المجلس الوطني الكردي.. دون أسلحة في معركة السياسة السورية

Kurd-Syria-Enabbaladi.jpg

احتفال أهالي مدينة القامشلي بيوم ميلاد مال مصطفى البارزاني في سوق حطين برعاية مجلس الوطني الكردي - 2015( شبكة صوت الكرد)

المجلس الوطني الكردي.. دون أسلحة في معركة السياسة السورية

عنب بلدي عنب بلدي

بعد عقود من العمل السياسي الحزبي الكردي سيطرت عليها صيغة التفكك والانقسام والانشقاقات، جاءت الثورة السورية لتوضّح معالم الخريطة السياسية الكردية، وإن لم يكن هذا التوضيح شرحًا وإنما تحديدًا لإطارات يمكن أن تصنف في ظلها الحركة السياسية الكردية.

بعد الثورة السورية تشكل قطبان كرديان متباينان من حيث الرؤى والأهداف والتطلعات السياسية، هما المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي، اللذان ارتبطا بعلاقات اقتربت من العداء، وعلى الرغم من المسعى المشترك لتسيير “المشروع القومي الكردي”، إلا أن الأدوات المستخدمة في سبيل هذا الهدف من قبل الطرفين اختلفت اختلافًا كبيرًا، وشكلت في كثير من الأحيان جوهر الصراع ومسرحًا مناسبًا لتبادل الاتهامات.

حاول المجلس الوطني بعد تأسيسه نهاية العام 2012، وعلى خلاف حزب الاتحاد الديمقراطي، الانخراط في صفوف المعارضة السورية والاشتراك معها في تمثيل الشعب السوري في الهيئات السياسية حديثة الولادة، فكان أن تمكن من تمثيل قسم من الأحزاب الكردية في الائتلاف السوري المعارض، وشارك في هيئات التفاوض، متجاوزًا الخلافات مع المعارضة حول أمور عدة أبرزها شكل نظام الحكم في سوريا ما بعد الأسد.

على الصعيد التنظيمي تمكن المجلس الوطني بصعوبة من التغلّب على الانقسامات والانسحابات في صفوف الأحزاب المنضمّة إليه، واستطاع إلى حد ما أن يقاوم بصعوبة إرث التشرذم الذي خلفته ستة عقود من العمل الحزبي الكردي في سوريا.

اجتماع المجلس الوطني الكردي في قاعة المؤتمرات في القامشلي – حزيران 2015( المركز الإعلامي لحزب يكيتي الكردي السوري)

المجلس الوطني الكردي.. التائه في دوامة السياسة الكردية والمعارضة السورية

بدت الثورة السورية مع انطلاقتها صدمة للأحزاب الكردية التي عانت منذ تشكل نواتها في خمسينيات القرن الماضي من تصدّعات كثيرة، إلّا أنّ قسمًا منها قرر الانخراط في الحراك الشعبي ودعم حقوق الشعب السوري في الحرية والكرامة على اعتبارها تمثّل قسمًا من هذا الشعب.

وفي البحث عن صيغة تنظيمية لهذه الأحزاب التي أبدت إعجابها بفكرة “النضال السلمي”، انطلق المجلس الوطني الكردي في تشرين الثاني عام 2011، بعد الاجتماع الذي رعاه رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البرزاني، في مدينة أربيل عاصمة الإقليم.

ضم المجلس في بداية تأسيسه غالبية الأحزاب الكردية، إلى أن وصل عدد الأحزاب المنضوية تحته إلى 13، وتكونت جمعيته العمومية من 26 عضوًا، 15 منهم قادة الأحزاب الأعضاء في المجلس، و11 من المستقلين، وتولى عبد الحكيم بشار، الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردي (البارتي) منصب أول رئيس للمجلس.

عداء الـ “PYD” و”سلطة الوكالة”

أبدى حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) حماسة كبيرة للمشاركة في المجلس الوطني الكردي بداية تشكيله، لكنه راوغ فيما بعد وتخلف عن حضور المؤتمر التأسيسي، الأمر الذي تحول لاحقًا إلى حالة خصام تصاعدية، بدأت بمحاولات تقارب صعبة وانتهت بصدام مباشر أخذ شكل الاعتقالات والتضييق الأمني من قبل “PYD” الذي استأثر بالسلطة في المناطق التي يوجد فيها الكرد في سوريا (محافظة الحسكة، ريف الرقة، عفرين).

ويلقي المجلس الوطني باللوم على حزب الاتحاد الديمقراطي في تراجع العلاقات، إذ يقول عضو لجنة العلاقات الخارجية للمجلس الوطني الكُردي والقيادي في حزب “يكيتي”، سليمان أوسو، في لقاء مع عنب بلدي، “وقعنا ثلاث اتفاقيات (هولير1، هولير2، دهوك)، تحت رعاية مسعود البرزاني ولم يلتزم هذا الحزب بالاتفاقيات الموقعة بيننا، بل يريد بسياسته وممارسته إنهاء الحياة السياسية في كردستان”.

فؤاد عليكو، وعضو الهيئة السياسيةفي الائتلاف الوطني

ويرى فؤاد عليكو، ممثل المجلس الوطني الكردي وعضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني، أن عدم التزام حزب الاتحاد الديمقراطي بالاتفاقيات الموقعة مع المجلس هو عبارة عن سياسة تكتيكية، لافتًا إلى أن المجلس “دفع ضريبة كبيرة جراء تلك السياسة”.

أما حول موضوع التضييق الأمني الذي يمارسه حزب الاتحاد الديمقراطي ضد المجلس، فيضيف عليكو، في لقاء مع عنب بلدي، “في عفرين وكوباني والجزيرة أغلقت جميع مقار المجلس والأحزاب التابعة له، ويصل إجمالي عدد المقرات المغلقة إلى 70، فضلًا عن الاعتقالات المستمرة بحق قياديين في أحزاب المجلس”، كما وصف سلطة الحزب بأنها “سلطة الوكالة”، متهمًا إياه بالتعاون والتنسيق مع النظام السوري.

ويحدّ ضعف الدور العسكري للمجلس الوطني من قدرته على مواجهة السلطة القمعية لـ “PYD”، إذ يشير عليكو إلى أن المجلس يمارس سياسة الدفاع عن الذات بالوسائل السلمية من مظاهرات واحتجاجات وفضح إعلامي، إلا أن عدم وجود قوة عسكرية على الأرض مرتبطة بالمجلس تمنح مجالًا لمزيد من الضغط من حزب الاتحاد الديمقراطي.

خلافات اللامركزية مع المعارضة “لا تفسد للود قضية”

جاء تشكيل المجلس الوطني الكردي بهدف أساسي، وهو المشاركة ضمن صفوف المعارضة السورية في تمثيل الثورة السورية، إلا أن انسحاب حزبين كرديين من المجلس الوطني السوري الذي سبق تشكيل المجلس الكردي، رسم أول معالم الصدام مع المعارضة، الأمر المرتبط برفض المجلس الوطني السوري الاعتراف باللامركزية السياسية، وإصراره على اللامركزية الإدارية كتصور لشكل الحكم في سوريا ما بعد الأسد.

كما كان لرفض المجلس الوطني السوري الاعتراف بـ “الأمة الكردية” دور في تعزيز الخلاف.

في عام 2013 انضم المجلس الوطني الكردي إلى الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة عبر 11 ممثلًا في الهيئة العامة، وثلاثة ممثلين في الهيئة السياسية.

ورغم الخلاف على شكل الدولة فإن ذلك لا يعطل، وفق عليكو، مشاركة المجلس في أنشطة المعارضة وهيئاتها السياسية، ويضيف “المعارضة متفقة على اللامركزية الإدارية وتوسيع صلاحيات المجالس المحلية، نحن نطالب باللامركزية السياسية، إذا لم تقبل المعارضة بوجهة نظرنا فذلك لا يعني أن ننسحب من المعارضة، طرحنا استراتيجي ومستمر حتى بعد تغيير النظام، هذا لا يعني أننا سندير ظهرنا للمعارضة”.

ويشدد عليكو “إذا كان هناك عشر نقاط تباين بيننا واتفقنا على ست منها فهذا جيد، أما الأربع الباقية فتبقى محل جدل، والزمن كفيل بحلها، نحن نتعامل بنفس طويل مع المعارضة وضمن الرؤية السياسية للمعارضة، وندافع عن حقنا في إبداء وجهة نظرنا في كافة المحافل السياسية”.

ورغم “التوافق النسبي” الذي تحدّث عنه عليكو، والمنعكس في استمرار تمثيل المجلس في الائتلاف الوطني المعارض، إلا أن هذا التمثيل جرّ على المجلس انتقادات كبيرة من قبل ناشطين كرد اتهموه بأنه يمثل رؤية الائتلاف السياسية وأهدافه أكثر مما يعبر عن تطلعات الكرد.

حاضرون في جنيف

شارك المجلس الوطني في جولات جنيف الثلاث عبر ممثليه في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وأبدى مرارًا تمسكه بالمفاوضات السياسية لحل الصراع في سوريا، وقرار مجلس الأمن 2254 القاضي بإنهاء النزاع المسلح.

إلا أن العلاقة مع الهيئة العليا للمفاوضات لم تكن ودية بشكل كبير، بل شابتها إشكاليات عدة، يتجلى أبرزها في تصريحات الرئيس السابق للهيئة العليا للمفاوضات، العميد أسعد الزعبي، حول نسبة الكرد في سوريا، والتي اعتبرها المجلس مهينة بحق الشعب الكردي، وطالب إثرها بانتخاب بديل للزعبي.

سليمان أوسو ، عضو لجنة العلاقات الخارجية للمجلس الوطني الكردي

ويؤكد سليمان أوسو، عضو لجنة العلاقات الخارجية للمجلس الوطني الكردي، أن المجلس مايزال يبدي رغبة في مفاوضات الحل السلمي، ويضيف “هدفنا إيقاف حمامات الدم في سوريا بعد أن فشلت كل الأطراف في الحسم العسكري”. 

“عقدة الفيدرالية”.. مساحة الجدل في مشروع المجلس

يضع المجلس الوطني عنوانًا عريضًا لعمله السياسي، وهو “النضال لتثبيت حقوق الكرد في سوريا”، ومن هذا المنطلق يتمسك المجلس بالفيدرالية كنظام حكم في سوريا بعد تغيير النظام السوري، الأمر الذي كان سببًا لخلافاته مع المعارضة السورية من جهة، ومع حزب الاتحاد الديمقراطي من جهة أخرى.

إذ تطرح المعارضة فكرة اللامركزية الإدارية والصلاحيات الموسّعة للمجالس المحلّية، ويتمسّك حزب الاتحاد الديمقراطي بالفيدرالية التي أعلنها في الشمال السوري والتي تقوم على المكونات الاجتماعية في سوريا.

وفي أعقاب إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي الفيدرالية عام 2016، أبدى المجلس رفضه لها وأصدر بيانًا جاء فيه أن “تفرد حزب الاتحاد الديمقراطي بالإعلان عن (الاتحاد الفيدرالي الديمقراطي لروج آفا – شمال سوريا) من طرف واحد، وبعيدًا عن الخصوصية القومية والجغرافية في كردستان سوريا سيلحق الضرر الأكبر بالنضال القومي والوطني ويبعد شعبنا الكردي عن تطلعاته القومية والوطنية المنشودة”.

ورغم أن المجلس الوطني لم يطالب بالفيدرالية في أولى اجتماعاته التأسيسية، إلا أنه انتقل في الاجتماع الثالث إلى المطالبة بها، الأمر الذي أشعل فتيل أولى خلافاته مع المعارضة السورية.

لكن فؤاد عليكو قال لعنب بلدي إن ذلك كان “توضيحًا للمطالب وليس تبديلًا فيها”، وأضاف “منذ المؤتمر الأول طالبنا بدولة لا مركزية وكتبنا في صيغة القرارات أننا نريد لامركزية سياسية ولم نشرح المفهوم، في المؤتمر الثالث وضحنا وقلنا الدولة الاتحادية الفيدرالية، ذلك ليس تبديلًا للمواقف”.

يدافع المجلس الوطني الكردي عن فكرة “الفيدرالية” على الرغم من أن الفيدرالية التي يطلبها غير واضحة المعالم، الأمر الذي يرجعه الباحث في الشأن الكردي بدر ملا رشيد إلى عدم تطبيقها على أرض الواقع عكس فيدرالية حزب الاتحاد الديمقراطي المعلنة.

بدر ملا رشيد، الباحث في الشأن الكردي

كما يشير ملا رشيد إلى أن فيدرالية المجلس الوطني تتقاطع مع فيدرالية حزب الاتحاد الديمقراطي في نقاط معينة وليست مختلفة بشكل كامل، مشيرًا إلى أن التصريحات الصادرة عن المجلس حول الفيدرالية تتناقض بين حصرها بثلاث مناطق وهي محافظة الحسكة، وتل  أبيض إلى كوباني، وعفرين، وبين ما ورد في “دستور كردستان سوريا” الذي صدر عن المجلس، لكن لم يتم تبنيه رسميًا حتى الآن، والذي يشير إلى أن “إقليم كردستان سوريا هو وحدة سياسية وقانونية متصلة جغرافيًا ضمن الدولة السورية”، وهنا يذهب المجلس لاعتبار المناطق المحيطة بتل أبيض، والمنطقة الممتدة من جرابلس إلى أعزاز كردستانية الجغرافيا.

وفي الحالة الأخيرة فإن فكرة الفيدرالية لدى المجلس تقترب من تلك التي تتحدث عنها “حركة المجتمع الديمقراطي” (الإدارة الذاتية، وضمنها حزب الاتحاد الديمقراطي)، إذ تطرح فكرة تندرج في نفس إطار ما طرح في “دستور كردستان سوريا” وهي اعتبار أن الشريط الحدودي السوري من ديريك (المالكية)، إلى عفرين، هي مناطق كردستانية، وستكون ضمن الفيدرالية.

أما عن نقاط الاختلاف فيؤكد ملا رشيد أنها مرتبطة بأيديولوجيا كل جهة، والأهم من ذلك أن فيدرالية حزب الاتحاد الديمقراطي هي مطبقة على أرض الواقع، بينما فيدرالية المجلس فهي حتى الآن فهي نظرية.

ولعل وجود هذا التناقض في مواقف المجلس من قضية من المفترض أنها “أساسية” في المشروع السياسي، يحمل مؤشرات على عدم اكتمال الرؤية السياسية للمجلس الوطني بدليل عدم قدرته على رسم معالم واضحة لأهدافه التي يتبنّاها ويدافع عنها.

الفيدرالية:

من أهم أنواع أشكال الحكم في العالم، تكون السلطات فيها مقسمة دستوريًا بين حكومة مركزية (أو حكومة فيدرالية او اتحادية) ووحدات حكومية أصغر (الأقاليم، الولايات)، ويكون كلا المستويين المذكورين من الحكومة معتمدًا أحدهما على الآخر ويتقاسمان السيادة في الدولة.

فيما يتعلق بالأقاليم والولايات فهي تعتبر وحدات دستورية لكل منها نظامها الأساسي الذي يحدد سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويكون وضع الحكم الذاتي للأقاليم أو الجهات أو الولايات منصوصًا عليه في دستور الدولة بحيث لا يمكن تغييره بقرار أحادي من الحكومة المركزية.

دستور الدولة الفيدرالية هو النظام الأساسي فيها، وهو ما يمثل سلطتها العليا، والدستور في هذا النوع من أنواع الحكم هو دستور صارم، والقوانين التي فيه ثابتة إلى أبعد مدى، بحيث لا يمكن تعديلها إلا عن طريق هيئة تشريعية أو سلطة عليا تتولى هذا الأمر.

ولتطبيق الفيدرالية في دولة ما يجب أن تتميز هذه الدولة بخصائص اجتماعية وطبيعية معينة، تتجلّى في وجود تقارب اجتماعي أو ديني بين مكونات المجتمع، ما يتيح الفرصة للتعايش بينها، كما يجب أن تكون جغرافيا الدولة مناسبة للتقسيمات الفيدرالية التي ينص عليه في الدستور.

في الحالة السورية يعد المكون الكردي الوحيد الذي طالب بإقرار الفيدرالية كشكل للحكم، كما أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي الفيدرالية في المناطق التي سيطر عليها من تنظيم “الدولة الإسلامية” شمال شرق سوريا.

كما يطالب المجلس الوطني الكردي بالفيدرالية كشكل للحكم في حال تغيير نظام الأسد.

لكن المعارضة السورية بهيئاتها المختلفة ترفض هذا الطرح وترى فيه مهددًا لوحدة الشعب السوري، وتدعو إلى “لا مركزية إدارية”، أي توسيع صلاحيات مراكز المحافظات مقابل تضييق صلاحيات الحكومة المركزية على المستوى الإداري.

من الدول ذات الحكم الفيدرالي، الولايات المتحدة الأمريكية والإمارات العربية المتحدة وإسبانيا وروسيا والسودان وألمانيا، وكثيرًا ما يتمّ الخلط بين الفيدرالية والكونفدرالية، لكن الثانية تعني اتحاد عدد من الدول القائمة بذاتها كما حالة الاتحاد الأوروبي، عكس الفيدرالية التي تعني اتحاد أقاليم أو ولايات أو إمارات ضمن راية دولة واحدة.

اجتماع للمجلس الوطني الكردي في كوباني – أيلول 2016 (المركز الإعلامي لحزب يكيتي الكردي السوري)

فعالية سياسية “ضعيفة” وقوة عسكرية “مغيبة”

كجسم سياسي يضم غالبية الأحزاب الكردية الكلاسيكية، شكل المجلس الوطني الكردي بداية انطلاقه حالة أمل لقسم كبير من كرد سوريا، الأمر المرتبط بضرورة وجود منصة سياسية يعبر من خلالها الكرد عن تطلعاتهم بالوصول إلى حقوق حرموا منها في السابق.

إلا أن هذا الدور سرعان ما تحول إلى محل انتقاد من ناشطين كرد طالبوا أعضاء المجلس بفعالية أكبر وتنظيم أعلى، وخاصة مع سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية على مناطق وجود الكرد في الشمال والشمال الشرقي السوري، وسطوة ذراعه العسكرية “قوات سوريا الديمقراطية”.

أما قوات “البيشمركة” التي تعتبر الذراع العسكرية للمجلس الوطني الكردي فلم تتمكن من الوجود على الأرض الأمر الذي جعل من القوة العسكرية للمجلس “مغيبة”، ما قلص من نفوذه وأضعف موقفه في مواجهة حزب الاتحاد الديمقراطي.

القوة العسكرية معيار القبول

لعبت “قوات سوريا الديمقراطية” خلال الأعوام الأربعة الماضية دور الحامي للكرد من تنظيم “الدولة الإسلامية”، وبذلك حصدت تأييدًا شعبيًا أكبر نسبيًا من قبل الكرد في سوريا، وذلك على الرغم من سياسة حزب الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية التي اتسمت بالقمع والتضييق الأمني.

حواس خليل

ويؤكد حواس خليل، عضو الهيئة السياسية للائتلاف الوطني المعارض والممثل عن المجلس الوطني الكردي، أن نفوذ حزب الاتحاد على الأرض كان أكبر من نفوذ المجلس، وذلك بسبب “تعرض المناطق الكردية لهجمات من المنظمات الإرهابية داعش والنصرة”.

لكن خليل يشير، في حديثٍ مع عنب بلدي، إلى أن قسمًا كبيرًا من المنتمين إلى “قوات سوريا الديمقراطية” مختلفون سياسيًا مع حزب الاتحاد الديمقراطي، الأمر الذي يدفع الأخير إلى ممانعة دخول قوات “البيشمركة” إلى المناطق الكردية خوفًا من تسرب مقاتليه وانضمامهم إلى القوات التي يدعمها المجلس الوطني الكردي.

ويرى الناشط الحقوقي الكردي ميرال بوروردا أن “انشغال المجلس بمحاولة لملمة نفسه والحفاظ على كوادره وأعضائه” كان سببًا أساسيًا في ضعف دوره، مضيفًا أن المجلس الوطني الكردي “لم يقدم أي دور في الحفاظ على كرد سوريا كقوة أساسية مقارنة مع ما قدمه منافسه الاتحاد الديمقراطي الذي استطاع –بغض النظر عن سلوكياته واستراتيجيته-أن يستولي على الحياة السياسية الكردية في سوريا”.

بينما يؤكّد الناشط الإعلامي الكردي شيرو علو في لقاء مع عنب بلدي أن المجلس كان يمكن أن يقدم شيئًا ملموسًا على الأرض، لولا قوة حزب الاتحاد الديمقراطي التي منعتهم من ذلك.

احتواء حزبي وفراغ شبابي

مقابل النفوذ العسكري لحزب الاتحاد، يرى حواس خليل أن المجتمع الكردي بأغلبيته يوافق توجهات المجلس الكردي، وذلك لأن “المجلس يحتوي ضمن هيكليته الأغلبية الساحقة للأحزاب الكردية التي لها باع طويل في العمل السياسي للدفاع عن القضية الكردية والقضية السورية بشكل عام”.

لكن شمول المجلس للأحزاب لم يحل مكان احتواء التنسيقيات والمجموعات الشبابية الكردية التي نشطت بداية الثورة والاستجابة لمطالبها، إذ يؤكد شيرو علو، الذي كان عضوًا في المجلس الوطني الكردي سابقًا، أنّ المجلس الوطني حاول بداية تأسيسه ضم جميع الحركات والتنسيقيات الشبابية، إلا أنه لم يستجب للمطالبات الشبابية، ويضيف “اتهموني بجرّ المجلس للخراب حين دعوت لتوسيع المظاهرات، وأكدوا أن المجلس للأحزاب وليس للشباب، كما طالب أعضاء في المجلس بخروج التنسيقيات منه”.

أما ميرال بروردا فيرى أن المجلس الكردي مايزال “أسير الماضي” ولم يغير من أساليبه النضالية، مؤكدًا أن الشباب الكرد بقوا معزولين عن المجلس رغم استغلال قياداته لبعض هذه النخب وجرها لصراعاته الداخلية وكلاسيكية أدائه.

أفضل الموجود

من وجهة نظر الصحفي الكردي، باز البجاري، فإن المجلس الوطني الكردي “بعد خمس سنوات من الانطلاقة القوية، وبضمه مجموعة كبيرة من الأحزاب الكردية الفاعلة، ليس في أحسن أحواله اليوم، وذلك نتيجة لمجموعة من الأسباب أهمها انسحاب أحزاب مؤسسة من صفوفه، والمزاجية التي يتعامل فيها قادة المجلس خارج سوريا ما جعله رهينة مصالح شخصية وأفقده دوره الفعال، رغم أنه كان يمتلك قاعدة شعبية واسعة بين الكرد في سوريا”.

يضيف البجاري “نظريًا الأهداف التي ينادي بها المجلس هي أهداف جامعة للشعب الكردي في سوريا، تزيد أو تنقص، ولكن بالمجمل نعم طرح المجلس الكردي لحل القضية الكردية وفق الظروف والمعطيات المتاحة تعبر عن أهداف الشعب الكردي بنسبة كبيرة”.

ويذهب ميرال بروردا إلى تأكيد رأي البجاري، ويقول “رغم كل الانتقادات التي يتم توجيهها للمجلس الكردي وأدائه الرديء مايزال الشعب الكردي في سوريا يتأمل من المجلس المذكور يقظة وانبعاثًا جديدًا في ركامه، لأن استمرار فشل المجلس يعني سيطرة كاملة للطرف المنافس له المتمثل بالاتحاد الديمقراطي، وهو ما يمهد لظهور ديكتاتورية بديلة لنظام الأسد وبالتالي بقاء الكرد رازحين تحت نير الاستبداد والقمع”.

مقاتلون من قوات سوريا الديمقراطية شمال الرقة – تشرين الثاني 2016 (رويترز)

أبرز الأحزاب المنضوية في المجلس الوطني الكردي (تقرير معلومات)

لم تشهد البنية التنظيمية للمجلس الوطني ثباتًا كبيرًا منذ تأسيسه حتى الآن، إذ شهد المجلس انسحابات عدة قلصت عدد الأحزاب المنضوية تحت رايته، ولعل أبرز تلك الانسحابات وأكثرها تأثيرًا في بنية المجلس هو انسحاب “الحزب التقدمي الديمقراطي الكردي”، بزعامة عبد الحميد درويش.

ويشار إلى الحزب “التقدمي” على أنه حزب سياسي ذو ثقل في الحياة السياسية الكردية، الأمر الذي جعل انسحابه “خسارة كبيرة للمجلس” حسبما يشير فؤاد عليكو، ممثّل المجلس الوطني الكردي في الهيئة العليا للمفاوضات، مرجعًا الانسحاب إلى “الخلافات التنظيمية”.

ويتألّف المجلس من 13 حزبًا سياسيًا وفق الخريطة التي أعدّها الصحفي الكردي، أحمد خورشيد، في دراسة بعنوان “الأحزاب الكردية وتفاعلاتها مع المشهد السوري، أبرزها:

الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا “البارتي” – جناح عبد الحكيم بشار:

هو من الأحزاب المشاركة في تأسيس المجلس، ويعد الفرع السوري للحزب “الديمقراطي الكردي” في العراق الذي يرأسه مسعود البرزاني.

يدعو “البارتي” إلى إقامة دولة سورية علمانية ديمقراطية لامركزية، وإلى الاعتراف بحقوق الكرد، بما في ذلك حق تقرير المصير، وفق تعريفه المذكور في مركز “كارنيغي” للشرق الأوسط.

يعد “البارتي” أحد فروع “الديمقراطي الكردستاني” وهو الحزب الكردي الأول في سوريا، ويرتبط بولاء مع مسعود البرزاني في العراق، الأمر الذي يتجلى من خلال تبنيه فكرة الفيدرالية كأساس في تصوره لنظام الحكم في سوريا.

الحزب اليساري الكردي:

يرأسه حاليًا محمد موسى، وهو حزب علماني يرتبط تأسيسه بالسياسي الكردي البارز أوصمان صبري، الذي شارك في تأسيس أول حزب سياسي كردي.

الحزب الديمقراطيّ الكرديّ في سوريا “البارتي” – جناح نصر الدين إبراهيم

هو الجناح الأقرب لليسار وتشكل بانشقاق “الحزب الديمقراطي الكردي” إلى جناحين في ثمانينيات القرن الماضي، ويرتبط بتحالف مع الحزب اليساري الكردي.

حزب المساواة الديمقراطي الكردي:

يتزعمه نعمت داوود، ويعتبر انشقاقًا عن الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا، تأسس عام 1992 واستمر تحت اسم الحزب الديمقراطي الكردي حتى عام 2008، ليغير اسمه بعدها إلى حزب المساواة، ويعد من الأحزاب المتحالفة مع “البارتي” جناح عبد الحكيم بشار.

حزب يكيتي الكردستاني في سوريا:

تشكل هذا الحزب بعد الانشقاق عن حزب يكيتي الكردي في سوريا نتيجة الخلاف في مؤتمر 2009.

يتبنى الحزب مطلب الفيدرالية كحل للقضية الكردية في سوريا، وفي عام 2014 اندمج حزب يكيتي الكردستاني مع الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ليتشكل الحزب الديمقراطي الكردستاني –سوريا، ويتزعمه عبد الباسط حمو.

 

أعد هذا الملف من قبل عنب بلدي بالتعاون مع راديو ARTA FM


حلقة خاصة عن الملف في راديو ARTA FM

مقالات متعلقة

  1. المجلس الوطني الكردي يفتتح مكتبه في جنيف
  2. "المجلس الوطني الكردي" يفتتح مكتبًا في العاصمة الألمانية برلين
  3. "الاتحاد الديمقراطي" يغلق معظم مكاتب "المجلس الوطني الكردي"
  4. "التحالف الوطني الكردي" كيان سياسي جديد في عامودا

Top
× الرئيسيةأخبار وتقاريراقتصادرأي وتحليلناسفي العمقملتيميديارياضةتكنولوجياثقافةصحافة غربيةسوريون في الخارجالنسخة الورقية