“شهداء في الأرحام”

ضحايا الحرب في سوريا لم يولدوا بعد

syria0.jpg

آية متضررة من القصف الكيماوي على مدينة خان شيخون بريف إدلب - نيسان 2017 (عنب بلدي)

ضحايا الحرب في سوريا لم يولدوا بعد

عنب بلدي عنب بلدي

فريق التحقيقات في عنب بلدي

لم يمر القصف ذلك اليوم بسلام على عائلتها كما اعتقدت “آية”، وإن لم تكن خسارتها كبيرة بالمقارنة مع غيرها، فالغاز الذي تسرب إلى أحشائها تمكن من جنينها بينما كانت تبحث عن مأوى يحميها وطفلها الآخر من موت بلا دم، موت خطَف الهواء من صدور أهالي مدينة خان شيخون واستبدله بالسم.

“استنشقت الكيماوي، لكني لم أدرك أني متأثرة كغيري”، تصف آية فضل أحداث اللحظات التي تلت استهداف مدينة خان شيخون بالغازات السامة من طائرات النظام في نيسان الماضي، مضيفة “توجهنا إلى منزل أخت زوجي للاطمئنان عليها، فوجدنا أنهم كانوا يجمعون جثث الشهداء الذين قضوا نتيجة القصف في إحدى غرف منزلها، كانت الغرفة صغيرة وضيقة ما جعل الغاز كثيفًا فيها”، في تلك اللحظة فقط بدأت أعراض التأثر بالغاز تظهر عليها.

تستطيع آية أن تحشد كلماتها لوصف الطريق من خان شيخون إلى جبل الزواية حيث تم إسعافها، لتصل بسرعة إلى اللحظة التي غابت فيها عن الوعي، وتستسلم بعدها لصمت صغير كأنه الفاصل بين الصدمة وإدراكها.

خسرت آية جنينها ذلك اليوم لينضم إلى نحو 100 ضحية أخرى نتيجة القصف، لكن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد، بل خلق تكرار سيناريو الكيماوي في سوريا مخاوف كبيرة على المستقبل، يتعلّق قسم كبير منها بالأطفال والأجنة، وهو ما بدأت تظهر آثاره مع ارتفاع أعداد الأجنة والمواليد المشوهين وتزايد حالات الإسقاط.

تشير طبيبة التوليد الإدلبية إكرام حبّوش إلى أن حالات تشوه الأجنة لدى النساء اللاتي تعاينهن ارتفعت بشكل كبير منذ بداية الحرب، لافتةً إلى أن هذه الحالات لم تكن تشكل نسبتها أكثر من 1 أو 2%، لكنها باتت تصل اليوم إلى 7 أو 8% من إجمالي النساء الحوامل اللاتي يترددن إلى عيادتها.

ورغم أن حبوش لا تجزم بدور القصف بالغازات السامة على إدلب في التسبب بتشوه الأجنة، لكنها تؤكد على أن الأثر سينعكس مستقبلًا في زيادة التشوهات والسرطانات بشكل عام.

وفي حين تبدو النسبة 8% مدعاة لقلق حقيقي، لا تتحرك أي جهات طبية لرصد الموضوع كـ “ظاهرة”، بل تتم مواجهتها بالكثير من الشكوك، من باب صعوبة تطبيق دراسات من هذا النوع، ولعدم وجود مدى زمني يمكن أن تظهر الآثار فيه بشكل واضح.

عنب بلدي سعت إلى تتبع “الظاهرة”، فكانت الغوطة الشرقية الهدف الأساسي بعد مرور أربعة أعوام على “مجزرة الكيماوي” الشهيرة، لكن وجهة نظر الأهالي كانت مختلفة تمامًا عن وجهة نظر الأطباء، فبينما أكدت مصادر محلية لعنب بلدي تزايد أعداد حالات الإسقاط والإجهاض وتشوه الأجنة بعد قصف الكيماوي، بتاريخ 21 آب 2012، آثر غالبية أطباء التوليد والأطفال استبعاد “الظاهرة”.

السيدة خولة، المسؤولة في مكتبة “بيت الحكمة” في الغوطة الشرقية، أشارت لعنب بلدي إلى أن إحدى النساء من منطقتها نجت من القصف بالكيماوي بأعجوبة، لكنها منذ ذلك الحين تتعرض لحالات إسقاط متكررة، وأضافت أن جنينها الذي نجا من الموت في أحشائها ولد مصابًا بتشوه في القلب أدى إلى وفاته بعد فترة وجيزة.

مركز “رحمة” لعلاج مرضى الأورام ومرضى الدم في الغوطة يؤكد أيضًا العلاقة بين قصف الكيماوي وإصابة الأطفال بالسرطانات، لافتًا إلى دوره في التسبب بتشوهات أجنة “غريبة”.

لكن طبيب التوليد أحمد عبد الغني، الذي يعمل في أحد المراكز الطبية ضمن الغوطة، قال لعنب بلدي إن معظم حالات التشوه التي يعاينها شائعة، رافضًا الجزم بوجود علاقة حقيقية لذلك بالتعرض للغازات السامة.

وإن كان موضوع عدم حصر هذه الحالات مرتبطًا بضعف بالإمكانيات، أو بعدم وجود “ظاهرة” بالفعل، فإن ذلك يمكن أن يشكل أملًا ومجالًا لتقليص مخاوف أهالي إدلب والغوطة من آثار الكيماوي المستقبلية.

آية أيضًا لديها أمل في التغلب على آثار ذلك اليوم الذي غير حياتها، وفي تبديد قلق زوجها من تكرار الأحداث السابقة، يساعدها على ذلك جنين جديد ينمو في أحشائها.

بين الملاحظة وصعوبة الإثبات

انتشار “غير معلن” لظاهرة الإجهاض وتشوه الأجنة

استنادًا للقاعدة التي تقول إن الحرب لا تنتهي لمجرد انتهاء النزاعات والأعمال المسلحة، يستعد السوريون، رغم عدم انتهاء النزاع، لاستقبال فصل جديد من فصول المعاناة ومواجهة آثار خلفتها السنوات السبع الماضية والتي قد يحتاجون عشرات السنين للتعافي منها.

ولم تخفَ تأثيرات الحرب الفورية على كافة أطياف المجتمع السوري، بمن فيها النساء، والحوامل منهن تحديدًا، فالإفراط في استخدام الأسلحة وصل حد استخدام غازات كيماوية تركت آثارها في صحتهن وصحة أجنتهن، فيما يصعب التنبؤ باستمرار تأثير الكيماوي على السوريين لحين تكرر الحالات على المدى البعيد.

توثيق “غير رسمي” لتفشي الظاهرة

لم تستطع المنظمات الصحية الدولية والمحلية إجراء إحصائيات رسمية تثبت تأثير الأسلحة الكيماوية على الإجهاض المتكرر وتشوه الأجنة على وجه التحديد، كون المناطق التي تعرضت للقصف بالكيماوي محاصرة من قبل النظام السوري، أو خاضعة لسيطرة فصائل المعارضة، ما يعرقل إمكانية دراسة الظاهرة على أرض الواقع.

وتعتبر غوطة دمشق الشرقية البيئة الأنسب لتحديد مدى تأثير الكيماوي على صحة الحوامل وأجنتهن، كونها تعرضت في آب 2013، لقصف بغاز الأعصاب “السارين”، صُنف بالأعنف في تاريخ الصراع السوري، إلا أن الحصار المفروض عليها يعرقل إجراء أي دراسة رسمية.

أما الهجوم على بلدة خان شيخون، في نيسان 2017، فيعتبر حديثًا نوعًا ما، وبالتالي فإن دراسة أثر الحالة يحتاج إلى أكثر من عامين لإثبات صحة الفرضية.

إلا أن ملاحظات بعض الأطباء أثبتت ارتفاع نسب الإجهاض وتشوه الأجنة، في الغوطة الشرقية وخان شيخون، بشكل ملحوظ عما كانت عليه قبل عام 2011.

تشوهات غريبة على الأطباء

عنب بلدي تواصلت مع أطباء من مدينة إدلب ومن غوطة دمشق للاستفسار عن الظاهرة، التي اعتبرت الدكتورة النسائية إكرام حبوش أن نسبتها زادت في الأشهر القليلة الماضية.

وقالت حبوش إنها لاحظت تزايد عدد الأطفال الذين يولدون بتشوهات خلقية بنسبة 8% عن العام الماضي، في حين لم تكن تتجاوز نسبة تشوهات الأطفال، في عيادتها بمدينة إدلب 2%.

إلا أن ما أثار استغراب الدكتورة هو ولادة أطفال بأنواع جديدة وغريبة من التشوهات، تأتي على شكل أورام في مناطق متفرقة من جسم المولود، وفق ما قالت.

وأضافت أن آثار الكيماوي “يمكن أن تظهر مستقبلًا بانتشار مرض السرطان، وأنواع جديدة من تشوهات الأجنة يمكن أن تسبب إجهاضات متكررة”.

من جانبه، قال الدكتور محمد رائد الحمدو إن معظم النساء الحوامل في بلدة خان شخون أجهضن بعد الهجوم الذي تعرضت له البلدة.

وأضاف لعنب بلدي أن حالات التشوه لدى الأطفال “لم تظهر لأن فترة المجزرة غير كافية لكشف التشوه، خاصة أن المرأة الحامل أجهضت، والتي حملت بعد المجزرة لم تلد حتى الآن”.

وتوقع الحمدو حدوث حالات تشوه “خطيرة جدًا” وانتشار مرض السرطان في المنطقة مع تقدم الزمن.

أما في الغوطة، فيستبعد الأطباء أن يكون للكيماوي أثر على الحوامل على المدى البعيد، ولم يخفِ الدكتور وليد عواطة وجود حالات إجهاض وتشوه أجنة، ولكن “لم تخرج عن حدود المألوف”.

وأضاف عواطة، المختص بالتوليد في مشفى زملكا بالغوطة الشرقية، أن الحالات الغريبة والمتكررة هي استسقاء السائل الأمينوسي لدى حديثي الولادة، وهو عادة يترافق مع تشوهات عصبية.

وتابع الدكتور، في حديث لعنب بلدي، أن الشكل العام في الغوطة هو ولادة أطفال بدون جمجمة، وقيلة سحائية دماغية كبيرة، يظهر رأس الجنين بسببها كرأس الضفدع.

ولم تستطع أي جهة رسمية حتى الآن أن تثبت علاقة الكيماوي بذلك، وفق ما قال الدكتور عواطة.

مناطق النظام تحت المجهر

رغم أنها لم تتعرض لأي قصف بالأسلحة الكيماوية، شهدت العاصمة دمشق ارتفاعًا ملحوظًا بنسب الإجهاض وتشوه الأجنة والمواليد الجدد، لأسباب عدة لم تحصر بتأثير الكيماوي.

إلا أن قرب الغوطة الشرقية من مركز العاصمة يجعل من المرجح حصول تأثير، غير مباشر، على الحوامل في المناطق المحيطة بها، كون تأثير الكيماوي قد يطال المحصولات الزراعية والماء والهواء.

وتشير رئيسة قسم الأطفال في مشفى التوليد بدمشق، الدكتورة نوار فرعون، في حديثها لصحيفة “الوطن” المحلية، في تموز الماضي، إلى ارتفاع نسبة الوفيات إثر التشوهات التي أصابت الأطفال خلال عام 2016 إلى 7.7%، بينما بلغت 3.5% في العام الذي سبقه.

وأوضحت أن نسبة الوفيات بسبب الخدج (الولادة المبكرة) عام 2015 وصلت إلى 32%، وارتفعت عام 2016 إلى 57.5%..

ولا تعكس هذه الإحصائية معدل التشوهات، لأن عددًا كبيرًا منها ينتهي في مراحل مبكرة من الحمل بعملية الاجهاض التي زادت نسبتها أيضًا، وفق ما قالت فرعون.

وبحسب إحصائيات لمشفى التوليد بدمشق، فإن حالات التشوه المسجلة في جناح الولادات ارتفعت خلال عام 2016 إلى 23 حالة.

في حين سجل مشفى الأطفال الجامعي في دمشق نحو 6430 حالة تشوه خلقي عند الأطفال في الفترة بين عام 2011 و2016، لأسباب مختلفة.

أما مشفى أمراض وجراحة القلب الجامعي في دمشق فأعلن عن ارتفاع “ملحوظ” في نسبة التشوهات القلبية الخلقية عند الأطفال السوريين.

وفي حديث لصحيفة “الوطن” المحلية، في حزيران الماضي، قال رئيس المشفى، حسام خضر، إن 1% من أطفال سوريا المولودين حديثًا أجروا عمليات جراحية في القلب.

ولا تعترف حكومة النظام السوري، التي تنكر مرارًا استخدامها لأسلحة محرمة دوليًا، أن للكيماوي أثرًا في ارتفاع النسب السابقة، فيما تبقى الغازات الكيماوية من ضمن الأسباب الرئيسية، طبيًا، والمسببة للإجهاض وتشوهات الأجنة.

كيف يؤثر الكيماوي على صحة الحامل وجنينها؟

من وجهة نظر الأطباء السوريين فإنه لا يمكن تقدير آثار المواد الكيماوية التي استخدمت في قصف خان شيخون والغوطة، باعتبارها جديدة على السوريين.

وقال الدكتور محمد رائد الحمدو إنه “يمكن قياس المواد الكيماوية على الدخان، فكمية قليلة جدًا من الكيماوي الموجود في السجائر تسبب سرطانًا، فكيف يمكن لسلاح كيماوي؟”.

وعن النتائج التي يمكن أن يسببها الكيماوي بشكل عام، قال الحمدو إن العقم لدى الرجال والنساء والأمراض السرطانية بالثدي والرحم عند المرأة، تعتبر إحدى أخطر آثاره.

أما عن تأثيره على تشوه الأجنة فيظهر في جانبين، الأول فور الولادة ويتمثل في تشوهات خلقية بزيادة عضو من جسم الطفل أو فقدانه، بالإضافة إلى أمراض صدرية ونفسية وقلبية.

والثاني يظهر بعد ولادة الطفل بفترة ويتمثل بأورام خبيثة وضعف في النمو وضمور في الدماغ وضعف في الذاكرة، التي يمكن أن ترافقه على المدى البعيد.

وعلميًا، ترجع تشوهات الأجنة بتأثير الكيماوي إلى ما يعرف علميًا باسم الـ “تيراتوجينيسيتي” (TERATOGENICITY)، وهو حدوث تغيرات في نمو الكائن الحي وأعضائه نتيجة مؤثرات خارجية مثل السموم والأشعة والمواد الكيماوية.

وفي حال دخلت هذه المواد رحم الأم أثناء تكوين الجنين، في الأسابيع العشرة الأولى من الحمل، تؤدي إلى اضطراب في تكوين الأعضاء لديه.

أما تشوهات الجهاز العصبي فتعود إلى أن المواد الكيماوية أصابت الأم في أشهر متقدمة من الحمل، والتي تكون فيها أعضاء الجنين قد تكونت باستثناء المخ، الذي يستمر بالتكون حتى بعد الولادة.

ناج فقد جميع أفراد عائلته في القصف الكيماوي على مدينة خان شيخون بريف إدلب – نيسان 2017 (أرشيف عنب بلدي)

حرام” ولكن…

ما حكم إجهاض الجنين المشوه في الإسلام؟

ساعدت أجهزة الإيكو الحديثة في رصد أي تشوهات أو مشاكل صحية في الأجنة، الأمر الذي لم يكن ممكنًا في زمن سابق. ومع إمكانية اكتشاف التشوهات طفت تساؤلات حول أحكام إسقاط هذه الأجنة وجوازها من وجهة نظر الشرع.

أحمد حوا ، المتحدث باسم المجلس
الإسلامي السوري

تدور أغلب الآراء الفقهية حول جواز إسقاط الجنين بشكل عام قبل مرور 40 يومًا على بداية تشكله، من باب أن الروح لم تُبث فيه بعد، مع وجود أصوات تحرم الإسقاط حتى خلال الشهر الأول من الحمل، وهو الأمر الذي يؤيده المتحدث باسم المجلس الإسلامي السوري، أحمد حوا.

ويرى حوا أنه إذا ثبت الحمل فلا يجوز إسقاطه ولو كان في أيامه الأولى، وذلك عملًا بظواهر النصوص التي أثبتت حرمة هذه النفس التي تخلقت في بطن الأم.

كما يشير إلى أنه “لا فرق في أن يكون إسقاط الجنين قبل نفخ الروح أوبعدها لأنه ليس عندنا دليل على جواز إسقاط الجنين قبل نفخ الروح، وأن الحرمة فقط في إسقاطه بعد نفخ الروح، كلاهما سواء وكلاهما حرام”.

المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي أفتى في دورته (12) عام 2000 بجواز الإجهاض قبل الأربعين عند ثبوت أن الجنين مصاب بتشوهات خلقية، شرط أن يكون التشوه “شديدًا”، كما يتخذ القرار بإجماع لجنة من الأطباء المختصين.

ومن وجهة نظر حوا، فإن السبب الوحيد الذي يجوز فيه إسقاط الجنين هو في حال الخوف على حياة الأم، “وهذا الخوف يجب أن يكون مبنيًا على تقرير لجنة طبية وليس فقط طبيب أو طبيبة، لأن هذه التقديرات المنفردة قد تخطئ، ما عدا ذلك إذا كان هناك تشوهات أو ما إلى ذلك فإن هذه النفس محرمة ولا يجوز إسقاطها”.

أما هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، فتقول “إن كان الحمل في الطور الأول وهي مدة الأربعين، وكان في إسقاطه مصلحة شرعية أو دفع ضرر متوقع، جاز إسقاطه، أما إسقاطه في هذه المدة خشية المشقة في تربية الأولاد أو خوفًا من العجز عن تكاليف معيشتهم أو تعليمهم أو من أجل مستقبلهم أو اكتفاء بما لدى الزوجين من أولاد فغير جائز”.

أبرز أسلحة النظام المحرمة دوليًا

أدين النظام السوري عشرات المرات باستخدامه الأسلحة المحرمة دوليًا ضد المدنيين في مناطق سيطرة فصائل المعارضة، ولعلّ أبرز الهجمات وأضخمها كان القصف بالغازات السامة على الغوطة الشرقية في آب 2013، والذي خلف 1400 من الضحايا أغلبهم من الأطفال والنساء، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف النظام عن تكرار الأمر في مناطق سورية عدة كخان شيخون وسراقب وغيرها.

وغالبًا ما تكون التقارير الحقوقية حذرة في تحديد نوع الأسلحة المستخدمة في القصف، وخاصة الكيماوية منها، وذلك لأن تحديدها بدقة يتطلب وجود مراقبين على الأرض يأخذون عينات من الأرض والأبنية وخزعات من الأهالي في المنطقة المستهدفة، وعلى هذا الأساس يتم تحديد السلاح.

لكن التقارير الطبية والأعراض التي تظهر على المدنيين كانت عاملًا مهمًا في التأكيد على أن غازي السارين والكلور المحرمين دوليًا كانا الأكثر استخدامًا، إلى جانب القنابل الحارقة (النابالم)، والقنابل العنقودية التي اعترفت روسيا باستخدامها في هجمات على مناطق المعارضة تنظيم “الدولة الإسلامية”.

غاز السارين

ينتمي غاز السارين إلى سلسلة غازات الأعصاب “G”، التي تم اكتشافها على يد علماء ألمان بين عامي 1936 و1949، وكان الجيش الأمريكي أول من ضم هذا الغاز إلى ترسانة أسلحته النووية منذ منتصف القرن الماضي.

يعرف السارين بأنه شديد السمية لا لون له ولا رائحة، ويكفي نصف مل غرام منه ليكون جرعة مميتة تبدأ أعراضها بشلل الجهاز التنفسي وفقدان الوعي وتنتهي بالموت خلال دقيقة ونصف وسطيًا، إذ يهاجم غاز السارين نقاط الاتصال بين الخلايا العصبية ما يعني توقف الاتصال بين الأعصاب والعضلات.

من الآثار المباشرة لاستنشاق المرأة الحامل لغاز السارين هي الإجهاض، وذلك بسبب نقص تركيز الأوكسجين في دم الحامل، ما يؤدي إلى اختناق الجنين، كما يمكن أن يؤدي نقص الأوكسجين إلى تشوهات مختلفة لدى الأجنة.

وبحسب تقرير لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن الأسلحة الكيماوية في سوريا، فإن النظام السوري استخدم السارين أكثر من مرة، ومنها الهجوم على مدينة خان شيخون في نيسان الماضي والذي أدى إلى مقتل نحو 100 مدني.

غاز الكلور

عنصر كيميائي رمزه “CI”، وبعرف بأنه سام للغاية، وعامل مؤكسد قوي، ويمكن لغاز الكلور أن يتحول إلى سلاح فتاك إذا ما استخدم بتركيزات عالية، وفي حال استخدامه بجرعات منخفضة، يمكن أن يتسبب في تلف الرئتين أو صعوبات التنفس وأعراض أخرى بينها التقيؤ والغثيان.

ومن الآثار بعيدة المدى للتعرض إلى تركيزات عالية للكلور الإصابة بالسرطانات، كما يمكن أن يشكل خطرًا على المرأة الحامل والجنين.

استخدم النظام السوري غاز الكلور في قصف مناطق سورية عدة، الأمر الذي أشارت إليه تقارير أممية عدة، كما تبنى مجلس الأمن الدولي في آذار عام 2015 قرارًا يدين استخدام غاز الكلور في سوريا.

النابالم

ومادة نابالم هي سائل هلامي يلتصق بالجلد وقابل للاشتعال، ويصنع من خلال إضافة قطع الصابون الزيتي إلى البنزين المسخن بطريقة غير مباشرة، ويسبب عند ملامسته الجلد حروقًا من الدرجة الرابعة والخامسة.

طورت الولايات المتحدة الأمريكية المادة خلال الحرب العالمية الثانية واستخدمتها في قصف مدينة ديرسدن الألمانية 1945، الأمر الذي خلف بين 25 إلى 40 ألف قتيل من المدنيين، كما استخدمتها الولايات المتحدة خلال الحرب الفيتنامية (1961- 1970)، ما أدى إلى مقتل الآلاف.

تسبب هذه الذخائر حروقًا بالغة في الجسم المصاب يمكن أن تؤدي إلى الموت أو إلى تشوهات خطيرة.

تم توثيق استخدام النابالم في سوريا لأول مرة عام 2012، وتحديدًا في استهداف مدن وبلدات ريف حلب ومدينة داريا بريف دمشق، وبحسب تقارير إعلامية فإن الذخائر التي يزودها النظام بالنابالم غالبًا تكون من نوع “ZAB”.

الفوسفور

الفوسفور الأبيض سلاح يحرق الجسم بشكل كامل، وفي حال استنشاقه لفترة قصيرة يتسبب بتهيج في المجاري التنفسية، أما استخدامه لفترة طويلة فيسبب جروحًا في الفم وتضررًا لعظام الفكين.

استخدم الفوسفور الأبيض على نطاق واسع في الحرب العالمية الأولى، كما استخدمته الولايات المتحدة في الحرب الفيتنامية، كما واجه صدام حسين اتهامات باستخدامه ضد الكرد في الفلوجة عام 1991.

يستهدف الفوسفور أجهزة الضحايا الحيوية، كالقلب والكبد والكليتين والرئتين والقصبات الهوائية، وهو سبب رئيسي للإصابة بالسرطانات على المدى البعيد.

والفوسفور الأبيض هو أحد الأسلحة المحرمة دوليًا والتي استخدمها النظام السوري في استهداف مناطق عدة، منها ضاحية الأسد في ريف حلب، كما أدانت الأمم المتحدة استخدام التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الفوسفور الأبيض في قصف مناطق تنظيم “الدولة” في الرقة وتل أبيض.

القانون الدولي يحرّم ويعاقب.. ولا ينفّذ

اتفاقيات دولية تحرم استخدام الكيماوي.. سوريا خارجها

تحت نصوص القانون الدولي درجت ما تسمى “الأسلحة المحرمة دوليًا” بعد أن استشعرت كبرى دول العالم الخطر المحدق بها نتيجة التوجه نحو استخدام غازات الأعصاب في الحروب، معتبرةً أنها جزء من أسلحة الدمار الشامل.

وكانت الحرب العالمية الأولى مصدر استشعار الخطر حين استُخدمت فيها غازات سامة أدت إلى إبادة جماعية طالت المدنيين، ما دفع بدول العالم إلى التوقيع على بروتوكول، عام 1925، نص على حظر الاستعمال الحربي للغازات الخانقة والسامة أو ما شابهها، وللوسائل البكتريولوجية.

إلا أن الاعتراف الصريح بحظر استخدام الغازات الكيماوية جاء في جنيف عام 1972، حين أُعلن عن اتفاقية دولية تُحرّم استخدام الأسلحة الكيماوية، انضمت إليها ما يزيد عن 189 دولة حول العالم، باستثناء سوريا وكوريا الشمالية وجنوب السودان وأنغولا ومصر، في حين وقعت إسرائيل ولم تصادق عليها.

وأضافت الاتفاقية على بروتوكول 1925 بنودًا أخرى هي، حظر استحداث وإنتاج وتخزين وحيازة ونقل الأسلحة الكيميائية، بما في ذلك نظم إطلاقها، وطالبت الدول التي تملك مخزونًا كيماويًا بتدميره.

وفي عام 1993 جددت دول العالم تعهدها بحظر استخدام وحيازة ونقل الأسلحة الكيماوية، ليأتي التنفيذ الحقيقي للاتفاقيات عام 1997، مع تأسيس منظمة خاصة لحظر الأسلحة الكيماوية، استقطبت مزيدًا من الدول المنضمة للاتفاقية.

سوريا تنضم “شكليًا” للاتفاقية الدولية

أعنف هجوم كيماوي شهدته غوطة دمشق الشرقية، عام 2013، كان كفيلًا بإرغام النظام السوري على الانضمام لاتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية، بل وأجبره على تدمير مخزونه الكيماوي بالكامل، وفق ما تهيأ لمنظمة الأمم المتحدة، التي قالت إنها تأكدت بالفعل من عملية التدمير.

إلا أن تقارير حقوقية ماتزال توثق حالات استخدم فيها النظام السوري الكلور وغازات أخرى خلال المواجهات.

وأسفر الهجوم على الغوطة، عن مقتل أكثر من 1100 شخص، موثقين لدى الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أما تقديرات الناشطين فتجاوزت قرابة 1400، أكثر من ربعهم نساء وأطفال.

وجاء الهجوم بغاز السارين على بلدة خان شيخون في إدلب، في نيسان 2017، ليشكك في صحة ما قالته لجنة التحقيق الدولية، بعد توجيه أصابع الاتهام لنظام الأسد بأنه لم يدمر مخزونه الكيماوي بالكامل، فيما ينفي النظام متهمًا معارضيه باستخدام تلك الأسلحة.

كيف يعاقب القانون الدولي على استخدام الكيماوي؟

نصت اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية على إخضاع المتجاوزين للبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي يقضي باتخاذ الإجراءات العقابية التي تراها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن “مناسبة” بحق مستخدمي الأسلحة المحرمة دوليًا.

وكون النظام السوري غير منضم للاتفاقية، حتى عام 2013، فضلت الأمم المتحدة إجباره على الانضمام وتدمير مخزونه الكيماوي، ثم اتخاذ قرار بمعاقبته في حال لم يلتزم ببنود الاتفاق.

ولم تهدد الأمم المتحدة بإجراء عقابي تلقائي ومباشر ضد حكومة النظام السوري في حال لم تمتثل للقرار، بل ستوجه مجلس الأمن باتخاذ قرار ضده تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وبما أن روسيا دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، فإنها لم تتوانَ عن استخدام حق النقض (الفيتو) لإبطال أي قرار عقابي يتخذه مجلس الأمن ضد النظام السوري، وهي حليفته القوية في المنطقة.

كيف يمكن التصرف في حال استنشاق الكيماوي؟

مجموعة من النصائح والإرشادات عن كيفية الوقاية من الهجمات الكيماوية أصبحت من ضمن أولويات بعض السوريين في المناطق التي قد تتعرض لهجمات كهذه.

وبما أنهم لا يستطيعون حماية أنفسهم من التعرض لها، يرى الأطباء أنه بالإمكان التخفيف من تأثير الغازات الكيماوية قدر المستطاع، باتخاذ بعض الإجراءات الوقائية.

الصيدلانية سوسن السعيد من مدينة إدلب، أوضحت لعنب بلدي بعض الإجراءات التي يتوجب على الناس العمل بها حال تعرضهم لهجمات كيماوية، وقالت إنه في حال كان الشخص داخل منزل فيتوجب عليه إغلاق كافة النوافذ والأبواب، وسد الثقوب التي قد يتسرب منها الغاز.

كما يتوجب عليه الاحتفاظ بقطعة قماش مبللة إما بالماء أو بالمشروبات الغازية، ووضع قناع من الفحم المطحون إن أمكن، لقدرته على إعاقة استنشاق الغازات الكيماوية.

ونصحت سوسن الأشخاص في حال كانوا خارج المنزل بالابتعاد عن مكان ضرب الكيماوي والتوجه إلى أماكن مرتفعة، كون الغازات السامة ثقيلة ولا ترتفع إلى طبقات عليا في الجو.

وتابعت “عليهم التخلص من الثياب التي كانوا يرتدونها عبر حرقها بالتحديد، لأن أثر الغازات لا يذهب بالماء والصابون”.

وبالنسبة للمسعفين، قالت سوسن السعيد إنه يتوجب عليهم ارتداء ملابس وقفازات مطاطية أثناء إسعاف المصابين، كي لا تنتقل الغازات الكيماوية إليهم، وأضافت “لاحظنا إصابة الكثير من المسعفين في مجزرة خان شيخون بسبب عدم اتخاذهم إجراءات وقائية وعدم وضع حاجز بينهم وبين المصابين”.

مقالات متعلقة

  1. جولة في خان شيخون بعد الهجوم الكيماوي
  2. مروحيات الأسد تتناوب على خان شيخون
  3. مركز الدفاع المدني في خان شيخون بإدلب بعد استهدافه
  4. جبهة النصرة تعتقل مدير المركز الإعلامي في خان شيخون

Top
× الرئيسيةأخبار وتقاريراقتصادرأي وتحليلناسفي العمقملتيميديارياضةتكنولوجياثقافةصحافة غربيةسوريون في الخارجالنسخة الورقية