتركة قد ينقل العدوى.

والمسبب الآخر للقرحات المعدية والاثني عشرية هو تناول مسكنات الألم المعروفة بمضادات الالتهاب اللاستيروئيدية (NSAIDS)، مثل الأسبرين والآيبوبروفين والديكلوفيناك والنابروكسين، إذ تؤدي إلى تخريش بطانة المعدة والأمعاء وإصابتها بالالتهاب والتقرح.

وهناك بعض العوامل التي تزيد من احتمال الإصابة بالقرحات الهضمية:

. التدخين: يعتبر سببًا مهمًا يزيد من حدوث داء القرحة الهضمية، كذلك يزيد من خطورة حدوث المضاعفات، ويُعيق العلاج، فالنيكوتين يعمل على زيادة حجم وتركيز حمض المعدة، كما يؤدي إلى تصلب الشرايين ما يسبب نقصًا في التروية الدموية ينتج عنه قرحة.

  • عوامل وراثية: خاصة في قرحة الاثني عشر، لكن هذه العوامل لم تحدد بعد.
  • زمرة الدم: وجد أن حاملي الدم من الزمرة O معرضون للإصابة أكثر من غيرهم.
  • الضغط النفسي الزائد: كما هو مثبت فإن الضغط النفسي يزيد من إنتاج حمض المعدة، ومع أن هناك جدلًا حول دوره في نشوء القرحة، لكن المؤكد أن الحروق وإصابات الرأس تؤدي إلى نشوئها (قرحة الشدة)، وقد تم تسجيلها لدى حالات موضوعة على جهاز التنفس الاصطناعي.

. تناول الكحول: فهو يخرش القناة الهضمية ويزيد إفراز الحمض فيها.

ما أعراض الإصابة بالقرحة الهضمية؟

  • ألم في البطن: ألم فارك مع شعور بالحرقة، ويتميز بأنه:

يكون في منطقة أعلى البطن ما بين السرة وأسفل القفص الصدري.
قد تستمر الآلام من دقائق إلى عدة ساعات.
يسوء الألم خاصة بين الوجبات عندما تكون المعدة خاوية من الطعام، لكن القرحة المعدية قد تسبب ألمًا خلال تناول الوجبة بسبب إفراز حمض المعدة.
بعض الأحيان يحدث أن يستيقظ المريض في منتصف الليل من هذه الآلام المزعجة.
يخف الألم مؤقتًا عند تناول أطعمة معينة تقوم بمعادلة حمض المعدة، أو بعد أخذ مضادات الحموضة (الأدوية التي تقلل من إفراز حمض المعدة).
تختفي الأعراض عادة لمدة تتراوح ما بين عدة أيام إلى عدة أسابيع لتعود للظهور مرة أخرى في دورة ألم جديدة.
نادرًا ما تؤدي القرحة إلى ثقب في المعدة أو الاثني عشر، وهذا يسبب ألمًا شديدًا ويتطلب جراحة عاجلة.

  • شعور بانتفاخ البطن بعد الطعام.
  • تقيؤ المساء: اندفاع اللعاب بعد سلسلة من التقيؤات لتخفيف الحمض في المريء.
  • غثيان.
  • فقدان الشهية للطعام وبالتالي فقدان الوزن.
  • قيء الدم: وهو يحدث نتيجة نزيف في القرحة المعدية أو نتيجة تضرر أو تدمير خلايا المريء بسبب عملية التقيؤ المستمرة، ويتراوح لونه ما بين الأحمر القاني والبني الداكن كطحل القهوة.
  • براز أسود: يكون سائلًا شديد السواد كالزفت.

كيف يتم التشخيص؟

قد يلجأ الطبيب إلى التدابير التالية لتشخيص هذا المرض:

– الفحص المخبري للكشف عن جرثومة الملوية البوابية.

– إجراء فحص التنظير الهضمي العلوي: الطريقة الوحيدة لتأكيد تشخيص الإصابة بالقرحة الهضمية، حيث يستطيع الطبيب بواسطته رؤية جوف المريء والمعدة وبداية الأمعاء من الداخل، وخلاله يمكن تشخيص القرحات، تحديد مكانها، استخراج العينات، تشخيص المضاعفات وعلاجها إذا لزم الأمر، ويتم أخذ خزعات في حال القرحات المعدية لتشخيصها ونفي حالات سرطان المعدة.

وعند المرضى فوق سن الـ 45 سنة وعند استمرار الأعراض فترة أكثر من أسبوعين تكون احتمالات القرحة الهضمية لديهم عالية وكافية لخضوعهم للفحص السريع والمؤكد عن طريق استخدام المنظار.

– التصوير الشعاعي للجهاز الهضمي: كان أكثر استعمالًا في السابق، وخلاله يقوم المريض بشرب سائل يحتوي على مادة الباريوم ثم يتم التصوير بالأشعة السينية فيرتسم الجهاز الهضمي والقرحة.

اختبارات تشخيص عدوى الجرثومة الملوية البابية

  • فحص الأجسام المضادة للجرثومة الملوية البابية في الدم: يمكن اكتشاف هذه الأجسام بفحص دم بسيط، إلا أن لهذا الفحص سلبيات حيث إنه لا يميز بين التعرض السابق والحالي للعدوى.
  • فحص المستضد في البراز: يساعد هذا الاختبار على فحص وجود الجرثومة في البراز، كما أنه يساعد على متابعة فعالية العلاج.
  • اختبار اليوريا بالزفير: ويتم تناول اليوريا بواسطة مشروب سائل ثم الزفير بعد ساعة إلى جهاز معين يكتشف تركيز اليوريا في الزفير، واليوريا هي أحد المواد التي تستطيع جرثومة الملوية البوابية أن تحللها، فإذا وجدت الجرثومة فإن اليوريا ستتحلل ويمكن اكتشاف الأمر بواسطة الجهاز، ويساعد الاختبار على التشخيص وعلى متابعة العلاج، ويعتبر من أكثر الاختبارات استعمالًا.
  • اختبار اليوريناز السريع: اختبار يجرى مباشرة بعد استخراج العينة لاختبار وجود أنزيم اليوريناز وهو الأنزيم الذي تفرزه الجرثومة الملوية البابية لتحليل اليوريا، ويعتبر الاختبار سهل التنفيذ ولا يستغرق وقتًا.
  • زرع الجرثومة من العينة المستخرجة (Culture): لا يستخدم الأطباء هذا الفحص كثيرًا لأنه يستغرق عدة أسابيع، لكن ميزته أنه يؤكد بلا شك وجود أو عدم وجود الجرثومة، كما أنه يستطيع تحديد المضادات الحيوية التي تعمل ضد الجرثومة. 

ما المضاعفات المحتملة لداء القرحة الهضمية؟

يؤدي داء القرحة الهضمية لعدة مضاعفات، وخاصة إذا كان مزمنًا ولم يتم تشخيصه أو علاجه، وتشمل التالي:

النزف: نتيجة ثقب في أحد الأوعية الدموية مما يجعله ينزف، ويتظاهر بإقياء دم أحمر إذا كان النزيف شديدًا، أو إقياء كطحل القهوة إذا كان النزيف بطيئًا، ويظهر الدم في البراز أيضًا، وقد يظهر كدم أحمر إذا كان النزيف شديدًا، أو براز أسود زفتي ذي رائحة كريهة إذا كان النزيف بطيئًا، وقد يحصل فقر دم لدى المريض بسبب فقدان الدم المتواصل، ويمكن علاج النزيف بتنظير المعدة أو بالمعالجة الجراحية.

الثقب: يحدث إذا أدت القرحة إلى انثقاب جدار المعدة أو الاثني عشر، ويؤدي الثقب إلى التهاب الصفاق، ما يسبب ألم البطن الحاد والمنتشر، الحرارة المرتفعة، الجفاف والإمساك، ويتطلب الثقب المعالجة الجراحية الفورية.

الاختراق (النفاذ): نوع من الانثقاب يستمر فيه الثقب ليصل إلى عضو آخر مجاور كالبنكرياس أو القولون أو الكبد، وهذا يؤدي إلى أعراض عديدة مثل ألم البطن الممتد إلى الظهر في حال اختراق البنكرياس، ألم البطن الأيمن الأعلى عند اختراق الكبد وأخرى.

الانسداد: يكون حادًا بسبب وجود التهاب وانتفاخ حول القرحة، أو مزمنًا بسبب ظهور الندبات مكان القرحة الهضمية، وفي الحالتين يؤدي الأمر إلى انسداد مخرج المعدة، ما يسبب أعراضًا كألم البطن، القيء المتكرر، انتفاخ البطن، فقدان الوزن، الشبع المبكر، ويعالج الانسداد بالتنظير أو جراحيًا.

أخيرًا.. فإن لعلاج القرحات الهضمية عدة خيارات، فقد يكفي العلاج بالأدوية التي تقلل إفراز الحمض المعدي، وقد تحتاج للمشاركة مع المضادات الحيوية عند وجود تلوث بجرثومة الملوية البوابية، وقد يكون هناك حاجة للتداخل الجراحي عند حدوث المضاعفات مثلًا.. وهذا ما سنتناوله في عددنا المقبل.

مقالات متعلقة

  1. مرضى القرحة الهضمية.. نصوم أو لا نصوم؟
  2. القرحة الهضمية.. العلاج الصحيح يشفيها بشكل كامل
  3. عسر الهضم.. قد يكون علامة لمرض خطير
  4. الألم البطني المتكرر عند الأطفال

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة